تاريخ العشق في مرسى مطروح

بقلم: أحمد فضل شبلول
تناقضات الطبيعة وجمالها

محافظة مطروح (166 ألف كم2 = 20% من مساحة مصر الكلية) هي الامتداد الطبيعي الغربي للإسكندرية ـ على ساحل البحر الأبيض المتوسط ـ بدءا من الكيلو 61 غربا، وحتى الحدود المصرية الليبية، في شريط ساحلي مقداره حوالي 450 كم إلى الغرب، وعمق قدره 400 كم إلى الجنوب.
وعادة عندما يفكر أهل الإسكندرية في الاصطياف خارج مدينتهم، فإنهم يولون وجوههم شطر مدينة مرسى مطروح (عاصمة مطروح) التي تبعد حوالي 350 كيلو متر غربا، فهي المدينة الساحلية الهادئة، كثيرة الشواطئ، رغم ازدحامها في شهور الصيف، بالليبيين والإسكندرانية، ثم بقية أهالي مصر. * شارع الإسكندرية والشارع الرئيسي في البلدة يسمى شارع الإسكندرية، فهو أطول شوارع مطروح، وأول ما يواجه الداخل إلى المدينة من الناحية الجنوبية، وهو يربط جنوب المدينة بشمالها، فضلا عن أنه الشارع التجاري الرئيسي في مطروح، يليه في الأهمية شارع الجلاء الموازي لكورنيش مطروح الذي تجمَّل منذ العام الماضي، ليصبح نسخة أخرى من كورنيش الإسكندرية بعد تجميله الأخير.
تذكِّرُك مرسى مطروح، بنظافتها وجمالها واتساعها وهدوئها، ورمالها الذهبية البكر الممتدة على مساحات عريضة، ومياهها الفيرزوية أو الزرقاء الصافية، وكثرة شواطئها، بإسكندرية الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي. * شاطئ الغرام وصخرة ليلى مراد وقد ظلت تلك المدينة مهملة كثيرا، وغير واردة بالذاكرة السياحية، على الرغم من شواطئها رائعة الجمال، إلى أن تغنَّت الفنانة ليلى مراد بها في فيلم من أجمل أفلامها، هو "شاطئ الغرام" مع حسين صدقي ومحسن سرحان وتحية كاريوكا وسميحة أيوب.
تغنَّتْ ليلى مراد بمرسى مطروح فقالت: يا ساكني مطروح
جنيَّة فـ بحركم
الناس تيجي وتروح
وأنا عاشقة حيكم
وقد خلَّد أهل مطروح (حوالي 250 ألف نسمة، معظمهم من بدو الصحراء) الفنانة ليلى مراد وفيلمها الجميل، بأن أطلقوا على أحد أجمل شواطئ المدينة اسم "شاطئ الغرام"، وأطلقوا على إحدى صخوره الكبيرة "صخرة ليلى مراد"، وهي الصخرة التي غنَّت عليها الفنانة أغنيتها الشهيرة. * حمَّام الملكة كليوباترا أيضا هناك "حمَّام كليوباترا"، ويقع قبل شاطئ الغرام بمسافة قصيرة، ولم أدر هل الملكة كليوباترا (التي حكمت مصر خلال السنوات 51 ـ 31 ق.م) ذهبت إلى مرسى مطروح بالفعل، واستحمَّت هناك؟ أم أنه مجرد استغلال أو تخليد لاسم كليوباترا ملكة مصر؟ أو أسطورة من الأساطير المؤسِّسة للمدينة، لجذب المزيد من السائحين والمصطافين لتلك المنطقة التي تحمل اسم "حمَّام كليوباترا"؟ وهي منطقة لا تصلح للسباحة نظرا لصخورها المتراكمة داخل المياه الفيروزية، على العكس من "شاطئ الغرام". * روميل في المغارة البحرية لا تحمل محافظة مطروح إلا قليلا من ذكريات التاريخ، على الرغم من وجودها قبل مدينة الإسكندرية بقرون عديدة، وقد سميت في عصر البطالمة "بارتونيوم"، ثم أُطلق عليها اسم "أَمُونيا"، ثم سميت "مطروح".
ومن هذا القليل، الذي تحمله "مطروح" قصة القائد الألماني روميل (1891 ـ 1944) الذي كان قائدا للقوات الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية، والملقب بثعلب الصحراء، والذي لجأ إلى مغارة طبيعية أسفل سطح الجبل بالقرب من أحد شواطئ مرسى مطروح، والذي سمي بعد ذلك باسمه "شاطئ روميل"، وبجواره يمكن للمصطاف أن يزور هذه المغارة البحرية التي تحولت إلى متحف صغير، وأن يرى محتوياته، ومنها بعض الملابس العسكرية التي كان يرتديها القائد وبعض جنوده، وبعض أنواع الذخيرة والأسلحة والخرائط، وبعض الأثاث الحربي.
* العلمين ومقابر الكومنولث والألغام وذكْر الحرب العالمية الثانية، يدعونا إلى تذكر اسم "العلمين"، وهي إحدى المناطق التابعة لمحافظة مطروح، وتبعد عن الإسكندرية غربًا بنحو 115 كم، ودارت بها إحدى المعارك الحاسمة في الحرب، انتصر فيها الجيش البريطاني بقيادة مونتجمري على الجيش الألماني بقيادة روميل في الأول من فبراير عام 1942، ودُفِنَ الكثير من جثث جنود الفريقين (الحلفاء والمحور). وفي شهر سبتمبر من كل عام يأتي أهل الجنود المدفونين في صحراء العلمين، لزيارة رفاتهم بمقابر الكومنولث، أو المقابر الألمانية والمقابر الإنجليزية.
ومازالت ـ حتى الآن ـ توجد ألغامٌ متبقية من سنوات الحرب، وفي بعض الأحيان يرتفع صوت المصريين بإزالة تلك الألغام من صحراء العلمين، أو إعطاء مصر خريطة الألغام المزروعة في الصحراء لإزالتها أو تفجيرها، حتى لا تهدد الوجود البشري في تلك المنطقة.
وقد قام الروائي إبراهيم عبد المجيد بالحديث عن تلك المنطقة ضمن أحداث روايته الرائعة "لا أحد ينام في الإسكندرية" والتي تناولت فترة الحرب العالمية الثانية، وتأثيرها على مدينة الإسكندرية وما حولها خلال سنوات الحرب، من خلال العلاقة التي نشأت بين الشيخ مجد الدين، وصديقه المسيحي دميان.
يوجد أيضا بالعلمين متحف حربي شهير به بعض مخلفات الحرب الثانية من أسلحة استخدمها الألمان والإنجليز، وبعض المجسمات أو ما يعرف بالديوراما، وهي مناظر ذات أبعاد ثلاثية تجسد بعض العمليات العسكرية وبعض الجنود وآلاتهم العسكرية، كذكرى لجنون الحرب العالمية.
* من الأساطير المؤسِّسة لواحة سيوه وإذا انتقلنا جنوبا، لذهبنا إلى منخفض القطارة (الذي ينخفض 134 مترا تحت سطح البحر) ثم واحة سيوه التي تبلغ مساحتها 55 كم مربع.
ومن الأساطير المؤسِّسة لتلك الواحة أن الإسكندر الأكبر (المقدوني) زارها عام 332 ق.م، حيث يوجد معبد آمون، وهناك أوحى له كهنة المعبد بأنه ابن الإله آمون. بل يقال إن الإله آمون كلَّمه، وأعلن أبوَّته له، وأنه بشَّره بسيادة العالم، وأنه سينتصر في كل حروبه.
وتعد واحة سيوه من أهم واحات الاستشفاء في مصر، حيث تساعد عملية دفن الجسم في رمالها وتحت شمسها، على الشفاء من أمراض الروماتيزم.
وتكثر البحيرات الصغيرة في تلك الواحة، والعيون التي تختلف درجة عذوبة مياهها. وهي تشتهر بالزيتون والبلح. وتربطها بالسلوم ومرسى مطروح الطرق الصحراوية المعبدة. وقد أسماها الفراعنة، واحة آمون، وأسماها العرب: سنترية، وفيها شيد أمازيس ـ آخر ملوك الفراعنة ـ معبدا مازالت أطلاله بادية فوق صخرة أغورمي، وهو المعبد الذي زاره الإسكندر الأكبر من قبل. وهو غير معبد رمسيس الثاني الموجود بمنطقة أم الرحم الذي تم اكتشافه عام 1946 وبناه رمسيس الثاني عند عودته من ليبيا. * شاطئ عجيبة كعبة العشق نعود إلى شواطئ مرسي مطروح الجميلة، والتي من أهمها شاطئ عجيبة، الذي يعتبر ـ في رأيي ـ شاطئا عالميا بجميع المقاييس، من حيث الروعة والجمال، وهو شاطئ يقع في حضن الجبال المرتفعة، والنزول إليه يكون عن طريق منحدر طبيعي ضيق، قامت محافظة مطروح بتسويره حتى لا يقع أحد من عليه، في رحلة الهبوط والصعود.
ويوجد بجوار هذا الشاطئ مقابر الدفن الرومانية، وهي تأتي دليلا على أن الرومان عاشوا في هذه البقعة الجميلة.
إن شاطئ عجيبة يعد كعبة مطروح، وقد بدأ يكتسب شهرة عالمية، فالسياح العرب والأجانب، لا تكتمل زيارتهم لمطروح، إلا بزيارة شاطئ عجيبة، والاستحمام في لسانه الصغير المترامي بين الجبال الشاهقة.
أيضا يحلو للعاشقين حفر أو كتابة أسمائهم على صخور عجيبة، فلا تُزال الأسماء بسهولة. قال لي أحد زملاء الرحلة: إنه حفر اسمه واسم حبيبته ـ التي أصبحت زوجته فيما بعد ـ على صخرة معينة من صخور عجيبة، وفي كل عام لابد أن يذهب إلى مرسى مطروح ويقصد شاطئ عجيبة، ليرى هذه الصخرة، ويتأكد أن الاسمين لا يزالان محفورين عليها. وبالفعل ذهبتُ معهما ورأيت الاسمين والعام الذي حُفرا فيه، وكأنني شاهدٌ على تاريخ الحب على الصخور. وبجوار اسميهما قرأتُ عشرات الأسماء الأخرى، وإلى جوار صخرتهما رأيت عشرات الصخور الأخرى، المحفور عليها أسماء العشاق، وتاريخ العشق. * سيدي العوَّام: المسجد والشاطئ قليلة هي المساجد في مرسى مطروح مقارنة بالإسكندرية، وأشهر مساجدها مسجد "سيدي العوَّام" الذي يقع على الكورنيش أمام شاطئ سيدي العوام. ومن الأساطير التي تُحاك عن أحد المساجد هناك ـ ولعله يكون مسجد سيدي العوَّام نفسه ـ أنه أيام احتلال الإنجليز لمصر، أراد بعض الجنود إقامة معسكر في منطقة جميلة أمام البحر، فلجأ بعض الأهالي إلى الحيلة الدينية، بأنهم ادَّعوا وجود رفات أحد أولياء الله الصالحين الذي جاء عن طريق البحر وعاش في تلك المنطقة إلى أن توفَّاه الله. وسرعان ما تجمع مئات الأهالي للدفاع عن أرضهم، في صورة وليهم الذي جاء سابحا أو ماشيا على وجه الماء، وسرعان ما شيدوا له ضريحا، واستماتوا في الدفاع عنه، إلى أن اضطر جنود الاحتلال إلى التخلي عن الإقامة في هذا المكان. * نائب رئيس الجمهورية كان إمامَنا في صلاة الجمعة عندما أدركنا وقت صلاة الجمعة، كنَّا في شاطئ الأبَيّض، وهو من أجمل شواطئ مطروح، بعد عجيبة، وينقسم إلى قسمين: الأول لعامة الجمهور، والآخر ـ وهو الأجمل والأهدأ ـ لأفراد القوات المسلحة، وقد استطعنا دخول القسم الآخر.
توجهنا للمسجد الصغير الذي يتبع مساكن القوات المسلحة بالأبيّض، وبعد سماع الخطبة، والانتهاء من الصلاة، فوجئنا بأن الذي كان يؤمنا في صلاتنا، هو السيد / حسين الشافعي ـ أحد أعضاء مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952، ووزير الحربية في أول حكومة للرئيس جمال عبد الناصر عام 1954 ثم وزير الشئون الاجتماعية، ثم نائب رئيس الجمهورية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر منذ عام 1961 وحتى وفاته عام 1970، ثم نائب رئيس الجمهورية في عهد الرئيس أنور السادات حتى عام 1975. والآن هو أحد الدعاة الإسلاميين المعتدلين في مصر، فضلا عن كتاباته في العديد من الجرائد والمجلات المصرية والعربية. * شواطئ أخرى وبلدة آمنة إلى جانب الشواطئ السالفة الذكر (شاطئ الغرام، وعجيبة، والأُبَيّض، وروميل)، هناك شواطئ مطروحية أخرى، نذكر منها: البوسيت، والليدو، ورأس الحكمة، وعلم الروم، والسلام، وأندلسية، وباجوش، وسيدي عبد الرحمن، وغيرها.
وإلى جانب العلمين ومنخفض القطارة وسيوه، كمناطق أو مراكز تابعة لمحافظة مطروح، هناك مناطق أو مراكز أخرى أهمها على الخارطة: الحمَّام، والضبعة، وسيدي براني، والسلوم.
إن مرسى مطروح مدينة سياحية واعدة وآمنة، بها الكثير من مقومات السياحة العالمية، وأهم هذه المقومات أهل تلك البلدة الأمناء الطيبين الودودين للزوار والغرباء، فضلا عن الطبيعة الساحرة، والشواطئ الخلابة التي تحدثنا عنها. * الحركة الأدبية في مطروح ولكن أين الحركة الأدبية في مطروح، أين أدباؤها وشعراؤها وكتابها؟
عدد قليل من أدباء تلك المحافظة، لا يتناسب إطلاقا مع مساحتها وعراقتها وأصالتها. أذكر من هذا العدد القليل الشعراء: إسماعيل عقاب، وجمال الدربالي، وإبراهيم عبد السميع، ومحمد عزيز الذي رحل منذ عدة أشهر (وهو ابن عم الشاعر الغنائي الراحل مرسي جميل عزيز)، وإبراهيم الخليل، وحسن عبد الجواد، والبهاء حسين الذي نزح إلى القاهرة ليعمل مذيعا بإذاعة صوت العرب.
أما في مجال القصة والرواية، فعندما أراد باحثو مؤتمر أدباء مصر في الأقاليم عندما عقد في مرسى مطروح منذ حوالي ثلاث سنوات، أن يبحثوا عن قصاصين وروائيين في مطروح لم يجدوا سوى الكاتبة أم العز السنيني ومجموعتها القصصية "تلك".
إلى جانب ذلك هناك عدد قليل من شعراء البدو الذين يكتبون أو ينشدون أشعارهم باللهجة البدوية التي من الصعب فهمها دون شرح وتفسير، وهو ما حاوله الناقد د. يسري العزب في بحثه الذي قدمه في المؤتمر المشار إليه. أحمد فضل شبلول ـ مرسى مطروح