بين اغتيال كمال جنبلاط... واغتيال رفيق الحريري!

بقلم: خيرالله خيرالله

دخلت الثورة في سوريا شهرها الثالث. يشير ذلك الى ان ما يحصل في هذا البلد العربي المهمّ ليس حدثا عابرا. منْ راهن على ان السوريين سيستكينون بمجرد التلويح بالعنف كان مخطئا. هناك شعب يريد التغيير ونقل البلد الى مرحلة افضل، على الرغم من ادراكه لعمق الازمة التي تمرّ بها سوريا نتيجة ثمانية واربعين عاما من حكم الحزب الواحد. انه حزب لا يؤمن سوى بالشعارات والقمع ويعتقد ان السوريين من الغباء الى درجة سيصدقون ان هناك شيئا اسمه ممانعة او مقاومة اضاعتا عمليا الجولان وكل فرصة اتيحت من اجل التطور. لم يبق من الجولان سوى المتاجرة به. انها تجارة تستخدم لتغطية الفشل السياسي والاقتصادي والتنموي والاجتماعي على كل الصعد.

هناك، بكلام اوضح، بقعة زيت تتسع مساحتها يوميا لتشمل كل المحافظات والاراضي السورية. في المقابل هناك نظام غير قادر على معالجة اي مشكلة من اي نوع كان، بدءا بالنمو السكاني ذي المعدلات غير الطبيعية مرورا بالعشوائيات التي تطوق المدن وانتهاء بالبرامج التربوية والصعود المستمر للنفوذ الايراني الذي بلغ ذروته مع قبول دمشق بالتحول الى تابع لطهران في لبنان اثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري واضطرارها الى سحب قواتها من الاراضي اللبنانية.

لم يكن الحقّ على الرئيس بشّار الاسد الذي ورث نظاما غير قابل للتطوير يعتقد ان الانتصار على لبنان بديل من الانتصار على اسرائيل. الحقّ كل الحقّ على التركة الثقيلة التي لا يستطيع اي رئيس لسوريا ان يفعل بها شيئا اذا لم يتخذ قرارا واضحا بالطلاق مع الماضي. بدل ان يتخذ الرئيس السوري مثل هذا القرار ويفكّر مليا في المشاكل الحقيقية لسوريا بصفة كونها تحولت الى رجل المنطقة المريض، راح يقرأ من كتاب قديم عفا عنه الزمن لا علاقة له بالقرن الواحد والعشرين وما بعد انتهاء الحرب الباردة. لم يفكر يوما على سبيل المثال لماذا هناك مليون ونصف مليون عامل سوري في لبنان، البلد ذي الموارد المتواضعة، بدل ان يكون هناك عشرات آلاف اللبنانيين يعملون في سوريا ذات الموارد الكبيرة والقدرات الهائلة في مجالات الزراعة او السياحة على سبيل المثال وليس الحصر. لماذا لا خدمات من اي نوع كان في سوريا في حين ان بعض افضل رجال المصارف في لبنان هم من السوريين الذين هربوا من نظام البعث ليجدوا في لبنان وطنا يوفر لهم جوا من الحرية يسمح لهم باستخدام ما يمتلكونه من طاقات.

يمكن وضع كتاب من مئات الصفحات لتعداد "انجازات" النظام السوري الذي لم يلتفت يوما الى خطورة تدني مستوى البرامج التربوية ولا الى اسباب هجرة العقول من سوريا او حتى سبب عدم وجود مستشفى لائق في بلد لديه بعض افضل الاطباء في العالم يعملون في ارقى مستشفيات الولايات المتحدة او كندا، او في بلدان اوروبية...

في حال كان مطلوبا اخذ عبرة من تطورات الاسابيع القليلة الماضية، فان اقل ما يمكن قوله هو ان النظام السوري غير قابل للاصلاح. ولذلك، من مصلحة السوريين العمل على انقاذ بلدهم من النظام وهو ما يفعلونه يوميا. فالسوري العادي يدرك، بعيدا عن المشاكل الخاصة ببلده، ان التخلص من كمال جنبلاط في العام 1977 في عزّ الحرب الباردة سيسمح للنظام في دمشق باخضاع لبنان. لكنه يدرك ايضا ان التخلص من رفيق الحريري في السنة 2005، لن يؤدي الى النتائج نفسها. على العكس من ذلك، كانت النتائج مختلفة تماما لاسباب مرتبطة بتغيّر العالم والمنطقة وليس فقط لان الحريري كان زعيما وطنيا يمتلك رصيدا عربيا ودوليا... ولأنّ اهل السنة لن يقبلوا بالاهانة والذل والتبعية الى ما لا نهاية، لا في لبنان ولا في سوريا!

مرة اخرى، النظام السوري غير قابل للاصلاح. السؤال هل يمكن انقاذ سوريا؟ الاكيد ان الكلام عن مقاومة او ممانعة لا يقدم ولا يؤخّر وان الاعجاب بتجربة "حزب الله" في لبنان هو الطريق الاقصر الى الوصول الى حائط مسدود، نظرا الى ان ليس لدى "حزب الله" ما يقدمه للبنان سوى نشر البؤس والتخلف وتدمير مؤسسات الدولة واثارة الغرائز المذهبية وتكريس الوطن الصغير "ساحة" للنظام الايراني لا اكثر.

من الآن، يفترض في القيمين على النظام السوري التفكير بطريقة مختلفة يكون التركيز فيها على انقاذ سوريا. من حسنات سيف الاسلام القذّافي، بغض النظر عن الرأي السلبي لكثيرين في شخصه، انه سعى في مرحلة معينة الى اصلاحات في ليبيا وفشل في ذلك فشلا ذريعا تدفع ثمنه اليوم ليبيا كلها. اصطدم سيف بوالده "القائد" وصار ضحية من ضحايا هذا الاصطدام، خصوصا في مرحلة ما بعد اندلاع الانتفاضة الاخيرة عندما راح يقرأ في الكتاب الذي حكم من خلاله العقيد معمّر القذافي "الجماهيرية". المؤسف انه لم تحصل في سوريا اي محاولة للقيام باصلاحات. بقي النظام يعيش في ظلّ الاوهام التي يؤمن بها بما في ذلك قدرته على استخدام الفلسطينيين وقودا، كما حصل الاحد الماضي في جنوب لبنان والجولان. كان النظام دائما عصيا على الاصلاح. المخيف ان الثمن الذي قد تدفعه سوريا سيكون غاليا، بل غاليا جدا.

في هذا الجوّ المكفهر، تبقى البارقة الوحيدة اصرار الشعب السوري على مقاومة النظام. بعد نصف قرن تقريبا من حكم البعث الذي اسست له مرحلة الوحدة مع مصر، اي دولة المخابرات، بين العامين 1958 و1961، لا تزال هناك نواة سورية مصرّة على الخروج من الظلم والظلام والظلامية. لا يزال هناك سوريون يؤمنون بان بلدهم يستحق الحياة وان الشعب السوري يستأهل العيش في دولة ديموقراطية تبيع بضاعة اخرى غير تامين الامن للآخر بعيدا عن كل نوع من انواع الابتزاز، خصوصا ان الابتزاز شيء والسياسة شيء آخر... في القرن الواحد والعشرين!

خيرالله خيرالله