تاريخ الاحتلال(12): إيران تبسط نفوذها على البر العربي

بقلم: د.سالم حميد
يد واحدة لا تصفق

بقيت الحروب الأهلية مستمرة في إمارات الساحل وسلطنة عُمان في عام 1870 بين الحزبين الغافري والهنائي، وبخلاف الحروب الداخلية كانت الإمارات تحارب جبهات خارجية من بلاد الفرس والسعودية.

كما شهد هذا العام مصرع إمام عُمان عزان بن قيس بن عزان وأصبح الامام الجديد لعُمان تركي بن سعيد بن سلطان.

وتعرضت إمارة أبوظبي عام 1871 إلى اضطرابات داخلية جديدة بعد محاولة قبيلة القبيسات الانفصال عن الإمارة وتأسيس إمارة مستقلة بالقرب من الحدود القطرية، ولكنهم فشلوا بسبب يقظة الشيخ زايد الكبير، خاصة بعد انضمام قطر في العام نفسه إلى الدولة التركية واصبحت مقاطعة تركية، الأمر الذي شكل تهديداً جديداً لإمارة أبوظبي.

في عام 1872 اصدرت البحرية البريطانية خرائط بحرية أظهرت أن جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى وجزيرة صيري من ممتلكات إمارة لنجة القاسمية، أي أنها تتبع إمارات الشارقة ورأس الخيمة، وهذه الخرائط لا تستطيع الدولة الإيرانية انكارها، ولا تزال موجودة في الارشيف البريطاني وارشيف مركز الوثائق والبحوث في العاصمة أبوظبي.

ولكن إمارة أم القيوين اعترضت على الاعتراف البريطاني بملكية أبوموسى إلى الشارقة مدعية ملكيتها للجزيرة، الأمر الذي أدى إلى نشوب الخلافات الحدودية بين إمارات الساحل، هذا بالإضافة إلى الخلاف المستمر مع الدولة الإيرانية التي لم تكف أذاها عن إمارات الساحل، فيما كانت إمارتا الشارقة ورأس الخيمة تحشدان قواتها في الجزر القاسمية، لتباغتا إمارة أم القيوين التي عجزت عن مواجهة قواتهما.

وأرسل الشيخ أحمد بن عبدالله المعلا حاكم أم القيوين إلى حاكم أبوظبي الشيخ زايد الكبير يطلب منه العون العسكري ضد الشارقة، فلبى الشيخ زايد الطلب وارسل السرايا العسكرية من خيالة وهجانة، ووقعت الاشتباكات من جديد ما بين قوات أبوظبي والشارقة، قُتل خلالها 50 مقاتلاً من الشارقة فيما قُتل قائد الحملة الظبيانية وابن عم الحاكم الشيخ خليفة بن هلال بن شخبوط، وانسحبت قوات أبوظبي.

فوجئ الشيخ زايد الكبير في عام 1874 برسالة من الدولة التركية تفيد أن مقاطعة العديد الظبيانية هي من ممتلكات الدولة التركية بناء على طلب قبيلة القبيسات التي انفصلت عن أبوظبي واستقطعت منطقة العديد منها وأعلنت تبعيتها للدولة التركية.

غضب الشيخ زايد الكبير لذلك، وعقد العزم على تلقين الأتراك درساً عسكرياً قاسياً، ويُذكر أنه لولا ضغوط البريطانيين عليه للامتناع عن القيام بأية حملة عسكرية ضد العديد لهاجمها على مدى السنين الأربع الأولى لانفصالها.

من جهة ثانية، شهد عام 1874 وفاة حاكم لنجة الشيخ خليفة بن سعيد القاسمي، مما الذي شكل ارباكاً للسلطة القاسمية في لنجة.

واستغلت الدولة الإيرانية الوضع لصالحها وتحكمت في جمارك لنجة، ليدين لسلطتها البر الفارسي بأكمله.

ومع ازدياد حالة التحكم الإيرانية، قامت العديد من الأسر العربية الأصل بالعودة إلى موطنها الأصلي في إمارات الساحل لعدم وجود سلطة قاسمية حقيقية في لنجة، إذ أن مشاكل الإمارة أعجزت لكثرتها القواسم عن تدبير الحماية لممتلكاتها في البر الفارسي، خاصة مع المحاولة الانفصالية الجديدة لمقاطعة الفجيرة القاسمية، حيث حاولت الفجيرة الانفصال عن السلطة القاسمية عام 1876 بقيادة الشيخ حمد بن عبدالله الشرقي، ولكن القواسم اخمدوا حركة المعارضة الشرقية بعد تعاون عسكري بين إمارتي الشارقة ورأس الخيمة ضد قبيلة الشرقيين الفجيرية.

عودة إلى قضية العديد، التي انفصلت عن الدولة النهيانية بقيادة بطي بن خادم القبيسي والذي لم يكتفِ بالانفصال، بل قام بمهاجمة السفن الظبيانية في تحد واضح ضد زايد الكبير.

وأيقن زايد الكبير أن لا فائدة ترجى من الدولة البريطانية التي ضغطت عليه كثيراً كي لا يهاجم العديد، فتجاهلها وارسل 70 سفينة مقاتلة تحت قيادته الشخصية إلى منطقة العديد ودمر حامية تركيا وحرق أعلامها، بعد أن غادر أهاليها إلى إمارة قطر طالبين اللجوء السياسي إليها، ولهذا السبب عندما وصل زايد الكبير إلى العديد لم يجد فيها أحداً على قيد الحياة فكان له أن أعاد تبعيتها إلى إمارة أبوظبي.

لكن قبيلة القبيسات عادت إلى سلطة أبوظبي عام 1880 وأظهر شيخها بطي بن خادم ندمه وطلب العفو من الشيخ زايد الكبير فعفى عنه وأجزل له ولقومه العطاء.

السؤال الآن: أين هي منطقة العديد الآن من خارطة دولة الإمارات العربية المتحدة؟

للأسف الشديد، لقد تنازلت دولة الإمارات عن العديد ووهبتها للدولة السعودية عام 1974 في اتفاقية مجحفة للغاية!

عودة إلى لنجة؛ كانت لنجة تعاني من غياب السلطة القاسمية وتحديداً عام 1878، كما أن ابناء الحاكم المتوفى كان قاصراً وغير قادر على استلام زمام الأمور في تلك المقاطعة القاسمية، فتم تعيين وصي على الحكم اسمه يوسف بن محمد، فاستأثر بالحكم متجاوزاً الصلاحيات التي مُنحت له.

وحاول بن محمد اغتيال ابناء الحاكم السابق على لنجة الشيخ خليفة بن سعيد القاسمي، ونجح في اغتيال نجل طفله علي بن خليفة، الأمر الذي تسبب في سخط أهالي لنجة.

استغلت الدولة الإيرانية الحالة في لنجة لتخضعها إلى سيطرتها بعد التحالف مع يوسف بن محمد، بينما كانت إمارتا الشارقة ورأس الخيمة عاجزتين عن مساعدة لنجة بسبب حروبهما مع حركة الانفصال الفجيرية.

وفي الفجيرة، استعانت قبيلة الشرقيين بعدد كبير من المقاتلين البلوش، لكنهم انقلبوا على الشرقيين واحكموا سيطرتهم على قلعة الفجيرة العسكرية فيما هرب قادة الشرقيين إلى سلطنة عُمان خوفاً من بطش القواسم بهم، ومن تبقى منهم تم نفيهم إلى جزيرة أبو موسى.

من جهته، قام سلطان عُمان تركي بن سعيد البوسعيدي بمبادرة للصلح ما بين الشرقيين والقواسم، ونجح في ذلك، وفي العام 1881 عادت الفجيرة إلى السلطة القاسمية من جديد، كما شهد هذا العام أيضاً إندلاع الحرب أيضاً بين إمارة أبوظبي وإمارة قطر، وادعّت الأخيرة أن منطقة العديد هي من ممتلكاها!

كانت الجزر الإماراتية في حالة يرثى لها مع غياب السلطة القاسمية لها، مما شجع الفرس على بسط سيطرتهم على جزر الخليج العربي، فيما بقيت إمارات الساحل منشغلة كعادتها في حروبها الأهلية، بل أن بريطانيا كانت عاجزة هي الأخرى عن تحديد الممتلكات والحدود بين مختلف إمارات الساحل.

في عام 1883 قام الشيخ صقر بن خالد بن سلطان القاسمي بالانقلاب على عمه حاكم الشارقة الشيخ سالم بن سلطان القاسمي، وبعد نجاحه في فرض سيطرته على إمارة القواسم، أعلنت مقاطعة مسندم القاسمية رغبتها في الانفصال عن الحكم القاسمي، واستمرت الحروب، وتم تدمير معاقل البلوش الذين حاولوا السيطرة على القلاع العسكرية في الفجيرة عام 1884، ثم أبدت الشارقة اهتماماً بالجزر الإمارتية في الخليج العربي تخوفاً من أية سيطرة إيرانية عليها، وذلك بالتعاون مع أمير إمارة دبي الشيخ حشر بن مكتوم وأمير أبوظبي الشيخ زايد الكبير.

في عام 1885 شعرت الأسرة القاسمية بالخطأ لتمكين يوسف بن محمد من السلطة في إمارة لنجة، وقامت بحركة انقلاب عليه بقيادة الشيخ قضيب بن راشد القاسمي، ونجح بالفعل في طرد الإيرانيين المستعربين من لنجة وأحل محلهم العرب القاسميين، وأعلن تبعيته المطلقة لإمارة القواسم.

دفع الاستنزاف المستمر لطاقات إمارات الساحل الشيخ زايد الكبير عام 1886م للقيام بمبادرة لوقف الحروب فيما بينها وتشجيع حكامها على المصالحة، ونجح مؤقتاً بالفعل في ذلك، لتعاود الحروب الأهلية اندلاعها مجدداً، مما أدى إلى المزيد من الضعف أمام العدو الفارسي.

ولم يكن زايد الكبير قادراً وحده على لم شمل إمارات الساحل خصوصاً بعددخول الأتراك على خط المواجهات في المنطقة، إذ تلقى تهديدات جديدة من الدولة التركية التي تطالبه بإعادة منطقة العديد، وقامت بإرسال مدمرة بالإضافة إلى جيوش قطرية لاحتلال العديد من جديد، ولكن بريطانيا منعتهم.

واستمر الفرس في استغلال الوضع المتدهور في إمارات الساحل ليبسطوا نفوذهم على الأراضي الإماراتية في البر الفارسي عام 1887.

أعلنت إيران عام 1887 الحرب رسمياً على إمارة القواسم، وقامت بتسيير أساطيلها البحرية لدك مدينة لنجة، وتمكنت من احتلالها في معارك غير متكافئة بين الجيشين القاسمي والفارسي، وتمكن الفرس من احتلال الأراضي المجاورة وما حول مدينة لنجة، ولكن المدينة بقيت تحت الحكم القاسمي مع اعتراف الفرس بالشيخ محمد بن خليفة القاسمي حاكماً على مدينة لنجة، أما ضواحي المدينة فقد أصبحت تحت الحكم الفارسي.

كانت إيران على علم بأن إمارات الساحل لن تسكت على هجماتها وأنها ستقوم برد عسكري كاسح، فقامت بإرسال الرسل إلى الإمارات من أجل إبرام معاهدات الصداقة بدلاً من الدخول في حروب مستمرة منذ مئات السنين.

من جهة أخرى، أعلن حاكم جزيرة القسم حسن بن محمد المعيني تبعيته إلى الدولة الإيرانية، مبدياً رغبته في عدم بقائه تحت الحكم القاسمي، ووضع قواته تحت أوامر الفرس، وقام بضم جزر طنب الكبرى والصغرى إلى الحكم الإيراني، ثم سرعان ما أعلنت الدولة الإيرانية أن مدينة لنجة أيضاً من ممتلكاتها ولا حق لإمارة القواسم فيها، رغم اعترافها بالشيخ محمد بن خليفة حاكماً عليها، بينما بدأ السكان العرب في البر الفارسي في الفرار والهجرة إلى البر العربي.

لقد تسببت الدولة البريطانية بشكل مباشر في النجاح الفارسي بالسيطرة على الجزر الإماراتية لأنها كانت تمنع إمارات الساحل القيام بأية أعمال عسكرية ضد الفرس، وكذلك كانت ممتنعة عن الرد على احتجاجات حكام إمارات الساحل المطالبة بإعادة الأراضي الإماراتية المحتلة لدى الفرس، وحاولت بريطانيا التفاوض مع الفرس ولكنهم رفضوا العروض البريطانية بشكل قاطع.

د.سالم حميد