بين عصر التنوير وعصرنا... المسافة طويلة

العقل المقيد لا ينتج تنويراً

بقي العالم العرب/ إسلامي قروناً طويلة يؤمن بنفسه مركزاً للحضارة العالمية حتى بعد أن تفككت حضارته، غير مستوعب الحقيقة الواقعة والصارخة التي تقول ان تلك الحضارة التي امتدت من الصين الى البلقان قد تلاشت وأن العالم الحالي قد تجاوزها. بهذا يمكننا التأكيد على أن العرب والمسلمين عاشوا فترة طويلة من الزمن في عالم من الأوهام والانفصال عن الواقع.

وحين أحسّ عالمنا فيما بعد بوقع الكارثة، ووجد في نفسه القدرة الحذرة على تبيّن موقعه في سلم الحضارة العالمية، بعد أن عجز عن اللحاق بالركب الحضاري، وقف وجهاً لوجه أما سؤالين متلازمين كان عليه الإجابة عنهما: لماذا دخلنا في نفق مظلم من التخلف بعد قرون مزهرة من الإنتاج الحضاري والثقافي الذي ميزنا؟ ثم ما الذي مكن الغرب الذي عاش أثناء نهضتنا عصوراً من التخلف والخمول من أن يتقدم في كافة المجالات وفي مسيرة لم تتوقف؟

لقد اضحى واضحاً الآن أن عالمنا لم يفلح في صياغة أجوبة مقنعة على هذين السؤالين، فبدلاً من البحث عن جذور ازدهار هذه الحضارة في تربة الأرض التي نبتت بها، أي عوامل الزمان والمكان والظروف التأريخية الملموسة، اتجه للبحث عن امتدادات تلك الجذور في السماء والدين واعتبر أن كل ما تحقق كان نتاجاً لتطور الدين والفقه.

بديهي في هذه الحالة أن يكون الرد على السؤال الأول الخاص بأسباب تخلفنا، بأن السبب يكمن في ابتعاد المسلمين عن أصول دينهم. أما السؤال الثاني عن تقدم الغرب، فقد كان الأكثر إحراجاً إذ أن الإقرار بالتقدم الغربي سيعني تناقضاً مع الذات طالما كان الغرب لا علاقة له بالإسلام أصلاً، مما يعني بطلان الإجابة المصاغة على السؤال الأول، وبطلان الإجابة هذا، سيعني بلا أدنى شك الفصل بين الدين والحضارة وفك الارتباط بينهما.

ثقافة الآخرة

للزوغان عن تحديد سبب تقدم الغرب، توغل العقل العربي الإسلامي أكثر في دهاليز الغرابة ليعلن بعض قادته الدينيين أن "التقدم الغربي المزعوم" هو تقدم "دنيوي"، "مادي" فقط لا قيمة له، في حين يتقدم عالمنا الإسلامي آخروياً!

وكشكل آخر من أشكال التخبط، يستعيد الناس حكايات منقولة لا تأكيد لصحتها عن بعض القادة الفكريين المثاليين من المقرين بتقدم الغرب الذين عبّروا عبر عن إعجابهم بالمجتمع الغربي الذي طبق الإسلام”حسب فهمهم: "رأيت إسلاماً بدون مسلمين" وهو رأي يستند الى صورة متخيلة عن عالم إسلامي عادل مفترض".

وفي محاولة أخرى للهروب أمام الاسئلة الملحة، وحين وجد عالمنا نفسه أمام حقيقة التقدم التكنولوجي والعلمي الغربي التي لا جدال حولها ، نراه لا يجرؤ على الكشف عن المقدمات الفكرية لهذا التطور بل يحاول البرهنة ، استناداً الى مظاهر اجتماعية محددة، على أن المجتمعات الأوربية تعاني من التفسخ والانحلال نتيجة لابتعادها عن الدين، ولذلك فأن "الأسلم لنا ان نأخذ من الحضارة الغربية تكنولوجيتها المتطورة، ونتجنب "قيمها الاجتماعية" "أي أن ننعم بالنتائج متجاوزين الأسباب التي كانت وراء إنتاجها والقيم الاجتماعية التي نعنيها هنا هي قيم حرية الأفراد وحرية الفكر والضمير وحقوق المرء الأساسية.

هذه النظرة القاصرة بالذات كانت مسؤولة عن فشل كل مشاريع التنمية التي تصورت إمكانية استيراد التكنولوجيا كما تُستورد السلع وليس كنتاج متراكم من عملية طويلة باتجاه تحرير العقل. فما كان ممكناً للعلم والثورة التكنولوجية في أوربا النمو والتطور في بيئة لا تقر بكروية الأرض وتعتبرها مركز الكون الواقف على سلاحف ضخمة وتشتري صكوك الكنيسة للدخول الى الجنة.

بقي عالمنا لهذا السبب بالذات، لفترة طويلة من الزمن يعيش التناقض في رؤيته لنفسه وفي رؤيته للعالم، فهو يعلن رغبته وحماسته في كل مناسبة للنهوض واللحاق بأمم الأرض التي تقدمت عليه، ولا يخفي من ناحية ثانية هلعه من مجرد طرح فكرة معرفة التاريخ وإعادة تأمله باعتباره نتاجاً لعمل البشر.

الهروب إلى الوهم

كل هذة الدهاليز، صممها شيوخ العقل العرب/إسلامي للهروب أمام مستحقات النهضة الفكرية التي لابد ان تبدأ أولا بتحرير العقل وإزالة السدود المحيطة به، ونسف شبكة الأسلاك الشائكة التي تعزله عن المحيط الخارجي. لقد خشي عالمنا ان يطرح على نفسه السؤال: "لماذا لم تتطور أدوات المعرفة في ثقافتنا العربية (الإسلامية) في عصر النهضة في القرون الوسطى إلى ما يجعلها قادرة على إنجاز نهضة فكرية وعلمية على غرار ما حدث في أوربا ابتداءً من القرن الخامس عشر الميلادي" لأنه خشي أن يصل الى ما وصلته اوربا من مرحلة هز لشجرة المقدسات والتي أثمرت من ضمن ما اثمرت عنه عن فصل الدين عن مؤسسات الدولة وإعلان الدين اختياراً شخصياً. ولو اننا حللنا عوامل الركود الفكري والتخلف الاجتماعي التي مر بها العالم العربإسلامي لاتضح لنا بسهولة أن أحوالنا قد تدهورت منذ القرن الحادي عشر الميلادي زمن الخليفة القادر، الذي طارد المعتزلة، عندما قُمعت محاولات الفكر النقدي الحر، والفكر الفلسفي الذي عومل كفكر مارق ودخيل على ثقافتنا العربية الإسلامية، ثم تمت بعد ذلك وعبر قرون من الركود الفكري والتراجع، صياغة العقل من قبل المؤسسات التقليدية الدينية التخويفية أو القبلية المتخلفة. صياغة عقل قدري، لا يفكر وفقاً للمنطق لأن "من تمنطق قد تزندق".

لكن مما يثير الانتباه ان البداية الفكرية لمجتمعنا ومع كل هذا التردد، كانت مشجعة. ففي العهد الذي عاصر تفكك الدولة العثمانية أو أعقب عصر تفككها، تصدى الكواكبي ورشيد رضا ومحمد عبده وعلى عبد الرازق وطه حسين وقاسم أمين لمواضيع جوهرية تخص التاريخ الإسلامي ونظام الحكم والاستبداد والتعليم والمرأة بما كان يمكن له أن يشكل بداية الانطلاق نحو عصر التنوير. لكن ومع نهاية سبعينيات القرن الماضي استدار عالمنا الى الخلف ليبدأ مرحلة جري جنوني باتجاه كهوف التأريخ المعتمة، فسلك الطريق الخطأ لينشغل بأحداث ماضوية إشكالية بحثاً عن الموازن السايكولوجي الذي يصحح الخلل ويغير من وجوده الهامشي والمتخلف في عملية صنع عالم اليوم.

الرجعة مع الثورة الإيرانية

تزامن توقيت رحلة العودة الى الأصول مع انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 حين دخل عالمنا مرحلة خطيرة اتسمت بمجابهة الفكر المخالف بكاتمات الصوت وتصفية أي رأي يحاول غربلة المقدسات وإعادة فهم التأريخ الإسلامي. وفي حين لم يتعرض أي من كبار مفكري عصر النهضة للتصفية الجسدية، حفل عهد ما بعد الثورة الإيرانية بانفلات غير مسبوق للعنف ضد أصحاب الآراء التنويرية أو الداعية لإعادة النظر ببعض مسلمات تراثنا فصفي حسين مروة ومهدي عامل وفرج فودة وتعرض نجيب محفوظ للطعن وهدد نصر حامد ابو زيد وهادي العلوي و فرضت حالة من الإرهاب الفكري والتشتت والعداء الطائفي تشبه ما مرت به المجتمعات الأوربية في العصور الوسطى.

لقد زرعت التربية المتخلفة، المعفرة بتراب التاريخ عقول أجيال متعاقبة بأحزمة من السلاك الشائكة التي تتناقض مع طبيعة العقل المتطورة باستمرار، فيما يتسم العصر الحاضر بسمة الحرية المطلقة من كل قيد. إنه تصادم بين بنية العقل العرب/إسلامي المتحجرة و بنية العصر الحالي المرنة، الأمر الذي يجعل من كل محاولة اقتراب بين الاثنين مصدراً لمزيد من الابتعاد عن بعضهما.

وكان الحصاد مانراه الآن من موجة تطرف ديني ومذهبي اجتاحت المنطقة بشعارات وأهداف لا يقبلها العقل ولا المنطق. لقد وصلنا قاع الانحطاط وبات من الملح أكثر من أي وقت مضى البدء بهجوم معاكس يطيح بمنظومة القيم البالية ويشرع الأبواب أمام حركة فكرية جريئة تعديد النظر بدور المؤسسات الدينية" الشيوخ، والمرجعيات الدينية وتؤكد مسؤولية هذه المؤسسات بالذات عن هذا الخراب الروحي والاجتماعي الذي لايمكن تصور ما هو أكثر دموية وتدميراً منه. لابد من وقفة جريئة لتحرير العقل. وتحرير العقل يبدأ من هز مااصطلح على تسميته بالثوابت الفكرية في التراث والحياة المعاصرة واخضاعها للمساءلة العلمية فيبقى عندئذ في الأرض ما ينفع الناس وما لا ينفعهم يذهب غير مأسوف عليه. فقط بهذه الطريقة نتمكن من فصل حياتنا و مقدساتنا وتراثنا عما علق بهما من خرافة وتطفل عليهما من طفيليات، ونبدأ الاقتراب من عالم اليوم الذي تركناه يمضي بدوننا قروناً.

فهل اقترب العقل العربي الإسلامي من عصر التنوير؟ وما مسافتنا عنه؟

علي بداي

كاتب عراقي