بيوت الحكمة ودور العلم .. الناس على دين ملوكهم

حركة الترجمة التي قام بها العرب على إثر اتصالهم بغيرهم من الأمم اطلعتهم على علوم ومعارف لم تكن معلومة عندهم من قبل.


اختلاف مهم جداً  بين دور الحكمة ودور العلم


قد تكون حقبة ازدهار الأدب دائماً حقبة ازدهار الترجمات

يقول الشاعر والناقد الأميركي عزرا باوند "قد تكون حقبة ازدهار الأدب دائماً حقبة ازدهار الترجمات".
وهذا ما نتبينه عند قراءة كتاب "بيت الحكمة" للمؤلف سعيد الديوه جي.
إن حركة الترجمة التي قام بها العرب على إثر اتصالهم بغيرهم من الأمم اطلعتهم على علوم ومعارف لم تكن معلومة عندهم من قبل.
ومما وجدوه  من المؤسسات الثقافية في البلاد التي فتحوها أو التي ااتصلوا بها هي "دور الحكمة" و"دور العلم" استعان العرب بعلمائها في ترجمة وشرح كتب الحكمة وهناك اختلاف مهم جداً  بين دور الحكمة ودور العلم، حتى ان بعض المؤرخين لم يفرقوا بينهما، فدور العلم هي مؤسسات أدبية، أكثر كتبها تبحث في اللغة والأدب والفقه والأخبار والسير ولا تخلو من كتب الحكمة، أما دور الحكمة: فهي مؤسسات علمية للثقافة العالية، أكثر كتبها في الحكمة والفلسفة والمنطق والطب والنجوم والرياضيات وغيرها من الكتب العلمية المختلفة. 
ولما ترجم العرب كتب الحكمة، واجتمع عندهم عدد كبير منها، رأى الخلفاء ومحبو العلم، أن يجمعوا هذه الكتب في أماكن خاصة سميت "بيت الحكمة" أو "خزانة الحكمة"، وكلها بمعنى واحد يراد بها المحل الذي توضع فيه كتب الحكمة المختلفة، فعل الخلفاء هذا حباً بنشر العلوم والمعارف بين كافة الطبقات: غنيها وفقيرها، ليتيسر لكل فرد أن ينال قسطه من الثقافة، لأن كتب الحكمة كانت عزيزة المطلب غالية الثمن يتعذر على الفقير أن يحصل عليها. 
وهنا لا بد أن نذكر أن أول بيت حكمة وقفنا على أخباره هو الذي أسسه العباسيون في بغداد، واشتهر أمره في خلافة الرشيد ومن بعده المأمون. ومن بعده سنقف على أهم "بيوت الحكمة" في بلاد الإسلام. 

بيت الحكمة في بغداد
تذكر المصادر أن بيت الحكمة الذي أسسه العباسيون في بغداد، هو أول بيت حكمة عرف عند المسلمين، كما كان أعظمهم شأناً، لما يحويه من الكتب النفيسة في شتى العلوم والمعارف، في مختلف اللغات، وترجح أغلب المصادر أن أول أمره كان في خلافة أبي جعفر المنصور، فقد ترجمت في عهده كتب في الطب والنجوم والهندسة، كما ألفت له بعض الكتب في الحديث والتاريخ والأدب، وأن المنصور جمع هذه الكتب في خزانة، كانت النواة لبيت الحكمة. 
وكان المنصور شديد الحرص على هذه الكتب، وأوصى به إلى ابنه وولي عهده المهدي. 
وكان المهدي قليل العناية بكتب الحكمة، خاصة بعد انتشار حركة الزنادقة ببغداد، فإنه شدد عليهم، وقضى أكثر خلافته في تقصي أخبارهم والقضاء على دعاة الحركة الهدامة ونكل بهم شر تنكيل وعلى هذا فإن حركة الترجمة ضعفت في عهده ولم تتوسع خزانة الحكمة كثيراً. 
ولما جاء الخليفة هارون الرشيد أعتنى بعلوم الحكمة، وترجمة كتبها من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية، فأضاف إلى خزانة جده ما اجتمع عنده من الكتب، فتوسعت خزانة الحكمة، وصار بها عدة خزانات لكل منها من يقوم بالإشراف عليها، ولها تراجمة يتولون فيها ترجمة الكتب المختلفة إلى العربية، ونساخون يشتغلون بنسخ الكتب التي تترجم والتي تؤلف للخزانة، ولها مجلدون يجلدون الكتب، ويعنون بزخرفتها وتزويقها. فصار في بيت الحكمة دوائر علمية منوعة، لكل منها علماؤها وتراجمتها ومشرفون يتولون أمورها المختلفة. 
ولما تولى الخلافة عبدالله المأمون وكان شغوفاً بعلوم الحكمة، وجه همه إلى توسيع دوائرها المختلفة، فأرسل في طلب كتب الحكمة من مختلف الأقطار، واجتمع لديه عدد كبير منها، واختار لها المترجمين من اللغات المختلفة: اليونانية والسريانية والفارسية والعبرية والقبطية والهندية والحبشية، وأخذ بيت الحكمة يتوسع ويزداد عدد كتبه بما يرده من الكتب المختلفة التي يجلبها من آسيا الصغرى والقسطنطينية وجزيرة قبرص، وما كان يجمعه السريان من كنائسهم وأديرتهم في الشام وبلاد الجزيرة، وعهد بأمر هذه الكتب الى أجل العلماء وأفصحهم. 
وهكذا اجتمع في بيت الحكمة أجل العلماء والفلاسفة والأطباء والفلكيين وأصحاب الحيل والصناعات. وترجموا مختلف الكتب التي تبحث في شتى العلوم والفنون والمعارف والصنائع. وكلها كانت في بيت الحكمة الذي بلغ منتهى التقدم في زمن المأمون. 
دار الحكمة في القاهرة 
أسس الفاطميون سنة (٣٩٥هـ– ١٠٠٤) دار الحكمة في القاهرة، على نحو ما كانت عليه بيت الحكمة في بغداد، وجعلوا فيها مكتبة كبيرة، وضعوا فيها آلاف الكتب المنوعة والنادرة، العزيزة المنال، والتي تمتاز بجودة الخط وجمال التجليد ودقة الزخارف، وهي في شتى العلوم والمعارف. فتجد فيها كتب الفقه والنحو واللغة والحديث والتاريخ والسير والنجوم والروحانيات والكيمياء والفلسفة والطب وغيرها، من كل كتاب عدة نسخ. وفيها المصاحف المذهبة بالخطوط المنسوبة، كخط ابن مقلة، وابن البواب وغيرها من الخطاطين.  
وبلغ عدد كتب دار الحكمة مليون وستمائة ألف مجلد وكان فيها مصورات جغرافية وآلات فلكية، وخطوط نادرة ، وأقلام منسوبة، وتحف فنية نادرة. 

بيت الحكمة في القيروان
قامت دولة الأغالبة في تونس سنة (١٨٤ هـ - ٨٠٠) على يد مؤسسها إبراهيم بن الأغلب واتخذ مدينة القيروان عاصمة لها. امتاز أمراؤها بميلهم إلى العلم والأدب، وامتاز عصرهم بانتشار علوم الفلسفة والطب والحكمة في تونس، وأول من اهتم بنشرها بين السكان هو الطبيب اسحق بن عمران، فإنه شرح كتب الفلسفة، وفك غامضها، وبسط كتبها، فيسر أمر قراءتها لمحبيها. 
وأسس الأغالبة "بيت الحكمة" في القيروان لتسهيل نشر علوم الفلسفة والحكمة بين الطبقات، وكانت هذه المؤسسة مناراً في شمال أفريقيا، ومنها تسربت العلوم إلى صقلية، التي كانت تحت حكمهم، ثم إلى مدن إيطاليا. 
دور العلم
وكذلك فإن من أهم دور العلم التي كانت موجودة في ذلك الزمان هي "دار علم سابور بن اردشير" وهو أحد وزراء الدولة البويهية، كان يحب العلم وأهله، كما كان كاتباً بصيراً. قرب العلماء والشعراء وأهل الفضل، فاابتاع داراً كبيرة في الكرخ وعمرها وبيضها وسماها دار العلم، ووقفها على الذين ينتفعون بها، ونقل إليها كتباً كثيرة ابتاعها وجمعها، وكانت الدار تحوي أكثر من عشرة آلاف مجلد. 
و"دار علم ابن حيان" حيث عمل القاضي ابن حيان في مدينة نيسابور داراً للعلم، وخزانة كتب، وتمتاز هذه الدار بوجود دار تجاورها للغرباء الذين يطلبون العلم، وكان القاضي ابن حيان يجري الأرزاق على الدار، كما كانت الكتب تعار داخل الدار ولا يسمح بخروجها. 
وكما يقول المثل "الناس على دين ملوكهم". إن اهتمام خلفاء المسلمين وخصوصاً الخلفاء العباسيون بالحركة العلمية والحضارية، وذلك من خلال الاهتمام بالعلماء والشعراء والأدباء والمترجمين ورعايتهم من الناحية المعنوية والمادية، وتشجيعهم الدائم على التأليف والبحث في جميع المجالات، وتوفير جميع الاحتياجات التي يطلبونها من أجل البحث.
هذا إلى جانب حركة الترجمة من اللغات الأخرى، والتي جعلت الحركة العلمية العباسية في تطوّر كبير مقارنةً بالحركات العلمية في العصور السابقة في جميع المجالات.
وبالعودة إلى عصرنا الحالي، فكم نحن اليوم بحاجة إلى من يرعى ويشجع ويثمن جهود العلماء والشعراء والفلاسفة والمترجمين لنتقدم إلى صدارة الأمم.