تجديف إخوانجي

بقلم: محمد طعيمة

ربما صدفة.. وأراها ليست صدفة، هذا التزامن بين تراجع منظومة القيم الأخلاقية وبين أتساع الوجود الاجتماعي والسياسي للإخوان في مصر، الأمر يحتاج لدراسات ترصد هذا التراجع وتحلل دور قيم البنّاوية في ترسيخ "مظهرة" الدين لإفراغ الإسلام من جوهره التقدمي: خلافة الله وعمران أرضه. هم ليسوا أبرياء من "النجاسات والأوساخ" التي نسبها مرشدهم محمد بديع لمصر والمجتمع، واعدا بتطهيرنا منها رغم "أنهم ليسوا طرفاً فيها أو تسببوا في جزء منها". المؤكد أنهم شركاء للانظام الحالي فيما وصلت إليه مصر من تردٍ قيمي.
"طز في مصر" قالها المرشد السابق، وهاهو المرشد الحالي يكرر شتيمتها قاصراً "الربانية وماء السماء الطهور" على جماعته. "فلتة تقية" من مهدي عاكف تكشف عن موقع الوطن من قلب البنّاوية، لكن بديع كان واعياً.. مستخدماً ذات مفردات خطابهم العادي لترويض"القطيع"، ودغدغة مشاعره الدينية باللعب على السلوكيات والحريات الشخصية. كان بديع يقصد المعنى الفج للكلمة.. نجاسة، ليضيف لإهانة سلفه للوطن.. إهانة الشعب.
لعْب البنّاوية التاريخي على "الشخصي"، يُجيز أخلاقياً وسياسياً مواجهتهم بنفس خطابهم "السلوكي".. سواء تعلق بهم كأفراد أو جماعة، وتقييماته الأخلاقية، وأن "نقتدي" بمرشدهم في استخدام ذات المفردات. ونتذكر أن تاريخهم الأخلاقي، كما كل التنظيمات البشرية، مليء بما يناقض ادعاء قياداتهم بربانيتهم. ادعاء قد "يشربه" المائة ألف إخوانجي، التقدير لحليفهم د.عبدالحليم قنديل، لكن هذا الادعاء ينهار مع كشف جزء يسير جداً من سلوكيات هي في صلب التوصيف الذي تلفظ به بديع.. النجاسة.
"عمرك شوفت أوسخ من كده"، يُقيم أحمد زكي نفسه في فيلم "معالي الوزير" واصفاً كتابته تقارير أمنية عن زوجته، وهو ذات ما اعترف أبرز شيوخهم بفعله مع "إخوانه". وصحيح أن أحط درجات النجاسة هي التحالف مع العدو في مصر أو العراق، وهي توصيف أقرب لمن يوظف الدين في خدمة المنظومة الاستعمارية، وفي تشويه العقل المصري، وعرقلة تقدمه، لكننا سنلتزم بالجانب السلوكي الذي يلعب به الإخوان. وصحيح أن "حواديت" كثيرة تحيط بسلوكيات شباب وشيوخ، لكنها تظل "حواديت" حتى وإن أصبح بعضها من قبيل "العلم العام"، سواء سربها خصوم من داخل الجماعة أو من خارجها، دارت في مصر أو بالمهجر أو بقطر مغاربي. من هذا القطر مثلاً نتوقف عند ما هو متواتر عن تسجيل جهاز مخابرات عربي شريطاً لأحد رموزهم تدور "ممارسته" على سجادة صلاة، أو عند ما صاحب تأسيس إمارتهم في غزة من قصص فساد مالي وأخلاقي طالت قيادتهم وشيوخهم، ستجد نماذج منها على اليوتيوب.
"كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون". حين يلوّن بديع خطابه للقطيع بالحديث عن نجاسة شعب أو مجتمع مقابل طهارة جماعته، وجب ردعه وتذكيره بأن تاريخ البنّاوية يحفل بوقائع موثقة تُصنف كنجاسات وإن تسترت خلف الربانية.. لينطبق عليها المثل الشعبي الذي نردده على إحدى الدول العربية، فقط نستبدل الشعب بالجماعة.. والأرض بالشعار، فهم يريدون لنا بنية اجتماعية تُعمينا شعاراتها الدينية عن السوس الذي يأكلها، كما هو حال جماعتهم. وإذا كان الإخوان يعتبرون ما نشرته المصور بعنوان "فضيحة جنسية لشقيق زوجة حسن البنا" من قبيل التشويه الأمني، وأن ما كتبه أنور الهواري بالأهرام عام 1994 عن "التاريخ الجنسي للإخوان" يدور في نفس السياق، رغم أن الهواري "بنّاوي" الأصل والتربية قبل أن ينقلب عليهم، فإنهم لن يستطيعوا تبرير توظيف "أموال المسلمين" بشبكة "التوحيد والنور" في تعدد زوجات السويركي، وهي فضيحة لا تقارن بما فعله أحد جذورهم الأساسية، خضع لتحقيقات داخل الجماعة بضغط من قيادات تاريخية أبرزها أحمد السكري، والذي اتخذ من خضوع مرشده لإغراء ووعيد مصطفى النحاس مبرراً لكشف جزء من الفساد المالي والأخلاقي لإخوان البنّا.
أبرز أبطال هذا الفساد الأخلاقي أحد مؤسسي الجماعة، تقدمه مواقعها للقطيع كنموذج لـ"الأيدي المتوضئة". هو من أوائل من بايعوا المؤسس حتى ربطتهما علاقة عائلية، وُصف بذراعه الأيسر.. الأيمن كان السكري نفسه. بطل الفضيحة نموذج إخوانجي أصيل: ذقن وجلباب.. قال الله وقال الرسول، وتحت القبة ما تحتها. اقترح نظاماً للتزاور بين عائلات الجماعة في منازلهم "لتعميق الترابط والحب بينهم"، وافق البنّا وإخوانه وأوكلوا إلى صاحب الاقتراح مهمة تنظيمه. تدريجياً تسربت فضائح "راسبوتين الإخوان".. انتهك الحرمات متسترا بشعارات الربانية، ولم يكن أمام مرشدهم إلا فتح تحقيق مكتوب.. انتهى بإدانته. للتكتم على الفضيحة، أرسله البنّا في بعثة تنظيمية إلى الشام عام 1945 وحل نظام تزاور الأسر، واختفت وثائق التحقيقات. عاد "راسبوتين" من بعثته الشامية ليستعيد قوته داخل الجماعة، وظلت أجيال الإخوان تُربى على تقديس "الشيخ المُتوضئ" حتى رحيله في النصف الثاني من السبعينيات. المؤكد، حتى في سياق الطبيعة البشرية، أنه لم يكن حالة فردية.. هو الحالة الأكثر فجاجة والتي عجزوا عن كتمانها.
أليس تجديفاً في حق الذات الإلهية نسبة الربانية وماء السماء الطهور إلى هذه الجماعة. والأهم: أليست الروح التي تقف خلف "طز" و"نجاسة".. تجديفا في حق الوطن، فضحه.. فريضة على كل مصري. محمد طعيمة m.taima.4@gmail.com