تايلاند والايدز

بقلم: عصام البغدادي
متظاهرون تايلنديون يرتدون ملابس على شكل واقيات ذكرية لمحاربة انتشار الايدز

بعد ان استعرضنا نظرة عامة حول مرض الايدز في الجزء الاول من هذا البحث، نتطرق الى انتشار هذا المرض في تايلاند كنموذج لانتشاره في دول شرق أسيا.
بعض اجهزة الاعلام العربية وبعض المواقع الاسلامية تتجنى في كيل الاتهامات الواسعة لمملكة تايلاند حول مسألة الايدز دون ان تتعمق في هذا الموضوع:
ينقل احد المواقع عن مجلة زد ماغازين ما نصه: نشرت مجلّة «زد ماغازين» حول الايدز ودعارة الاَطفال والاَسواق الحرة في مملكة تايلند...: وازدادت صناعة الجنس في تايلند بعد ابرام معاهدة في العام 1967 والتي كانت تقضي بالسماح للجنود الاَمريكيين بالاتيان إلى تايلند من فيتنام لاَجل الراحة والاستحمام، وبحلول عام 1974 وصلت أماكن اللهو والدعارة إلى أكثر من عشرين ألف مكان فيما رصدت دراسة دوائر الشرطة أكثر من 400 ألف مومس وعاهرة. وفي يونيو 1989 وجد باحثون بأنّ نسبة 17.3% من المومسات يحملن فيروس الايدز الايجابي، وبحلول ديسمبر لعام 1989 قفزت إلى أكثر من 20.4%، وفي العام 1990 قدرت نسبة الاطفال العاملين في صناعة الدعارة الذين اصيبوا بفيروس الايدز الايجابي على صعيد البلاد كلها بحوالي 60%، وفي العام الجاري (1993) بلغ عدد المصابين بالايدز حوالي 600 ألف مصاب، ويزداد عدد المصابين بالايدز حوالي 1200 شخص تايلندي في اليوم الواحد. وفي العام 1993 يولد 3000 طفل مصاب بمرض الايدز... وتقدر منظمة الصحة العالمية أنّه بحلول عام 1997 فإنّ عدد الاشخاص المتوقع أن يموتوا بمرض الايدز يتراوح ما بين 12500 و150000 شخص."
والحقيقة ان رقم الزيادة اليومية المذكور والبالغ 1200 اصاية يوميا رقم خاطىء بشكل مؤكد، فهذا يعنى لو أخذنا به منذ نشرته المجلة عام 1993:
فانه يعني 4380000 اربعة ملايين ونصف مصاب والحقيقة ان المجلة ضاعفت معدل الاصابة اليومي عشرة اضعاف بالتمام، فالعدد الحالي يقترب من مليون شخص مصاب، اي بنسبة 1 من كل 66 مواطن، وان نصف مليون مواطن اصيبوا في المرض خلال العشرة سنوات الماضية والواقع ان ظاهرة الايدز في تايلاند حالها حال مافي بقية الدول وهذا الانتشار له اسبابه وعوامله:

1- ان تايلاند بلد زراعي حيث لايزال الجهل وافتقار الوعي الصحى سائدا في بعض المناطق الريفية الفقيرة او في المدن المزدحمة ووجود مايقارب مليونين عاطل عن العمل، اضافة الى تدنى الاجور الشهرية التى تكون بحدود100-400 دولار شهريا
2- لا توجود ضوابط صارمة في الديانة البوذية حول الممارسة والعلاقات الجنسية الاماهو تعاليم متناقلة او مدروكة عقليا.

3- تشكل المرأة التايلندية قوة العمل الاساسية في المجتمع وهي تعتمد على نفسها منذ سن مبكرة بسبب عوامل الانفصال الاسري بين الوالدين مما يدفعها للاعتماد على ذاتها في الدراسة والعمل وبالتالي فهي في علاقة مباشرة واحتكاك بالمجتمع الرجالي.

4- وجود مشكلة الاتجار وتعاطي المخدرات والتى تهيمن عليها مافيات تحاول الدولة جاهدة بالقضاء عليها واخر مافعلته هي قانون مصادرة اموال وممتلكات من يقبض عليهم بهذه التجارة.

5- اتفاقية عام 1967 التى تحولت فيها مدينة باتيا على البحر المقابل لفيتنام الى مدينة استراحة وسياحة وترفيه للجنود الاميركان خلال حرب فيتنام ولاتزال المدينة الى يومنا هذا مرتعا خصبا للدعارة وتعاطى المخدرات ولايزال يؤمها سنويا اعداد كبيرة من الغربيين والروس للترفيه.

6- انتشار ظاهرة الاعتداء الجنسي الاسري ومن الاقرباء ضد القاصرين.

7- انتشار ظاهرة الانفصال في العلاقة الزوجية مما يسبب في تفرق الاسرة.

مع ذلك تسعى الدولة التايلندية الى مكافحة ظاهرة المخدرات والايدز عبر برامج التوعية والرعاية الصحية بمساعدة هيئات دولية مختلفة. من احدى هذه الوسائل سمحت بتوفير ماكنة بيع (الكبوت –الواقي-العازل) بالفرد بسعر ربع دولار من ماكنة معلقة على الجدران في الكليات والاسواق التجارية العامة لتسهيل تداولها واستخدامها تلافيا لانتقال االامراض الجنسية.
ومع ابتلاء هذه الدولة بمرض الايدز الا ان تايلند اطلقت انتاج الادوية البديلة الارخص ثمنا في العالم لمعالجة الايدز باقل من دولار واحد في اليوم، استعدادها لتصدير مهارتها في مجال صناعة هذه الادوية الى افريقيا.

وبفضل الدكتورة كريسانا كرايسينتو التي اطلقت ابحاثها في 1992، باتت تايلاند احدى ابرز الدول في مجال صناعة الادوية البديلة لمعالجة الايدز على غرار الهند او البرازيل. وفي 1995، كانت الدكتورة كريسانا التي استخدمتها الدولة في المنظمة الصيدلانية الحكومية تدير انتاج 21دواء تحولت ملكية براءة اكتشافها الى القطاع العام ولم تصدر البتة.
ومن المفترض ان تؤدي الخبرة التي تقودها المنظمة الصيدلانية الحكومية الى تشجيع دول فقيرة اخرى على انتاج ادويتها الخاصة باسعار مخفضة، وبنوع خاص في افريقيا حيث يوجد، 285مليون شخص من اصل 40مليون مصابين بالايدز.
واوضحت الدكتورة كريسانا ان "الامر لا يتعلق بنقل تكنولوجيا في الحدود التي تقدم فيها تايلاند الوسائل". وقالت "اننا نقول لهم بكل بساطة كيف ينبغي تلمس الطريق".
والمشروع الذي اخذ شكله في ابريل 2001يتضمن اختيار الدول الافريقية التي ستتحول الى مراكز انتاج قادرة على التصدير الى 12دولة مجاورة.
وقد تم اعداد اتفاقيات تنتظر وضع اللمسات الاخيرة عليها مع زيمبابوي وغانا وفي حال نجحت الخطوة، يمكن لكل من اوغندا وجمهورية الكونغو الديموقراكية ان تلحق بالركب. وقالت كريسانا التي اشارت الى ان القواعد ليست ذات شأن طالما عملية التصنيع بسيطة "ان زيمبابوي وغانا تملكان منشآت جيدة جدا للانتاج".
وقد باشرت كريسانا منذ الآن اجراء المفاوضات لشراء المواد الاولية - التي تمثل80% من الكلفة الاجمالية - باسعار ادنى بكثير مما تدفعه المنظمة الصيدلانية الحكومية للشركات التي تمدها بها في الهند وشبه الجزيرة الكورية اللتين رحبتا بخفض هوامشهما باسم هذه القضية الانسانية.
واشارت الدكتورة كريسانا الى حالة دواء "ستافودين" واوضحت "اعتقد ان الادوية ستكون ايضا اقل سعرا من تلك المنتجة في تايلاند". وهذه الادوية كناية عن مضادات للفيروس وتعمل تحديدا ضد فيروس الايدز.
وقالت "ان الانتاج في بلد المنشأ يكلف، 209 دولار. ويكلف انتاجنا 8سنتات، اي 26مرة اقل. واذا تم انتاج هذه الادوية في الدول الافريقية، فستكون اسعارها اقل ايضا".

عصام البغدادي، كاتب عراقي مقيم في تايلاند