بين ألم وحزن وغضب: رسالة رد من الصليب الأحمر الدولي

بقلم: علي الصراف

تلقى كاتب هذه السطور، الاسبوع الماضي، ردا مكتوبا من اللجنة الدولية للصليب الاحمر، اعدته السيدة ندى دوماني مسؤولة الإعلام في بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق، على مقال "صليب التواطؤ الأحمر" الذي نشر في "ميدل ايست اونلاين" والعدد 55 من صحيفة "العرب الاسبوعي" في 27 من الشهر الماضي، نقدم هنا نصه، كاملا، قبل التعليق عليه:
"بدءا و أنا أبعث بهذا الرد المكتوب للنشر، أود أن أوضح بأنني تحدثت هاتفيا مع السيد علي الصراف بعد أن قرأت مقالته المعنونة 'صليب التواطؤ الأحمر'. وكان الحديث طويلا واعتقد أننا توصلنا إلى أن يفهم كل منا الآخر، وأدركنا أن ما يجمعنا هو ألمنا من وقوع انتهاكات ورغبتنا بوضع حدّ لها مع اختلاف في الوسائل. أقصد أنني فهمت لماذا كتب ما كتب و فهم لماذا نعمل في اللجنة الدولية للصليب الأحمر بصمت من غير أن نكون متخاذلين أو متواطئين، على حد قوله. وأحببت أن يطّلع القارئ الكريم على بعض ما تحدثنا به، توضيحا للصليب الأحمر الدولي ولموقف العاملين فيه.
"ولابدّ أن أشير إلى أن ما اكتبه ردًّ غلب عليه الطابع الشخصي لأن المنظمة سبق وأن أرسلت له ردا مسترسلاً وموثقا بالاحصائيات والبراهين بعد نشره مقالاً مشابهاً في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية قبل سنتين.
"لا أخفي مدى الألم والغضب اللذين شعرت بهما وأنا أقرأ ما نشره السيد الصراف وان حاول الفصل بين المنظمة الدولية والعاملين بها.. شخصيا لا أرى أي فرق بيني، ندى دوماني، الإنسانة العربية، وبين اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الملتزمة بأهداف إنسانية نبيلة تعمل على تحقيقها.
"كانت أول مواجهة لي للحرب هي مع الحرب اللبنانية: وطن يذبح ومدنيون يقتلون دون أن يعرف الوطن سبب ذبحه ودون أن يعرف المدني إن كان شابا أو طفلا، امرأة أو صبية، لماذا يقتلون! تعرفت إلى اللجنة الدولية الصليب الأحمر في وقت كانت الحرب اللبنانية تصادر الحلم والحياة فضلا إلى ما صادرته من فقدانات روحية وممتلكات.
"اختلف اللبنانيون على كل شيء لكنهم أجمعوا على احترام منظمة الصليب الأحمر التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء التي أوجدتها الحرب ومنحت صبغتها الإنسانية و أشعرتني بأن الغد ممكن القدوم. بعد ذلك بسنوات بدأت العمل بالمنظمة وتوالت مواجهاتي مع الحروب، ودائما كنت نفسي قبل أن أكون المنظمة التي تمنحني الراتب، وقبله تمنحني الفرصة لأساعد المحتاج وأوصل رسالة أسير أو سجين إلى أهله. ربما راودتني الفكرة التي سيطرت على السيد علي الصراف وهي 'لماذا تعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بصمت وهي تعرف الكثير عن الخروقات؟' ولكن عملي شرح لي الكثير.
"يجب على المنظمة أن تعمل بصمت لأنها لا تملك سوى سلطة القانون على الحكومات المختلفة ولا تستطيع أن تواجه قرارا بمنعها من دخول دولة ما أو منعها من العمل داخل سجن ما أو أن توقف حربا ما بقوة السلاح. واقتنعت أن العمل الإنساني ليس بحاجة إلى إعلان إنما بحاجة إلى أن تُشعر المقابل أنه ليس وحيدا في مواجهة الحرب أو الكارثة أو السجن، أن تُشعره بأن يدا تمتد لتمسح دمعته ولساناً لطيفاً يؤنسه في زنزانته وطرفاً محايداً يوفر له فرصة الالتقاء بعزيز فقد أو سجن أو أبعد.. فأنا، الصحافية السابقة، تعلمت من المنظمة أن العمل الإنساني أكبر وأنبل من الشهرة و الإعلان عن النفس.
"أقدر ما يشعر به السيد علي الصراف من ألم وحزن وغضب لما يجري في العراق لأنني اشعر بنفس الألم والحزن. كنت وما أزال متشبثة بالعمل في العراق، بالرغم من أن المنظمة الدولية ترفض الحماية العسكرية من أي طرف كان ومع العلم أنها استهدفت أكثر من مرة وضحّت بعدد من الزملاء. فأنا أعشق بغداد ويجرحني كثيراً ما يحلّ بها. واللجنة الدولية للصليب الأحمر تبقى ملتزمة في التخفيف من معاناة العراقيين وغيرهم من ضحايا العنف. المنظمة، لم ولن تكن يوما جبانة، وعملها وسط الحروب والمناطق الساخنة خير دليل على ذلك... ولم ولن تكن متخاذلة بل فاعلة... ولم ولن تكن صامتة بل مصرة على موقفها لدى الجهات المؤثرة... ولم ولن تكن متكتمة إلا في حدود الممكن الذي لن يتسبب في منعها من العمل.
"وأخيراً أعترف بأنني واللجنة الدولية للصليب الأحمر، نتمنى أن نقول 'كفى للانتهاك' وأن يتوقف فورا. كنت أتمنى أن نملك سلطة تجاه من يصر على مصادرة الحياة والحلم، لكن الواقع بعيد عن التمنيات. وإذ أتمنى من السيد علي الصراف أن ينشر ردي هذا كاملاً، أعرب عن أسفي وامتعاضي لأنه يهاجم حلقة إنسانية في خضم صراعات فُقد فيها معنى الإنسانية، ومن الظلم مهاجمة من يحاول بقدر الامكان وعلى الرغم من الصعاب مناصرة مَن هم بحاجة إلى مساعدة.
ندى دوماني
مسؤولة الإعلام في بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق، 19/6/2006".
***
قبل كل شيء، يقتضي الواجب (والمخاوف من سوء الفهم)، ان أكرر هنا، بأوضح ما يمكن من العبارات: ان موظفي الصليب الأحمر الدولي، هم من ذلك النوع من البشر الذي يستحق كل الاحترام والتقدير والرعاية، لانهم يقومون، بحدود المستطاع، بعمل انساني لا غنى عنه في ظروف غالبا ما تكون قاسية ومريرة. وأقول من موقعي كصحافي مناهض للاحتلال الامريكي في العراق، ان تعريض جهود وحياة هؤلاء الموظفين للخطر، بأي صورة من الصور، هو صفعة لا يمكن ان تغتفر على وجه الانسانية جمعاء. وسواء كنا نعتقد ان المنظمة التي يعملون فيها تتبنى سياسات صحيحة ام خاطئة، فهذا شيء تمكن المجادلة فيه، الا ان الدور الذي يؤديه كل واحد من العاملين في هذه المنظمة، شيء آخر، وهو نبيل بما يكفي لكي نتحمل جميعا مسؤولية الدفاع عنهم من اجله. وانا انحني إجلالا وتقديرا للسيدة دوماني ولجميع زملائها في أربع أركان الأرض. وأسال الله، أن يحميهم من كل مكروه، يقينا مني، بان الضمير الحي في هذه المنظمة هو الذي سينتصر في النهاية.
بعد هذا، فليأت الخلاف. والخلافُ مفيدٌ لنصرة الضمير.
قلت للسيدة دوماني اني رفضت التحدث، في وقت سابق، مع ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف، لاني اعتبر ان قيادتها تتبنى سياسات صمت تمثل، من وجهة نظري، خيانة حقيقية لكل القيم الانسانية. وأعرب اليوم عن احد رغبتين: ان تتخلى المنظمة عن تلك السياسات، او ان يركز قادة فروع المنظمة جهودهم لانتخاب قيادة جديدة.
من المهم والضروري ان تبلغ الشجاعة بقيادة الصليب الأحمر ان تعترف بان ما يجري في العراق هو حرب خيضت من جانب قوة دولية، وليس مجرد "حرب أهلية". واذا كانت تبرز اليوم الكثير من ملامح الحرب الأهلية، فهي نتاج لاعمال تلك القوة الدولية. وعلى أي حال فان الغزاة، كما هو واضح لكل ذي بصر وبصيرة، هم القوة التي تحرك وتتحكم بكل خيوط اللعبة الدامية في هذا البلد.
العراق، بهذا المعنى، ليس لبنان ولا رواندا. وتكمن أهمية التمييز، في طبيعة الاطار القانوني لقواعد الحرب. فالالتزامات المنصوص عليها في معاهدة جنيف لعام 9491 حول أسرى الحرب، لا تنطبق، بالطريقة نفسها، على البلدان التي تقع ضحية حروب أهلية.
وانطلاقا من هذه الالتزامات، فعندما تمارس قوات الاحتلال أعمال تعذيب وقتل وانتهاكات بشعة، بصورة منهجية، متكررة ومنظمة، ضد من يمكن اعتبارهم "أسرى حرب"، فهذه القوات انما ترتكب "جريمة بحق الانسانية."
طبعا، كلنا يعرف ان قادة الولايات المتحدة والمسؤولين المباشرين عن هذه الجرائم، هم فوق القانون وفوق القيم وفوق الأعراف، ويستطيعون لهذا السبب ان يرتكبوا أي جريمة يشاؤون وهم يبصقون في وجه القانون الدولي، بكل مؤسساته التي لم تعد تحظى بالكثير من الاحترام، الا ان هذا شيء، والقيم الانسانية التي ندافع عنها شيء آخر.
بمقاييس الحرب الأهلية، نعم، من المهم تماما العمل بصمت، لان المتنازعين المحليين لا يجدون انفسهم ملزمين بتوفير "حق الدخول" الى المعتقلات اذا كانوا يعتقدون ان اعمالهم ستكون عرضة للفضح. وبما ان متنازعين من هذا النوع قد لا يتورعون عن قتل ضحاياهم، فان السماح للصليب الأحمر بالدخول اليهم يوفر فرصة معنوية لا غنى عنها لحماية المعتقلين، وذلك بما ان سجانيهم يعرفون ان المعتقلين صاروا معروفين من جانب هذه المنظمة الدولية، وان مشاهدتهم على قيد الحياة تُلزم سلطات الاعتقال بحفظ حياتهم، كائنة ما كانت الاعمال التي تُرتكب ضدهم بعد ان يخرج ممثلو المنظمة من السجون.
جيوش الولايات المتحدة، حتى وان كانت تتصرف في العراق اليوم أسوأ مما كان يتصرف الهمج من الهوتو والتوتسي في رواندا، وأسوأ مما كان يتصرف المتقاتلون في لبنان، الا انها تظل، برغم كل شيء، خاضعة لقوانين والتزامات دولية. ويجب ألا ننسى، ان الولايات المتحدة قررت غزو العراق بعد سلسلة قرارات صدرت عن مجلس الأمن الدولي أنذرت الحكومة العراقية بـ"عواقب وخيمة" ما لم تتخل عن اسلحة الدمار الشامل التي زُعم انها كانت ما تزال تحتفظ بها. وسواء اختلف فقهاء القانون الدولي حول مدى التفويض الذي سمح به مجلس الأمن لغزو العراق، فالحقيقة التي لا مراء فيها هي ان الولايات، حتى وان تسترت بما زعمت انه تفسيرها الخاص لقرارات مجلس الأمن، الا انها ظلت ملزمة بأخذ معاهدة جنيف لعام 1949بعين الاعتبار. والفصل الثالث من هذه المعاهدة يخول لممثلي الصليب الأحمر حق الدخول الى سجون وزنزانات المتحاربين ومراقبة ظروف الاعتقال ومدى احترامها للقانون.
على هذا الأساس، (1) لا شيء يجيز للقوات الامريكية القيام باعمال قتل واغتصاب وتعذيب، (2) اذا وقعت هذه الجرائم، فانها تندرج في اطار الجرائم بحق الانسانية، من وجهة نظر القانون الدولي، وهي جرائم لا يُجيز القانون الدولي نفسه الصمت عليها، (3) لا تملك الولايات المتحدة الحق في منع ممثلي الصليب الأحمر من الدخول الى السجون، مما يجعل التذرع بالصمت لحماية حق الدخول أمراً لا مبرر له (4) قواعد عمل الصليب الأحمر الدولي نفسها تجيز للمنظمة الخروج عن الصمت اذا ثبت ان الانتهاكات تتكرر.
والانتهاكات تكررت وتكررت وما تزال تتكرر كل يوم تحت سمع وبصر المنظمة ولكنها ظلت تتمسك بالصمت. وظلت لا تستطيع التمييز بين قوات دولة عظمى تخوض حربا تحت مظلة مجلس الأمن الدولي، وبين قوات الهوتو والتوتسي. بل حتى لكأن شيئاً لا يميز بين الرئيس جورج بوش وبين الرئيس تشارلز تايلور بطل المذابح الأهلية في ليبيريا. ومع ذلك، فان تايلور هذا يساق الآن الى المحكمة الدولية في لاهاي، بينما يحظى الرئيس الأمريكي وضباطه بالحماية حتى من النقد، رغم ان الأخير ارتكب في العراق عشرة أضعاف الجرائم التي ارتكبها الأول في ليبيريا.
وما لم يكن هذا تواطؤاً مخزياً، فلا أدري كيف يكون التواطؤ.
رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر جاكوب كيلينبرغر قال، بعظمة لسانه، في مقابلة سابقة مع مجلة "فاكتس": "السرية ليست قيمة بذاتها، ونحن نحتفظ، في ظروف معينة بحق التكلم علنا". وقال "الخروج عن السرية يجب ان يأخذ بنظر الاعتبار أربعة شروط: أولاً، حصول انتهاكات خطيرة ومتكررة للقانون الدولي الإنساني. ثانياً، أن نكون شهوداً على هذه الانتهاكات أو أن نكون على علم بها من مصادر موثوقة تماماً. ثالثاً، التأكد من أن تدخلاتنا المتكررة بقيت من دون تأثير. رابعاً، أن نكون مقتنعين بأن التوجه إلى الرأي العام هو لصالح الضحايا."
وأنا أتوجه بالسؤال الى ضميره: ألم تتوفر هذه الشروط الأربعة في العراق؟
ولكني أعرف انه قرر ان يصمت. وأعرف، من ناحية أخرى، ان التواطؤ لا يكون تواطؤا ما لم يكن نوعا من نفاق شامل، وبمعايير مزدوجة تماما. وهذا ما نراه جليا في التعامل مع الأسرى في العراق، من رئيس الجمهورية، صاحب أكبر حصانة دولية ممكنة، حتى آخر طفل وقع ضحية الاعتقال.
لقد التزمتُ للسيدة دوماني بان أنشر ردها كاملا (مع الاحتفاظ بحق التعليق)، بل والتزمت أيضا بنشر كل ما تطلب نشره دفاعا عن الصليب الأحمر (من دون أي تعليق مستقبلا). ولن أجد غضاضة بالتبرع بان نكون بوق دعاية لاعمال المنظمة (احتراما لنبل موظفيها وقادة فروعها).
وإذ أمنح السيدة دوماني كل الحق بان تعرب "عن الأسف والامتعاض" (لاني هاجمت "حلقة إنسانية في خضم صراعات فُقد فيها معنى الإنسانية")، فانا بدوري أعرب عن الأسف والامتعاض لان هذه "الحلقة الانسانية" لم تتصرف مع أسرانا وضحايانا بروح انسانية متساوية. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com