بيت الجواهري الأول والأخير بالعراق

بقلم: رواء الجصاني
الحمد للتاريخ حين تحولت ** تلك المرافه فاستحلن متاعبا

بعد كتابات ومطالبات وحملات إعلامية داخل البلاد وخارجها، أعلن أمين العاصمة العراقية صابر العيساوي، قبل فترة وجيزة قراراً باستملاك بيت الجواهري في بغداد، القائم – حتى الآن على الأقل - في منطقة القادسية / حي الصحفيين، لمنع دثره، باعتباره ارثاً ثقافياً ووطنياً، وبهدف تحويله إلى متحف يضم ما تبقى من مقتنيات وآثار لشاعر الأمتين، تناهبتها الأحداث، والمغتربات، وآخرها في العاصمتين التشيكية والسورية: براغ ودمشق.

وبعيداً عما نشر أخيرا بهذا السياق، في وسائل الاعلام العراقية، والعربية، من مقالات وتصريحات واستكتابات متنوعة ومتباينة، لنا عنها، وحولها، كثير من التساؤلات والتوضيحات المؤجلة لحين قريب كما نتمنى. بعيداً عن ذلك نقول: إن بيت الجواهري الوحيد، وهو الأول والأخير له في العراق، مبنى اعتيادي مع فضاءات خضراء، على مساحة اجمالية تبلغ 540 متراً مربعاً، وهي واحدة من قطع الأراضي التي وزعتها الدولة، ذات زمان، على الصحفيين. وأنجز تشييد البيت أواخر العام 1971 بشكل متواضع، وغُطيت نفقاته بين تمويل ذاتي، وقروض، وديون شخصية. وقد سكنه الجواهري وهو رئيس اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين آنذاك، منتقلاً إليه من الدار التي استأجرها له نجله "فلاح" أواخر العام 1968 في حيّ الداوودي، عند عودة شاعر البلاد العراقية إليها، بعد "سبع عجاف" قضاها اضطراراً في اغترابه الأول إلى براغ بدءاً من عام 1961 حين "لم تكفل له الأوطان دارا".

وبيت "ابن الفراتين" الذي أحدثكم عنه ليس سوى بيت تقليدي كما أشرت، يضم ثلاث غرف نوم، وغرفة استقبال وأخرى للجلوس، مع المرافق الضرورية. وقد شهد طوال عقد السبعينيات الماضية أحداثاً ووقائع وتفاصيل متشابكة لمديات بعيدة في الشؤون والشجون الوطنية والثقافية والشعرية وما إليها، وما بينها.

وذلكم البيت، الأول والأخير، والوحيد، على ما ندري ونؤكد بيقين، تملّكه الجواهري، ملكاً صرفاً بعد ترحال وإقامة واغتراب، وتغرب، وهو لا يحمل معه غير "منقار وأجنحة" على مدى نصف قرن. وفي ليالي ذلك البيت، ونهاراته، أينعت العبقرية الشعرية قصائد ومطولات عديدة، فيها ومنها الإنساني، والوطني والاجتماعي والعائلي، ولا فكاك بينها من التداخل والتلازم مع الهموم والانشغالات الفكرية والسياسية والاجتماعية وما إليها.

وعلى مدى السنوات العشر – تقريباً - التي عاشها الرمز العراقي في بيته الذي نعني، عصفت بالبلاد وأهلها محن هنا، ومآسٍ هناك، تحت سلطة الحزب الواحد فالعشيرة، فالعائلة فالفرد. وقد كان الجواهري يعيش تلك الأجواء الأليمة، بكل صبر، وان تغلفت أحياناً ببراقع تفاؤل بها البعض، غير القليل، بآمال وتمنيات ولحد المبالغة في أحايين عديدة. وبهذه الحال كان ذلك البيت ذاته – لا غير – مزار أطياف ونخب سياسية متباينة الرؤى والمسؤوليات وحتى الوفاء أحياناً، فبعضها صادق أمين، وآخر متزلف متدثر بألف زيٍ وزيّ. ولكنها كانت جميعاً، في حضرة الجواهري – على ما نشهد علناً - دعاة تآلف ومحبة، وان راحت أحياناً في الأقوال وحسب.

كما كان البيت الذي نعني، ملتقى للنخب الفكرية والثقافية والشعرية، من كل النحل والرتب، تؤم مقام الجواهري: مودة وتلمذة وتباهياً، دعوا عنكمو الآخرين الذين كانوا يريدون صكوك الغفران. وكم يطول التعداد، ويعرض، ويعلو، لمن زار، وأحبَّ، وتبارك بزيارة أو لقاء أو حديث مع الشاعر الرمز.

وإضافة لكل ما تقدم، شهد ذلك "البيت" التاريخي منح الجواهري جائزة اللوتس عام 1975، وولادة أول جمع وتدوين لتراث الجواهري الشعري في مجموعة هي الأهم – على ما نزعم – حتى الآن، ونعني بها الأجزاء السبعة (1973-1980) التي أشرف عليها: مهدي المخزومي، وعلي جواد الطاهر، وابراهيم السامرائي، ورشيد بكداش، مع حفظ الألقاب.

كما راحت تترى من البيت ذاته مختارات الجواهري لعيون الشعر العربي، أواسط السبعينيات لتنشرها صحيفة الجمهورية البغدادية بمتابعة محمد حسين الأعرجي. ذلكم إلى جانب ما شهده البيت من المقابلات والحوارات التاريخية مع الجواهري ومن أهمها على ما نزعم الحواران اللذان أنجزهما محمد الجزائري عام 1975 وحسن العلوي عام 1979.

ومن ذلك البيت الذي نوثق له، وعنه، كانت انطلاقات الجواهري لعواصم عربية وعالمية عديدة: رئيساً لوفود أدباء العراق في مؤتمرات ومشاركات رسمية، أو ضيفاً أول على فعاليات ومهرجانات عديدة: شعرية وثقافية وغيرها، ومنها إلى دمشق وتونس وصوفيا وموسكو والدوحة والكويت وأبوظبي وعديد سواها. ذلك إلى جانب "فراره" من البلاد لفترات متفاوتة، وذلك إلى القاهرة والرباط واثينا، دعوا عنكمو براغ التي بقيت "جنة الخلد" عنده، مخاصماً وغاضباً ومغاضباً، مسؤولين وحساد وحاقدين، بل وحتى محبين "علهّم كانوا حيارى في مفترق الطرق".

وفي ذلك البيت الذي نعني، أينعت روائع جواهرية، ومقطوعات وجدانية ووطنية واجتماعية عديدة، نحصر منها: *مطولة "حبيبتي" عن زوجته آمنة. *مناجاة "يا فرحة العمر" عن شقيقته نبيهة. *مقطوعة "ابا مهند" إلى نديمه مهدي المخزومي. *بائية "إلى وفود المشرقين" في تجمع عالمي ببغداد. *دالية "أزح عن صدرك الزبدا" المجللة في احتفاء أقيم له في النجف. *"فتى الفتيان" عن صديقه "المتنبي" في مهرجان مهيب ببغداد. *"أم الربيعين" خلال احتفال تكريمي خاص به في جامعة الموصل.

كما وفي ذلك "البيت" أايضاً لا غيره، "نُظمت" قصائد مجاملة، كان بعضها استجابة لمناشدات – كنا شهود عيان على بعضها – وذلك من زعماء سياسيين، لكي يلقي شاعر البلاد، ورمزها العظيم، بثقله، ويحاول تأخير انقضاض سلطات البعث - ولو لبعض الوقت - على الأحزاب والقوى الوطنية "المتحالفة" معها أو "المعارضة" لها.

ومعلوم طبعاً ما جرى خلال عقد السبعينيات الماضية من عسف وقمع وإرهاب شمل آلالاف، ومن بينهم نجل الجواهري "كفاح" اعتقالاً وتعذيباً، وابنته الوسطى "خيال" احتجازاً وتخويفاً. ثم، ومن ذلك البيت الذي نؤرخ له، لجأ الجواهري إلى الاغتراب مجدداً، غضباً، وموقفاً من سياسات وتوجهات السلطات الحاكمة، فغادر إلى براغ أولاً مطلع العام 1980 ومنها إلى دمشق عام 1983 وحتى رحيله فيها عام 1997.

أخيرا دعونا نوثق مما توفر لنا سريعا بهذا السياق، فننقل عن "أميرة" ابنة الجواهري الكبرى في حديث خاص معنا (مايو/آيار 2000): أن والدها لم يفكر يوماً بتملك بيت، طيلة أربعين عاماً تقريباً وحتى عام 1971. وكان التنقل في بيوت الإيجار (في الحيدرخانه، الجعيفر، الاعظمية، الكرادة... وغيرها من مناطق بغداد) سمة مميزة تنسجم ومزاجه المتمرد والكاره للرتابة. وقد توفرت له فرص للتملك إلا انه "ضيعها" غير آسف عليها..."

وفي الموضوع ذاته يقول حسن العلوي في كتابه "الجواهري رؤية غير سياسية" الصادر عام 1995: "في العام 1979 اصطحبت معي إلى بيت الجواهري بعثة صحفية لقضاء يوم كامل على غير موعد معه فسجلت عدسة المصور الفنان الراحل محمد علي حسن زوايا لم تكن مخفية على عيون زائريه. ودخل حتى غرفتي النوم والمطبخ ... ولم يجد مكتبة، لكنه وجد رفوفاً. ولم يجد مطبخاً ولكنه وجد قدرين من الألمنيوم القديم. كما ولم تكن للجواهري غرفة نوم مستقلة، وكان يضع ملابس الشتاء في حقيبة تحت سريره، ويعلق على الحائط ملابس الصيف. ويفعل العكس في الشتاء".

كما ونشير بهذا الصدد لما نشره فوزي كريم (الشرق الأوسط اللندنية 4/11/1991) في موضوع مسهب عن الجواهري في السبعينيات، نقتطع منه: "كان بيت الجواهري متواضعاً، كنا نقتحمه أحياناً آخر الليل، أنا وسعدي يوسف مدفوعين بأكثر من هاجس شيطاني، قراءة لبيت مثلاً:

الحمد للتاريخ حين تحولت ** تلك المرافه فاستحلن متاعبا

أو عبارة واحدة "با نبتة البلوى" يخاطب بها جياع الشعب. أو كلمة "تقحم" أو "خسئوا". وكان الجواهري يستقبلنا دون ترحاب معظم الأحيان قائلاً: "الساعة الواحدة يا جماعة. ويتأمل ساعته ونحن نبصبص تحت الطاولة. لا تخلو طاولة الشاعر في الليل. كنا نعرف ولكن من يجرؤ في ساعة كهذه أن يسأل. ونسترضي أبا فرات، نقول: أنت تعرف محبتنا. ونغني له طربين من شعره.. فيستجيب".