بياع الورد.. الجاسوس بيننا

ابوظبي

بياع الورد

نتصور من الأحداث الأولى للفيلم الفلسطيني القصير "بياع الورد" للمخرج إيهاب عبد الله الذي يتنافس على جائزة الأفلام القصيرة في مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي في دورته الخامسة، أنه يعالج القضية المعروفة والتي تناولتها العديد من الكتابات، وهي قضية تجنيد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية للفلسطينيين للإرشاد عن قيادات وأفراد المقاومة وما يحيكونه من مخططات تستهدف الإسرائيليين، لكن ما أن نخطو بقرب النهاية نكتشف أن الأمر بين الفلسطينيين أنفسهم، المجند والذي قام بتجنيده.

وحتى هذا الطرح ربما يكون واردا أو حادثا بالفعل، لكن بشكل وبتسمية مغايرة وهي تصفية الفلسطينيين لبعضهم البعض، حيث يتم استهداف الفصائل المقاومة، من الطبيعي جدا أن تكون الإغراءات المالية على رأس قائمة وسائل التجنيد، وأن تكون شخصية المجند بعيدة إلى حد ما عن الشبهات، وهذا ما حدث مع بائع الورد "أبو الورد".

هذا الشاب الفقير الذي يتجول بعربة يدفعها بيديه ـ أشبه بعلب القاذورات ـ ليبيع الورد لأصحاب السيارات على الطرق السريع، يسكن في غرفة قذرة ويلبس ملابس مهلهلة، ويحفظ ما يحصل عليه من مال بسيط في صندوق يضعه أسفل "بلاطة"، مهمته أن يتجسس على أفراد المقاومة ويؤشر عليهم، كل ما عليه أن يضع وردة على المكان أو الموضع الذي يتواجد فيه الشخص لكي يتم استهدافه وتدميره.

الفيلم يبدأ به واقفا على أحد الطرق السريعة مناديا "ورد ورد يا باشا"، يجري لملاحق السيارات، إلى أن تصل سيارة عادل، وفي لمح البصر تمر بجوارها سيارة أخرى وتغتاله، فيما بعد نعرف أن "أبو الورد" ـ كما يطلقون عليه ـ كان قد وضع وردة على السيارة، وأنه بمجرد تنفيذ عملية الاغتيال، اقترب من القتيل وتأكد من موته ثم أخذ من دمه ولطخ ثيابه.

يودع القتيل في قبره وسط تلاوات قرآنية وارتفاع التكبير والتهليل والدعاء، ثم يمسك أحدهم بوردة ويعطيها لابنه الصغير ويقول له "هادي أبوك" فيلقي الصغير الوردة على الجثمان.

يتجسس"أبو الورد" على أفراد المقاومة الذين كانوا يجهزون لعملية انتحارية عبر الحزام الناسف، يلمحه أحدهم بعد أن يضع وردته، وتكشف طريقة القبض عليه أنه كان مراقبا منهم، كان عائد بأمر قتل أحد أفراد المقامة، فيفاجئه هذا الأخير عند عودته ويدعوه لتوصيله، وفي السيارة يتم كشف حين يدفع يده في حقيبة ورقية ويخرج المسدس، حيث يعالجه فرد المقاومة بمسدسه.

يخيره أفراد من المقاومة بين أن يقتل من يعمل لحسابه "إما أن تطخه كالموساد إما مثل الفلسطيينين"، "يا تموت شهيد يا تموت خائن"، وتكون المفاجأة حين يعرضون عليه صورا لأشخاص من الموساد ليحدد أيهم يعمل لحسابه، يشيح بوجهه عنها ويقول إن "الصيد أكبر من هيك بكثير .. الصيد فلسطيني".

لا يفعل ما أمرته به أفراد المقاومة فيتم تصفيته، وكذا من يعمل لحسابه ذبحا، ماذا كان ثمن الخيانة والقتل علب سجائر وفلوس يأمل أبو الورد في زيادتها، لأنها قليلة وما يقدمه يستحق أكثر كما يبلغ من يعمل لحسابه.

إحدى رسائل "بياع الورد" ذلك البعد الديني الاجتماعي، فعند دفن أبوالورد، يدفن بلا تهليل ولا تكبير ويأتي الدعاء خافتا، ويرفض إهداء وردة على جثمانه، فقد كان خائنا، كان جاسوسا، في إشارة واضحة تدين فعله ولا تحتمل العفو والغفران، الأمر الذي يحمل تنبيها أنه قد يكون بيننا من يخوننا ويتجسس علينا، وتحذيرا مباشرا لكل من يتآمر على المقاومة بالتصفية الجسدية والدفن دون تلاوة القرآن والدعاء له بالرحمة أو إهدائه وردة.

المعالجة كانت مباشرة ـ برأيي ـ ولم يضف الأداء التمثيلي جديدا حيث جاء تقليديا يتوافق مع تقليدية السيناريو والتصوير.