تأملات في ظاهرة كريم العراقي

مسقط
الشاعر النجم

بعد رحيل الجواهري ونزار قباني ومحمود درويش وحدوث تحولات كثيرة في عالمنا العربي من بينها سياسية وثقافية وإقتصادية وإجتماعية وغابت "الرافعات"السياسية والحزبية التي كانت تساهم في "تنجيم" الشعراء كما حصل مع شعراء عرب كثيرين في النصف الثاني من القرن الماضي!!
أضف الى ذلك أن التحولات شملت الخطاب الشعري الذي بدأ يغير من آلياته ليميل الى التأمل والهمس الوجداني حتى وصلنا الى يقين مفاده أن ملف الشعراء النجوم قد أغلق وأن الخطاب الشعري صار معقودا برقاب النخبة، لذا برزت ظاهرة "الكراسي الفارغة" في قاعات الشعر وصار من السهل عدّ حضور أية أمسية مهما كان وهج الذي يقف وراء المنصة، مع حدوث إستثناءات قليلة معظمها مع شعراء شعبيين أو مع الشعراء الذين ساهمت برامج المسابقات الشعرية كـ"شاعر المليون" و"أمير الشعراء" في تلميع أسماءهم .
لكن الذي جرى مع أمسية الشاعر كريم العراقي التي نظمها صالون سبلة عمان الثقافي في قاعة المرجان بنادي الطيران مساء الثلاثاء الثالث من آب- أغسطس الجاري أدار الرؤوس وجعلنا نعيد النظر في حسابات تلك المعادلة، لصالح نجومية الشاعر، فالحضور الكثيف الذي تجاوز الـ800 والتفاعل الجميل مع الشاعر والتصفيق الحار الذي كان يقاطع قراءاته والصفير الذي يذكرنا بالصفير الذي يرتفع بعد كل نهاية مقطع من مقاطع أساطين الطرب!
وهو الأمر الذي جعلني أقول في مداخلة لي أن أمسية كريم العراقي هي الحدث الثالث الذي أشهده في حياتي من حيث زخم الحضور، حيث كان الأول في مهرجان المربد الشعري أواخر الثمانينيات حين كسر زحف الجمهور أبواب قاعة الرشيد ببغداد حينما قرأ الراحل نزار قباني والثانية بعد أيام من ذلك في أمسية الشاعر محمود درويش وجاءت أمسية كريم العراقي لتكون الثالثة رغم تغير الزمان والمكان.
ورغم معرفتنا من أن جزءا كبيرا من نجومية الشاعر كريم العراقي تأسست على شهرة أغانيه وبخاصة التي غناها المطرب كاظم الساهر، وأبرزها "ها حبيبي" و"نزلت للبحر" و"مستبدة" و"المحكمة" و"دلع" و"كلامي" و"الك وحشة يبو ضحكة الحلوة" و"بعد الحب وبعد العشرة" الا أن شعراء كثيرين كتبوا نصوصا غنائية، ولكنهم لم يصبحوا نجوما ككريم العراقي الذي تضافرت عدة عوامل لتحقق له هذه النجومية منها موهبة فذة ظهرت بشكل مبكر معلنة عن ولادة شاعر له لونه الخاص، في سبعينيات القرن الماضي في العراق وبساطة الفاظه وملامسته للواقع، ما من نص يكتب من فراغ، هناك تجربة ووجع حتى أنه دوما يسبق نصه بسرد حكاية تتصل بالشرارة التي أشعلت حرائق ذلك النص في ذاته، ومما يحسب له أيضا إقترابه من هموم الناس وأوجاعهم، وهو ما جعلني طوال الأمسية أستعيد بيتا لسعدي يوسف هو"كل الأغاني إنتهت الا أغاني الناس".
من كل هذا يمكننا القول أن منصة الشعر بخير، وأن زمن الشاعر النجم لم يأفل، ويمكن أن يظهر شعراء نجوم بـ"رافعات" جديدة من بينها "الرافعة الغنائية" كما حصلت مع الشاعر كريم العراقي .

عبد الرزاق الربيعي: شاعر عراقي مقيم في سلطنة عمان
razaq61@yahoo.com