تأويل الإسلام ... مجاراة الفتوى للسياسة

فتاوى وعاظ السلاطين من غير الفضائيين والإلكترونيين

لقد كان "الكاسيت" -الشريط السمعي- حيث لعب الصوت تأثيراً متميزاً منافساً للمشايخ التقليديين، الذين اعتمدوا موجات الراديو والتلفزيون قبل الفضائيات والإنترنت، ومما أسهم في هذه الهوة بقاء الفضاء الإعلامي في الجزائر ضيقاً، وفقدان الثقة تدريجياً في الهيئات الدينية الرسمية، والتأخر إلى اليوم في تأسيس هيئة عليا متخصصة في الفتوى، وتأهيل علماء ومفتين، كما أن "العقدة المشرقية" مستحْكِمة في وعي الشباب فـ"زامر الحي لا يطرب"، وقد كتب الثعالبي الأندلسي كتاباً يبرز فيه العبقرية المغاربية "الذخيرة في محاسن الجزيرة".

مع بداية تكون الدولة الوطنية، في البلدان العربية، ارتبطت هيئة الفتوى بالسلطة، وكانت جزءاً من الخطاب السياسي نحو التغيير، واستطاع المفتون تشكيل سلطة معنوية من خلال منصب الإفتاء، أو من خلال الأزهر كمؤسسة دينية، أو في لجان تابعة لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف في بلدان عربية أخرى، وفي مصر يعتبر منصب المفتي مثل منصب وزير وتابع رأساً لرئاسة الجمهورية. وقد احتاج الرئيس المصري، الراحل محمد أنور السادات، إلى فتوى تؤيد إتفاقية كامب ديفيد، وكان له ذلك.

ومؤخراً أفتى علماء السودان بتحريم سفر الرئيس عمر البشير خارج السودان، حتى لا يتعرض للاعتقال. وفي الجزائر أفتى الشيخ فركوس، وهو مفتي غير رسمي، بتحريم استعمال شريحة هاتف النقال "جيزي"، لأن صاحب شركة أوراسكوم نجيب ساويرس –حسبه- يسهم في دعم إسرائيل، ويساعد في التبشير المسيحي في الجزائر وإفريقيا، ومثل ذلك الفتوى الطريفة بإباحة الخلوة إذا رضع الموظف من صديقته في العمل فتعتبر أخته. وقد أثارت فتوى القرضاوي بجواز شراء مسكن عن طريق القرض الربوي في المغرب - باعتباره بلداً لا يحتكم إلى الشريعة- ردود فعل قوية من علماء المغرب واستنكاراً قوياً.

كذلك تداخلت الفتوى بالقضايا السياسية في السنوات الأخيرة، خصوصاً في الحرب مع إسرائيل، والموقف من الاحتلال العراقي، ومن الإرهاب في الجزائر، وفي قضايا الانتخابات والمرأة والاقتصاد، فالموقف المضاد من حزب الله، في عدد من بلدان الخليج، يعتبر العمليات الاستشهادية انتحاراً يدخل صاحبه في النار. كما جرى الاختلاف البين الكبير بين مفتين يؤيدون المقاومة وآخرين يحرمونها، وهو الموقف نفسه من الجماعات المسلحة في الجزائر في عقد التسعينيات. وفي هذه الأجواء التي يحتاج فيها السياسي إلى الموقف الديني، ويحتاج فيها المفتي إلى مزيد من سلطته في المجتمع والسياسة، بحشر الفتوى في جزئيات الحياة الاجتماعية والسياسية، تكون الوسائط المعلوماتية والإلكترونية الجديدة منابر للفتوى، وتخترق الخصوصيات التاريخية والمذهبية والاجتماعية لكل بلد عربي وإسلامي.

ومن المواقع الإلكترونية للفتوى، أجاب موقع "إسلام أون لاين.نت"، الذي بدأ في أكتوبر(تشرين الأول) 1999، عن حوالى سبعمائة ألف فتوى، منها فتاوى متعلقة بالبنك والتعاملات المالية والزواج. وكذلك فعلت هيئة الفتوى الكويتية، وموقع "الإسلام اليوم" و"الشبكة الإسلامية" لوزارة الأوقاف القطرية، ودار الإفتاء بمصر. هذا فضلاً عن مواقع أخرى لا تخضع لأية سلطة، ومنها مواقع تابعة للجماعات السلفية والجهادية، وقد شكل جمال البنا بفتاويه حالة نشاز، فأجاز القبلة كتحية سلام بين الطلبة والتلاميذ، وأباح الخلوة، وغيرها من الفتاوى التي تلق رداً عنيفاً من مفتين ودعاة آخرين، وقد أطلق عليه لقب "المفتي العلماني".

ومع ازدياد عدد المفتين الفضائيين والإلكترونيين، سعت وزارة الشؤون الإسلامية بالسعودية إلى إصدار قانون جديد، يحصر الفتوى على المتخصصين والهيئات الدينية الرسمية. وبمصر تم اقتراح تأسيس جهاز رقابي على القنوات الفضائية، يتولى مراجعة الفتاوى التي تذاع على الناس. كما نص القانون الجديد عل عقوبة ثلاث سنوات سجناً لمن يفتي دون ترخيص، وقد كان ضد هذا القانون الداعية صفوت حجازي، وهدد بالاعتصام أمام مجلس الشعب في حالة إقرار هذا القانون. كما رفض المستشار طارق البشري، نائب رئيس مجلس الدولة السابق مثل هذا القانون، وأكد عدم دستورية العقوبة على الإفتاء، وينتظر في الجزائر تأسيس (هيئة إفتاء). وتلك مساعٍ قد تقع في ما وقعت فيه المؤسسات الدينية الرسمية السابقة، لعدم استقلاليتها عن السلطة، وبالتالي تفقد شرعيتها الشعبية والدينية. فالهيئة الرسمية في السعودية تخرجت منها جماعات مناوئة لها كـ"السرورية"، والجماعات الجهادية والسلفية...إلخ، وهذا يعود إلى تبني الوهابية سياسياً وإيديولوجياً، كما أن المساجد في الجزائر استغلتها الجماعات الجهادية منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي.

إن التطورات القادمة في مجال القوة اللينة، من وسائط اتصال معرفية ومعلوماتية جديدة، تتطلب استثماراً قوياً في تطوير الثقافة التراثية، وإعداد مفتين وعلماء مؤهلين في المجال الديني، لهم اطلاع أيضاً على المعرفة الاجتماعية والإنسانية والعلمية الجديدة. كما السعي إلى تقنين وتشريع مواد تمنع السرقات العلمية من الإنترنت، التي انتشرت في الجامعات وهي جريمة علمية إلكترونية، لا تختلف عن استخدام الدين فضائياً أو إلكترونياً لأغراض ربحية أو سياسية. وإذا كنا نخاف من استخدام منبر المسجد، لأغراض جهادية وسياسية.

فهناك اليوم منابر لا يمكن التحكم فيها، وهي "منابر لا تخضع للزمان والمكان"، ويصبح فيها المتلقي جزءاً من العملية، من هنا تبدو العملية شاقةً وتحتاج إلى مجهودات علمية تتجاوز السبل التقليدية، في معالجة ظاهرة الإرهاب، والانحلال الأخلاقي، والتطرف الديني والسياسي والعرقي واللغوي، وتحقق "الأمن الثقافي"؛ فالمعالجات القانونية الجديدة ينبغي أن يصحبها توفير مناخ من المواطنة، والتنمية الاجتماعية، والبشرية، وتحقيق الاستقلال اللغوي والاقتصادي والمالي.

علينا النظر أيضاً إلى أن الفتاوى الفضائية والإلكترونية تحقق سرعة الإيصال، وسرية الفتوى، ومجانية، وإشراك مفتين آخرين. أما بالنسبة للمفتي فتساعده في الإطلاع على تفاصيل الفتوى بما يفيده في الإجابة والتقليل من التعصب المذهبي. ولنا في الجزائر تراثٌ ديني وثقافي متنوعٌ، من حنفية موروثة عن الفترة التركية وإباضية ميزابية، وإذا استطعنا تطوير وسائل الاتصال، وتكوين دعاة ومفتين وسَطيين ووطنيين، مع تحقيق مناخ من الحرية وفضاء للتسامح الثقافي والمذهبي، والرجوع في القضايا الدينية الحساسة إلى هيئة علمية وطنية معترف بها رسمياً وشعباً، نتحرر من التبعية للآخرين في مجال الفتوى والدعوة، ومن فوضى الإفتاء.