تاريخ علم الأفكار

ابو ظبي - أصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة دراسة تناولت "علم تاريخ الأفكار".
وهذا العلم هو الذي يعنى بدراسة الأفكار البشرية، لا باعتبارها تصورات مجردة، وإنما برصد علاقاتها بلحظتها التاريخية وظروفها الاجتماعية والسياسية، وتبيان الكيفيات التي تجعل أفكارا ومفاهيم تبقى وتستمر، وتساهم في بناء الحضارات، وتطور الأمم، مقابل إبراز الصور والخلفيات التي تقف وراء اضمحلال أفكار أخرى ومفاهيم بصورة سريعة، ودون مساهمة كبيرة في بناء حضارة الإنسان.
وتستعرض الدراسة علم تاريخ الأفكار والمسيرة الثرية والمفيدة التي قطعها البحث في هذا العلم منذ القرن السادس عشر وحتى نهايات القرن العشرين ، فأبرزت نشأته وعلاقاته بالمناهج والعلوم الأخرى، وآراء الدارسين فيه، كما بينت الفترات التي مثلت أوج ازدهاره، وناقشت الخلفيات التي وقفت وراء ذلك الازدهار، كما وقفت عند أبرز المذاهب والآراء الفلسفية والمنهجية التي ساهمت في تطوير هذا العلم.
ووقفت الدراسة عند الآراء التي ترجع نشأة هذا العلم إلى جهود فرانسيس بيكون (1561- 1626) ، وخاصة كتابه "تقدم المعرفة" الذي أوضح فيه الخصائص المختلفة لهذا اللون من التاريخ، وتلك التي تعتبره نتاجا لجهود المؤرخين المتفلسفين الذين ظهروا في القرن الثامن عشر - أمثال فولتير (1694-1778) – واولئك الذين حاولوا الربط بين التقدم وارتقاء العقل، دون أن تهمل الإشارة إلى الآراء التي تراه من ثمار النزعة التاريخية التي اجتاحت الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر.
كما قارنت الدراسة بين علم تاريخ الأفكار وتاريخ الفلسفة، وبينه وبين دراسات أخرى تهتم بتاريخ الفكر مبينة أهميته وضرورته من حيث قدرته على تقديم خلاصة تفكير الآخرين وتجاربهم واستبصاراتهم وإجاباتهم على الأسئلة المحورية التي طرحت عليهم عبر العصور المختلفة، وعلى البحث عن تلك العلاقة المتكاملة بين الحقيقة والأصول التاريخية للفكر، والتي بموجبها يتم النظر إلى الفكرة في علاقتها ببيئتها ولحظتها التاريخية، مما يعطي مجالا أوسع لفهمها وتقييمها.
وضمن البحث في أسس هذا العلم وتطوره وقفت الدراسة عند محطات بارزة كأمثلة لتطور دراسة علم تاريخ الأفكار ، فخصصت جهود كل من كاسرر ومانهايم بالإبراز ، كما تناولت مصطلح "الأيديولوجيا" والتطور الذي عرفه، والخلفيات التي كانت تقف وراء تغيير مدلوله بين هذا المفكر أو ذاك، ثم تناولت المدرسة البنائية وجهودها في دراسة الفكر، بالاستفادة من التطور الكبير الذي عرفته علوم اللغة والسميولوجيا في النصف الثاني من القرن العشرين.
وخلصت الدراسة إلى أن هناك طريقين للبحث في تاريخ الأفكار تحددت معالمهما، رغم ما بينهما من شد وجذب، في العقدين الماضيين.
اما الطريقة الأولى فكانت الطريقة تصدر عن مفهوم معين عن المعرفة، وتعتبر أن قيام المعارف عملية نمو وتراكم، وأن تاريخ الأفكار عملية بناء تحاول أن تلاحق ميلاد الحقائق، أو نمو الحقيقة.
أما الطريقة الثانية فتصدر عن مفهوم مغاير يعتبر نشأة المعارف قضاء على الأخطاء ، وأن تاريخ الأفكار عملية تقويض وتراجع وحفر. وفي حين تكون المعرفة في الطريقة الأولى عملية تذكر، ويكون تاريخها استرجاعا للكيفية التي انبنت عليها الحقائق، بصورة تتأسس فيها على مفاهيم "الهوية" و"الاتصال" و"الصيرورة" و"الحقيقة ، فإن المعرفة من المنظور الثاني تقوم على مفاهيم "الاختلاف" و "الانفصال" و "القطيعة" و "الخطأ".