تأثير وسائط الاتصال الاجتماعي على بنية الشخصيات الروائية

هالة البدري توضح أن الشبكة الدولية وفرت لها ثراءً حقيقيًّا من المعلومات تخدم روايتها الجديدة.


وسائل الاتصال ستصل إلينا عبر الجلد


وقوف الروائي أمام حشد كبير ومتدافع من المعلومات، يشبه وقفة طفل عارٍ تحت المطر

أوضحت الروائية المصرية هالة البدري أنه في الفترة الأخيرة فرضت المعلومات نفسها على أعمالها الروائية حتى أن روايتها "مطر على بغداد" وموضوعها ما حدث في العراق منذ صعود حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة وحتى الحرب العراقية الإيرانية قد تحولت إلى موسوعة عن العراق بكل طبقات حضارتها، وبشرها وما مرت به بسبب تحولات السياسة. 
وقالت في شهادتها الأدبية بالجلسة التي ترأسها د. محمد حسن عبدالله ضمن فعاليات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي "الرواية في عصر المعلومات": إن التوثيق كان حتميًّا لينعكس على حياة أبطال الرواية، واستمر الأمر مع كتابة رواية "مدن السور" التي تدور أحداثها في المستقبل، وكان عليَّ أن أجتاز اختبار المعرفة في التغييرات التي ستحدث للبشر بسبب علم الاستنساخ من ناحية وتغيرات الصراع الدولي من ناحية أخرى، وتاريخ الاستعباد الذي رأيت أنه سيستمر في صورة جديدة في المستقبل بعد أن يتحول ميزان القوى ناحية من يمتلك العلم.  

Cairo forum for creative fiction
تدور أحداثها في المستقبل

وترى البدري أن الأمر لم يقف عند المعلومات الواردة في العمل الروائي، بل أنتقل إلى ابتكاري التغيير في وسائط الاتصال الاجتماعي وغير الاجتماعي، في الرقابة على الناس وتأثيرها على البشر بعد أن تتطوَّر هذه الوسائل عن طريق شركات تخترع طرقًا تسمح بالتأثير على الناس أثناء النوم، أو حتى اليقظة دون إذن منهم أو حتى معرفة، وكفاح هؤلاء البشر ضد اختراق الخصوصية والتدريب على منع وصول هذه البرامج إلى عقولهم والتأثير المباشر على سلوكهم والسيطرة عليهم من خلالها. وقالت: في بحثي هذا أوضح انعكاس وسائط الاتصال الاجتماعي على بنية الشخصية الروائية من حيث طرق تفكيرها ومعالمها ورؤيتها للعالم، وقد تصوَّرت في "مدن السور" أن وسائل الاتصال ستصل إلينا عبر الجلد، وها هي السويد تخترع شريحة تحقن تحت الجلد فيها كل بيانات وبطاقات الشخص فيستخدم جلده كبصمة دخول للبنك والعمل والنادي، تم هذا بعد صدور روايتي بسنتين. 
أما عن روايتها الجديدة وعنوانها المؤقَّت "في الليل لما خلي" فقد اعتمدت الكاتبة بشكل مباشر على وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى المعلومات بعد أن تعذَّر الوصول إليها من خلال الكتب، ولأنها (ميتا فكشن) فقد ظهرت طرق تفكيري في الكتابة وأثر هذه الوسائط عليها، وبخاصة أن الشخصيات حقيقية، راحلة، من بينها إنجبورج باخمان وهي كاتبة نمساوية تكتب بالألمانية وقد رحلت منذ نصف قرن، وكذلك رحل عشيقها الشاعر باول سيلان، وماكس فريش المسرحي السويسري الشهير، وقوت القلوب الدمرداشية وهي مصرية تكتب بالفرنسية، وقد رحلت منذ نصف قرن أيضًا، وجورجيا أوكيف رسامة أميركية رحلت منذ ربع قرن. 
وبينت أن الأمر لم يقف عند العائق اللغوي وحده ولكن الرحيل عن الحياة منع وصول المعلومات الشخصية عنهم، إلا من خلال بعض الكتب بلغات أخرى غير متوافرة فبحثت عن كتاباتهم وتراجم أعمال بعضهم عن طريق الفيس بوك، وتوصلت إلى بعضهم وإلى بعض أقاربهم، وبنفس الطريقة، كما حصلت على بعض كتبهم عن طريق مواقع المكتبات على الشبكة الدولية بالإضافة إلى الفيديوهات التي سجلت لحوارات مع شخصياتي على موقع اليوتيوب، ومواقع الصحف التي نشرت مقالات نادرة عنهم وأعمال التصوير الفوتوغرافي لأحد أبطالي وكذا لوحات جورجيا أوكيف التي ما كان يمكن الكتابة عنها من دون تحليل لوحاتها كما ساعدتني الوثائق البريطانية وموقعها كي أحسم موقفي من إغلاق عبدالناصر لجريدة "المصري" والاختلاف مع محمود أبوالفتح نقيب الصحفيين المصريين حول حرية الصحافة. 
وتشير هالة البدري في شهادتها الأدبية إلى أنه في بعض الأحيان لم تكن تجد الكتب الكافية لمتابعة موضوعها، وتقول: كنت ألجأ للصحف والمقالات ووفرت لي الشبكة الدولية ثراءً حقيقيًّا من المعلومات. وتوضح أنها استخدمت أيضًا برامج الكومبيوتر الخاصة بترجمة اللغة الألمانية ونقلها إلى اللغة الإنجليزية، ثم قمت بترجمتها بنفسي من الإنجليزية إلى العربية لأن الترجمة إلى العربية فاشلة تمامًا، وهو أمر كان مستحيلاً حتى عهد قريب.

أما الروائي السعودي يوسف المحيميد فقد جاءت شهادته تحت عنوان "تحولات السرد بين زمنين" وقال: أعتقد أن لهذا العصر الرقمي، عصر المعلومات، تأثيرين على الرواية، داخلي وخارجي، فأما الداخلي، فهو ما يظهر على محتوى النص، سواء على مستوى اللغة والمفردات، أو على مستوى الوقائع والأحداث، وذلك مما يتضح على كثير من مضامين روايات الألفية، بفعل الأجهزة والتطبيقات الجديدة، وهو أمر يستوقفني طويلاً، فمما لا شك فيه أن كتابة نص روائي في هذا العصر الرقمي العجيب، بكل ما فيه من كمٍّ معلوماتي زاخر هو أمر محير حقًّا، لأن وفرة المعلومات وتنوُّعها يشبهان ندرتها، الوقوف بدهشة أمام ملايين المسالك تجعل المرء لا يعرف إلى أين يذهب، وأي الدروب التي تفضي به إلى ما يريد، أو إلى ما لا يريد، فكم مرة اتخذت دربًا ظننت أنه يقودني إلى حديقة، ثم اكتشفت أنه يأخذني إلى مقبرة، ووجدتني أبحث في الجثث وحكايات موتها، بدلاً من البحث في الأزهار وحكاياتها السرِّية، منذ لحظة أول الحب وهي تنصت إلى رفرفة قلب عاشقة استلمتها للتو، إلى إغماضها في باقة ترقد فوق قبر، هكذا أرى السير بين ألغام المعلومات في زمن منفلت بامتياز.
وأوضح أن وقوف الروائي أمام حشد كبير ومتدافع من المعلومات، يشبه وقفة طفل عارٍ تحت المطر، حائرًا لا يعرف هل يكمل الطريق إلى الهدف، أم يحمي جسده من الماء المنسكب، أم يستمتع فحسب؟ هكذا يمكن أن نستهلك وقتًا طويلاً بين غواية هذه المعلومات، وقد استهلكنا الركض بلا وعي في مناطق عديدة قد لا نرغب البحث فيها عما لا نعرف.
وقال: حين أتخيل ما كنت عليه قبل عقدين فقط، عند كتابة روايتي "فخاخ الرائحة" والآن وأنا أنجز روايتي الأخيرة "سلالم وأكثر من حياة" أكتشف الفارق المذهل بين عصرين، عصر أبحث فيه عن كتب النيل الأزرق، والنيل الأبيض، وحياة الغابات والأحراش في سودان الثلاثينيات، كي أصف لحظة اختطاف الطفل من قبل تجار الرقيق، وكتب الرق في المجتمع السوداني، وبين عصر أفتح فيه اليوتيوب كي أتمشى في بيفرلي هيلز، لأصف طريق بطلة الرواية، والمحال التي تمر بها، بل والتماثيل على الرصيف، والمارة، والمطعم المطل، والطاولة، وصحن الزيتون، وكل شيء كنت سأراه لو كنت هناك فعلاً، فأي لحظة فارقة بين زمنين، وأي تحول كبير حدث في حياتنا اليومية خلال عقدين من الزمان فحسب! 

Cairo forum for creative fiction
أتخيل ما كنت عليه قبل عقدين فقط

قد يستغرب البعض لماذا أتحدث بقلق وريبة من هذا العصر المعلوماتي الجديد، بدلاً من أن أمتدحه، بل أفرط في مديحه، لكنني أتفهَّم حالتي جيدًا حين أدرك ردود فعل بروست، وكافكا، تجاه آلة عصرية جديدة كالتليفون، الذي اعتبره الروائيون جهاز مؤامرة، مستخدمين تأثيرًا دراماتيكيًّا، حيث وصفه بروست بأنه "أداة خارقة للطبيعة قبل المعجزات التي اعتدنا الوقوف أمامها بدهشة"، واستخدمه كافكا في دور الكابوس والتهديد في المحاكمة (1925) والقلعة (1931)، وشبَّهه بعربة ذات صوت لا يُرى، لكنه يوحي بالتعذيب والشر.
وأوضح المحيميد أنه ليس متشائمًا إلى هذا الحد، لكنه يتساءل بحيرةٍ أمام هذا النهر، بل الطوفان الجارف من المعلومات، كيف يمكن أن نتحكَّم به، كيف نوظفه، ونكتب أدبًا رفيعًا، لا نصوصًا متعجِّلة وسطحية، وبخاصة أن عصر المعلومات الذي نعيشه قريب جدًّا ومشتبك مع الواقع، وهذا يقود إلى سؤال آخر: هل الكشف المباشر لقسوة الواقع تدفعنا إلى كتابة أفضل، أم أسوأ؟ وبخاصة أنها قد تحرمنا من انطلاق المخيلة وحريتها. 
ويتذكر الروائي السعودي في هذا الشأن شخصية عبدالإله ناصر في "فخاخ الرائحة" وقد شاهد في مواقع التواصل الاجتماعي شابًّا لقيطًا، يتحدث في مقطع فيديو عن مأساته، منذ لحظة تركه داخل كرتون عند باب جامع، وحتى اكتشاف حقيقته المرَّة على يد المشرف على الدار، كان يشبه شخصية عبدالإله في روايته، لكن الفارق أنه في مطلع الألفية كان يتخيَّل طفولته ويسمع مناغاته ويرى شغبه، ويقول: كنت أرسمه دون صورة ماثلة أمامي.
ويتساءل المحيميد بصوت عالٍ، هل توظيفنا لرسائل البريد الإلكتروني، والتغريدات، ورسائل الواتساب، وغيرها من التطبيقات، داخل النص الأدبي، يمنحه قوة وجمالاً، يؤثر في مساره الدرامي، أم أن حدود اللغة الضيقة يجعله مباشرًا، ويقلل من إمكاناته في الوصف والتصوير، وربما هذه الوسائل والتطبيقات الجديدة، ونظرًا إلى التغير السريع فيها، تؤرخ مرحلة الرواية.
أما التأثير الخارجي على الأدب عمومًا، والرواية خصوصًا، فيرى أنه يحقيق مزيدا من الانتشار لها، وتجاوزها الحدود وعوائق التنقل، وقدرتها على قتل الرقيب، وسهولة وصولها بعدة وسائل وصور متعددة، وتحولها من شكلها الورقي المعتاد، إلى شكل رقمي جديد. إن هذه المزايا المهمة منحت الرواية بعض الضوء، وبعض التضليل، الضوء للأعمال العميقة، والتضليل لأعمال قد تكون رديئة لكن مؤلفيها نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي.