'بيت السناري' .. صراع ثلاثي على 'زينة'

آن للجريح أن يستريح

تقدم الرواية التاريخية أحداثا كبرى حسبما اتفق القوم على اعتبارها مفاصل أساسية في مسار الأمم والدول، مع اعتبار التوغل في الماضي ومد جذوره حتى الحاضر، ومن هنا فعلاقة الرواية التي تتناول التاريخ من منظور العصر الحاضر علاقة تواصل. لذلك يعدّ الروائي هو مؤرخ الحاضر كما ذكر الاخوان جونكور، وقد كان لجورج لوكاتش الفضل الأكبر في الكتابة التنظيرية عن الرواية التاريخية بعد أن عرَّف كاتب الرواية التاريخية بأنه لا يلتفت الى الماضي إلا من خلال حاضره على الرغم من أن تصوير التاريخ أمر مستحيل على المرء ما لم يحدد صلته بالماضي ما لم يحدد صلته بالحاضر.

إن الرواية التاريخية تنطلق من أحداث وذوات حقيقية مختلفة في الغالب وتشكل جزءاً من تاريخنا وماضينا الممتد حتى اللحظة الراهنة.

من ذلك النوع من الروايات التي تمتح من معين التاريخ رواية الكاتب المهم عمار علي حسن "بيت السناري" الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، و"بيت السناري" أثر قديم يقع في حي السيدة زينب كما ذكر الجبرتي وهو بناء من نوعية القصور الضخمة التي لا تزال باقية من آثار المماليك تم بناؤه للصفوة، بناه إبراهيم كتخده السناري وأنفق عليه أموالا طائلة.

وإبراهيم كتخدة السناري عبد من أحراش السودان من قرية سنارة وهي جزء من مدينة دنقلة في السودان ثم نزح مع الرقيق الى مصر، لكنه استطاع ان يتوغل مع المماليك وأتقن اللغة التركية تقربا للباب العالي ثم هادن المماليك الذين هم مصطفى بك ومراد بك حتى حصل على لقب كتخده، وهو لقب لم يعط إلا لكبار المماليك بيض وشٌقر لذلك كان مستغربا أن ينال هذا العبد الاسود تلك الحظوة.

وإن كان يُسأل دائما من أين نال تلك المكانة المتجسدة في لقب كتخده الذي لا يمنح سوى لأعيان المماليك البيض الشُقر والترك كذلك، فماله وهو العبد الأسود وهذه المكانة وهو ما يدل على توغله بين المماليك على الرغم من رده الأثير "ولا سر ولا حاجة" ليتدخل الراوي بما علمه عنه "الرجل افاق يسحر وينجم ويضرب الودع ويقرأ الكف ويزعم انه يعرف الغيب، وهذا جعل له مالا ومكانة".

تطالعنا الرواية بإبراهيم كتخده السناري وهو في بيته الفخم وحوله خدمه وتفاصيل حياته المترفة التي لا تنفك أن تنتهى بقدوم الحملة الفرنسية على مصر1798 التي رحلت خائبة في عام 1801 وهو الزمن الفعلي للنص. ومكان النص هو المحروسة "الفرنسيس على باب القاهرة والناس يتجمعون في كل الساحات، بركة الفيل – قراميدان – الازبكية – الرميلة وبيت القاضى.

لقد استطاع النص وهو مما يمكن أن يطلق عليه من نوع الروايات الحوارية القائمة جميعها على الحوار، لكنه الحوار المعلوماتي الفاعل الذي يقدم عبر ثناياه معلومات تغني القارئ بقدر ما عن سرد الراوي، وان كان لسرد الراوي الكثير من الفنون الحكائية التي يتمثلها دالة على تفاصيل النص.

إبراهيم كتخده السناري ليس بطل النص بل هو محور النص الذي يبدأ منه وينتهي إليه الزمن القار بين البداية والنهاية الذي يصنع النص. كما أن الشخصيات القليلة التي تكاثف بها النص هي التي تدور في فلك السناري باستثناء شخصية زينة بطلة النص وأكثره فاعليه وحراكا للشخصيات والأحداث.

زينة جارية وخليلة ومزاج إبراهيم كتخده التي تشعر من خلال علاقتهما على مدار النص انهما شقان لشيء مكتمل لا يصح وجود شق دون الآخر، ولعلهما كذلك (زينة الجارية الجميلة وإبراهيم السناري) نظرا لما لهما من وشائج جامعة بينهما اهمها النشاءة الوضيعة – الفقر – اليُتم – الحاجة الى الاحتواء وان كانت زينة لديها الحاجة الى إبراهيم السناري اكثر لافتقادها لأبيها الذي قتله المماليك وزجوا بجثته في المياه.

المنظور السردي الأساسي في رواية "بيت السناري" يرتبط بالعلاقة بين السرد والحكاية أو بين الحكاية والطريقة التي تحكى بها. فالحكاية في الأساس وصف للاستعمار الذي حاق بمصر من الباب العالي بالاستانة وحسب مصالح الأتراك، ومن داخل هذا الاستعمار استعمار آخر خاص بالمماليك في مصر الذين ينهبون ثروات البلاد بحجة حماية المصريين الذين ولدوا رعايا وعاشوا رعايا عاجزين عن حماية أنفسهم لذلك يحصلون من المصريين على فِردة واجبة السداد، ثم الاستعمار الفرنسى الذي اتى الى مصر بحجة تقديم التقدم العلمي وصادر بيت السناري لجعله مَجمعا علميا لدراسة حال البلاد، لكنه قناع للاحتلال الذي ظل ثلاث سنوات لولا سوء تدابير الفرنسيين وقتالهم مع المماليك وإشعال الدولة العثمانية التناحر بينهما حتى تكسب هي بقاءها في نهب ثروات المحروسة.

الناقدة والمؤلف

ولقد كان للمماليك من الخضوع ما يعزز ذلك وهو ما قرره إبراهيم السناري لحسن باشا القيطان الذي اغتال أعدادا من أمراء المماليك في مذبحة صغيرة بأمر من الباب العالي: "نتمنى أن يكون حضرة السلطان على دراية بأن ولاءنا للباب العالي ليس له حدود، واننا على استعداد تام لوضع رجالنا ومالنا وما نعرفه عن كل كبيرة وصغيرة ببر مصر في خدمة الدولة العليا.

اذا كانت بنية الصراع هي القائمة الاساسية لهذا النص متمثلة في الصراع الأكبر لجماعة من المستعمرين (الترك/المماليك/الفرنسيس) حسب لغة النص فإن هناك صراعا آخر هو الصراع على الانثى زينة بطلة النص وخليلة وحبيبة إبراهيم السناري المخلصة التي تستخدم رجلين عشقاها في سبيل تأمين السناري بعد هروبه من الفرنسيين، بعد ان صادروا بيته (بيت السناري) وكذلك لصراعه مع المماليك وكذلك مع الأتراك الذين يرغبون في إبادته هو وبقايا أمراء المماليك. فتستخدم زينة الشاب المصري حسن جعيدي الذي يكره السناري لحبه لزينة ويكره المماليك لنهبهم ثروات مصر بحجة حماية المصريين, كذلك استخدام زينة للضابط الفرنسي دوبرييه الذي أحبها واعتبر أن وجودها عوضا عن حبيبته ايلين التي افتقدها في فرنسا، لذلك ردد كثيرا: "إذا كانت الحبيبة ايلين قد ضاعت مِني في فرنسا، فإن ايلين الحبيبة المصرية لن تضيع مني".

بقدر كبير استخدم النص تيمة المونولوج وهي مأخوذة من تقنيات المسرح، وهو ما يعني إيراد أفكار الشخصية إيرادا حرفيا مثلما تم تلفيظها في ذهن الشخصية (مونولوج داخلي) وهو ما لا تستطيع الشخصية التعبير عنه سوى بداخلها فحسب ومنه ما يدور داخل حسن جعيدي من مشاعر متذبذبة تجاه المماليك، وان كان يميل إلى الكره، ومن ثم حواره مع المملوك الذي يرى ان المصريين رعايا حقراء وان المماليك يصدون عنهم اعتداء الفرنسيين. كذلك دوبرييه الضابط الفرنسي وتخليه عن صفته العسكرية وعدم رجوعه مع الحملة الفرنسية وبقائه في مصر وانضمامه لصفوف الجنود الاتراك كي يبقى بجانب الحبيبة زينة (ايلين المصرية).

يمكن بدقة تطبيق منوال الفواعل أو الدوائر الفاعلة في النص والتي تحدد المفاصل الأساسية المرتكز عليها وأهمها دوائر عمل الشخصيات. الدائرة الأولى دائرة المعتدي (المماليك/الترك/ الفرنسيون/الانجليز) وكل يعمل على احتلال المحروسة حسب هواه ومصالحه.

الدائرة الثانية دائرة الواهب التي يجسدها إبراهيم كتخده لأمراء المماليك، وللدولة العثمانية وصدقات للمصريين في يوم الصدقات الذي يحدده لهم أسبوعيا، وكله من مال المصريين مما لا يملك.

الدائرة الثالثة دائرة الأمير أو الشخص مناط السرد وتجسدها زينة خليلة إبراهيم السناري وسط عشاقها إبراهيم كتخدة السناري وحسن جعيدي الشاب المصري ودوبرييه الضابط الفرنسي.

الدائرة الرابعة دائرة المساعد متجسدة في الشعب المصري الذي يساعد مُستعمِر وعدو أصغر هو المماليك ضد المستعمر الأكبر وهو الفرنسيين والانجليز حسب مصالحهم، وهو ما يمثل أكبر إدانة للمصريين الذين لم يكن منهم جيش من أبناء الشعب يزود عن الوطن أذى كل هؤلاء المستعمرين، هناك أدانة أخرى في النص لرجل الدين الشيخ خضيري شيخ الجامع أينما حلت مصلحته ارتكن، كان جاسوسا للأتراك على المماليك لمصلحته، وكان يهادن ويساعد إبراهيم كتخده لما ينال منه من عطايا.

انتهى نص "بيت السناري" بقتل إبراهيم كتخدة السناري هو وعدد من المماليك على يد حسن القطاني باشا في الاسكندرية لكن السناري ترك رسالة لحبيبته زينة كتبها الروائي عمار علي حسن بلغه شديدة الوجع والتأثير يكشف فيها اعترافه بحقيقته كزرع شيطاني ونبت ضعيف ارتمى في أحضان غيلان المماليك فما كان منه الا أن يعيش بالتحايل والسحر والشعوذة بينهم.

وفي اعترافه الأخير (آن للجريح أن يستريح) أكبر دلالة على إدراكه لما يفعل وتظاهره بالقوة كي يعيش وسط غابة المماليك، فتهيم زينة على وجهها ويودعها نظرة آسفة لعشيقيها حسن جعيدي المواطن المصري الخانج الذي لا يمتلك شيئا لصد كم المستعمرين لبلده، ودوبرييه العاشق الفرنسي الذي لم يبق له سوى تعلقه بها بعد ان افتضح أمره ولاقى الكثير من الاحتقار من الجنود الفرنسيين.