تثوير ثقافة الموت كمفتاح للحياة

بقلم: جواد البشيتي
المخرج السويدي انغمار بيرغمان قرر ان يلعب بطله الشطرنج مع الموت

كيف يمكن أن تفكِّر وتعيش وتتصرَّف وأنتَ تعلم، على وجه اليقين تقريباً، أنَّكَ ستموت بعد شهرين أو ثلاثة أشهر؟

قبل بضعة أيام، وفي حلقة من برنامج "أوبرا" الشهير الذي تبثُّه فضائية mbc4، شاهدتُ الإجابة الحيَّة عن هذا السؤال، فضيف الحلقة كان أستاذاً جامعياً، في منتصف العمر تقريباً، متزوجاً، أباً لثلاثة أطفال، ناجحاً في حياته المهنية، سعيداً في حياته الزوجية، وفي حياته على وجه العموم. لقد اكتشف الأطباء إصابته بأخطر أنواع مرض السرطان، وهو سرطان البنكرياس، الذي لا يُكْتَشَف إلاَّ عندما يصبح الشفاء منه مستحيلاً، فصارحوا المريض في حقيقة حاله الصحية، مؤكِّدين له أن لا أمل له أبداً في الشفاء، وأنَّ موته محقَّق بعد شهرين أو ثلاثة أشهر على الأكثر.

هذا المريض، أو الحيِّ ـ الميِّت، تحدَّث عن الموت، وعن موقفه الفكري والنفسي والعملي من موته المحقَّ في القريب العاجل، وعمَّا سيفعل في ما بقي له من زمن ضئيل في الحياة، والذي سيكون مفعماً بآلام وأوجاع المرض في نهايته، فأثَّر فيَّ حديثه، وفي الحضور، على نحوٍ لم أعِشْهُ أو أعرفه من قبل، فما قاله في أمر الموت، وفي فهمه له، وموقفه منه، جعلني أقِف على معنى الحياة الذي لم نتعلَّمه حتى الآن، وأُدْرِك، في الوقت نفسه، كم نحن في حاجة إلى "تثوير" ثقافة الموت التي تستبدُّ بعقولنا ونفوسنا، فتغيير هذه الثقافة تغييراً جذرياً وعميقاً هو المفتاح لحياة كلها حياة.

وهذا "التثوير" الضروري لثقافة الموت عندنا، والتي هي من حيث الجوهر والأساس ضد الحياة، ليس بالقضية النظرية، أو الفلسفية الخالصة والمجرَّدة؛ ذلك لأنَّ الإنسان، وفي أصغر تصرُّف من تصرفاته، يُظْهِر ويؤكِّد تأثُّره العميق بوجهة نظر فلسفية معيَّنة، فخطر الصاعقة، مثلاً، يمكن أن يواجهه هذا الشخص بالدعاء والصلاة فحسب، وذاك بتثبيت مانعة صواعق، وذلك بالأمرين معاً.

وطالما رأيْتُ شيوخاً (وغير شيوخ) يزاولون نمطاً من التربية الدينية (للأطفال ولغير الأطفال) يَجْعَل متلقيها، والذي خضع لتأثيرها، يفهم الموت، ويتصوَّره، في طريقة تميت كل معنى للحياة في عقله وسلوكه، وكأن لا سبيل إلى الإيمان الديني سوى بث وزرع وغرس هذا الرعب (رعب الموت) في نفوس الناس، صغاراً وكباراً.

أمَّا "مرجعيتهم التربوية" فهي، في المقام الأوَّل، كتاب "عذاب القبر"، الذي أدعو "الدولة"، مُفْتَرِضاً أنَّها الحريصة على القيم التربوية الحقَّة، إلى جَمْع نسخه، وحرقها، وحظر تداوله؛ لأنَّ هذا الكتاب، وأشباهه، ينشر ثقافة موتٍ تَجْعلنا أموات ونحن على قَيْد الحياة، ولا يفيد منها إلاَّ ممتهني حراسة النعوش والقبور والليل، والساعين دوماً إلى استمرار وتثبيت حُكْم الأموات للأحياء على مرِّ القرون والعصور.

حتى طقوس الموت عندنا تَتَّجِه في الاتِّجاه الضار ذاته، فَلْتَنْظروا، إذا ما أردتم دليلاً على ذلك، إلى فحوى الخُطَب التي يلقيها شيوخ القبور عند دفن ميِّت، وإلى الطرائق التي من خلالها نُعبِّر عن حزننا، أكان صادقاً أم كاذباً. يكفي أن تَنْظروا وتتأملوا حتى تدركوا أنَّ الغاية هي جَعْلُنا نحن الأحياء (حتى الآن) في حالٍ من الموت الإنساني والحضاري والاجتماعي والفكري.. والسياسي أيضاً، فَقُلْ لي كيف تفهم الموت وتَنْظُر إليه حتى أقُلْ لكَ كيف تعيش، واقعاً وفكراً وشعوراً.

لقد رضعنا من ثقافة الموت، التي توفَّر الجهل على إنشائها وتطويرها ونشرها، ما أصابنا بـ "الإعاقة عن الحياة"، بكل أوجهها وصورها، حتى أنَّ الإرهاب الحقيقي (وليس الإرهاب في المعنى الذي اخترعته له الولايات المتحدة وإسرائيل) اتَّخَذ من تلك الثقافة سلاحاً يقاتِل به ويُحارِب، فالمتوفِّرون على صناعته من الشيوخ يوظِّفون كتاب "عذاب القبر"، وأشباهه، في إنتاج مزيدٍ من "القنابل البشرية"، التي يفجِّرونها لقتل مزيدٍ من الأبرياء الأبرياء.

قديماً سعى بعض فلاسفة الإغريق لإجابة سؤال الموت بما يسمح بإنتاج مزيدٍ من أبناء الحياة، الذين قال فيه الشاعر إيليا أو ماضي: أحْكَمُ الناس في الحياة أُناس علَّلوها فأحسنوا التعليل.

لقد قالوا، في فَهْمٍ للموت لا يُفْسِد معنى ومنطق الحياة، إنَّ الحيَّ (الإنسان الحي) هو وحده الذي يُدْرِك الموت ويَشْعُر به، فليس من ميِّت يُنْزِلونه إلى القبر وهو مُمْتَلِك الوعي والشعور والإحساس، فالموت لا معنى له، ولا منطق، إذا لم يكن نفياً كاملاً للوعي والشعور والإحساس.. لا مكان للموت فينا (شعوراً وإحساساً) ما دمنا أحياء؛ ولا مكان للوعي والشعور والإحساس فينا عندما نموت، فَلِمَ الخوف والذعر والهلع من شيء لن نحس به أبداً؟!

والآن، يأتينا العلم بما يقوِّي ويُعزِّز وجهة النظر الفلسفية القديمة تلك، فالأبحاث العلمية في ظاهرة الموت تَذْهَب في اتِّجاه تأكيد فكرة أنَّ الموت هو الظاهرة التي لا مكان فيها لأيِّ نوعٍ، أو مستوى، من أنواع ومستويات الإدراك والشعور والإحساس، فإذا كان الشخص المغمى عليه يعجز عن أن يُحدِّثكَ عن أي شيء حصل له عندما كان في حالة الإغماء فكيف للميِّت، الذي مات فيه كل وعي وشعور وإحساس، أن يعاني العذاب والألم..؟!

وعند دراسة "فكرة الموت"، في تطوُّرها التاريخي، نقف على كثيرٍ من أوجه العلاقة القوية والوطيدة بين "ثقافة الموت" و"ثقافة الحرب"، فالحرب، في أنماطها القديمة، شدَّدت الحاجة لدى كثير من الأمم إلى إنشاء وتطوير ثقافة للموت تَحْمِل المحارِب على استرخاص روحه، والسيطرة على قواه النفسية بما يَشْحَن دافعه القتالي بمزيدٍ من الشجاعة والجرأة والإقدام والبسالة.

لقد كان كرمويل يؤمن بأنَّ نتيجة كل حرب يخوضها هي من صنع مشيئة الله، فاندفع، بالتالي، في حروبه كافة غير مكترث للعواقب والنتائج، حاشداٍ للحرب من القوى المعنوية ما يفوق أضعافاً مضاعفة القوى المادية والعسكرية.

والمحارب المسلم كان يُظْهِر في ساحات القتال ما قلَّ نظيره من الشجاعة والجرأة والإقدام والاستبسال، فصورة الموت، في معتقده الديني، كانت تمنحه قوة معنوية هائلة. الموت، في معتقده الديني الراسخ فيه عقلا وشعورا ووجدانا وسلوكا، إنَّما هو من صنع الإرادة الإلهية فحسب، فالإنسان، ولو أحدقت به قوى الموت من كل حدب وصوب، يمكن أن ينجو ويظل على قيد الحياة ما دام الله لم يُرِدْ له أن يموت في هذا المكان وفي هذا الزمان. ويكفي أن يتمكن هذا المعتقد الديني من عقل الإنسان حتى يذهب إلى القتال ويقاتل وكأنَّه ذاهب إلى مباراة رياضية، متفرجاً أو لاعباً.

على أنَّ هذا لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أنَّ الفهم القدري للموت يمكن أن يُتَرْجَم دائماً (في كل زمان ومكان) بنصر عسكري، أو بما يمنع ويدرأ الهزيمة العسكرية، فـ "الحرب عن بُعْد" هي الآن النمط الأهم من أنماط الحرب الحديثة؛ وهي تقوم على "علمٍ أكثر وشجاعةٍ أقل".

إنَّني لم أقُلْ كل هذا الذي قُلْت في أمر الموت وثقافته إلاَّ لأُظْهِر الحاجة إلى ثقافة جديدة للموت، تَزيد أكثر فأكثر منسوب الحياة في حياتنا بأوجهها كافة، وتُحرِّرنا، عقلاً وفكراً وشعوراً.. وسلوكاً، من سلطان سلاطين الموت، الذين لا يعيشون إلاَّ في الموت، وبالموت! جواد البشيتي