تاريخ الإمارات يتلاقى في متحف أم القيوين

من أجل الحفاظ على التراث بصورة لائقة فنياً ومشهدياً

تتوجّه أنظار زائري الإمارات الذين يرغبون باستكشاف آثارها وتاريخها، نحو إمارة أم القيوين على اعتبار أنها تعطي صورة دقيقة عن هذا الجانب. فهي تحتفظ بإرثٍ كبير يشير إلى تاريخ الدولة منذ سنواتٍ طويلة من خلال المواقع الأثرية الموجودة فيها.

ومن بين تلك المواقع فإنّ حصن أم القيوين والذي تحوّل فيما بعد إلى متحف أم القيوين، يكتسب مكانةً خاصة بين أهل الإمارة لما له من قصص في ذاكرتهم ترتبط بإرساء قواعده على يد الشيخ راشد بن ماجد المعلا عام 1768، ليكون مركزاً للحكم ومسكناً للعائلة الحاكمة. لكن وفي ظل التغيرات السياسية والاستراتيجية التي كانت تحصل في المنطقة آنذاك كان الأساس في بناء الحصن دفاعياً لدرء الأخطار، الشيء الذي يظهر واضحاً في من التخطيط المعماري للحصن والعمارة الدفاعية الخليجية فيه حيث أن تخطيطه يمثل خط الدفاع والأمن من الناحية العسكرية.

شكل الحصن مربع تقريبا مبني من الحجارة البحرية يحتضنه برجان عاليان الأول من الجهة الشمالية الشرقية والثاني من الجهة الجنوبية الغربية. وبالنظر إلى متحف أم القيوين في مخططه المعماري، يأخذ الإماراتيون نظرة عميقة إلى تاريخهم، حيث يدرسون علاقة الشكل بالحياة الاجتماعية وقتها، ليحصلوا على استنتاج اتفقوا عليه جميعهم يتلخّص بامتلاك القادة الأوائل للإمارات، الحنكة والدراية في السياسة والمعارك مما جعلهم يستقرئون واقعهم مع فهم للمستقبل، وكان يترجم هذا الفهم بفن العمارة قبل أي شيء، سواء في مواجهتهم لدرء الأخطار الغازية أم في مواجهتهم لتقلبات المناخ القاسية في الصحراء العربية. من جهةٍ أخرى فإنّ الاحتفالات الدينية التي كان يشهدها الحصن قبل حوالي مائتي عام، زادت من أهميته في قلوب الإماراتيين، الذين بطبيعتهم يرتبطون ويتعلقون بكل ما هو ديني.

وبعد قرار الشيخ راشد بن أحمد المعلا بترميمه وصيانته، تحوّل الحصن إلى متحف وطني يضم تاريخ وتراث الإمارات وتمت إضافته إلى الخريطة السياحية والأثرية، ليصبح تابعاً لدائرة الآثار والتراث، وبذلك تحوّل إلى ما يشبه الصورة الحية والواقعية للحياة في الماضي، وقد تجلّت في غرفه كل أساليب المعيشة التي كانت تضمن الطعام والشراب واللباس وغير ذلك للسكان المحليين.

ينقسم المتحف إلى قسم لتراث العائلة الحاكمة تضمّنت شجرة زخرفية توثّق نسبها، وقسم للآثار عبارة عن غرفة للبحر، وثانية للحرف الشعبية التي كانت سائدة آنذاك، وثالثة للسلاح بجانب المطبخ والسجن والعريش والمدبسة. وتتخلل كل قسم صور فوتوغرافية قديمة وحديثة للأسرة الحاكمة وللقطات هامة وأحداث مفصلية في تاريخ الدولة وتاريخ إمارة أم القيوين.

كل الأقسام في المتحف لاقت استحسان زواره، لكنّ قسم الحرف الشعبية كان الأكثر استقطاباً للزوار، وهذا يعود إلى الولع الكبير لأبناء الإمارات بالتراث والمهن والحرفات التقليدية التي كان القدماء منهم يعتمدون فيها على مبادئ بسيطة جداً أساسها أدوات صنع اليد والجهد العضلي.

تأخذ حرفة الصيد البحري أهمية كبيرة من ضمن معروضات المتحف وصوره التي يرسمها للزوار، فهي المهنة التي قدّمت ولا تزال تقدّم معروفاً كبيراً لأبناء البلد أمّنت لهم طعامهم من خلال صيد الأسماك، ورفعت من حالتهم الاقتصادية إذ اشتهروا بصيد اللؤلؤ. وإننا نجد جانباً من الاندماج الحقيقي بين الحاضر والماضي في الإمارات متجلياً بالدعم الكبير الذي تقدّمه الحكومة للحفاظ على مهنة الصيد بشكلها التقليدي، حيث الصيد بالشباك في قاربٍ خشبي بسيط وهي الصورة الحقيقية التي نقلتها الغرفة في متحف أم القيوين.

إلى جانب مهنة الصيد، يضمّ المتحف الدكان وهي محل للتجارة البسيطة، وبائع الأقمشة والبذورية وغيرها من المهن التي قدّمت للمتلقي بالزي الإماراتي القديم الشعبي.

يستقبل المتحف الزوار يومياً الذين يأتون إليه من جميع أنحاء العالم، راغبين بالاطلاع على التاريخ العربي القديم وبالتحديد التراث الإماراتي. خاصةً وأنّ فيه المكتشفات التي ترجع إلى موقع الدور وتل الأبرق.

كما يقدّم لزواره شروحات تفصيلية من قبل اختصاصيين وباحثين في آثار وتراث الإمارات، وبكل اللغات، حتى يتم فهم كل قسم من أقسام الحصن ضمن منطقه التاريخي والجغرافي والاجتماعي.

لم تملّ دائرة الآثار والمتاحف في أم القيوين من الاهتمام بهذا المتحف وغيره من دلائل التراث الإماراتي. فبعض الآثار الموجودة في أم القيوين لا تزال حتى اليوم في طور التحديث والتنقيب، حيث شمل الترميم مؤخراً عدة مواقع أثرية هامة داخل الإمارة من أجل الحفاظ على التراث بصورة لائقة فنياً ومشهدياً، وحتى يبقى سليماً بعيداً صامداً في وجه التغيرات المناخية التي تطرأ على البلاد.