بوهنّاد تخضع المتنبي للتحليل النفسي

حلقته قبل الأخيرة

أبوظبي ـ عوّد الخماسي (المكون من خلف السلطاني ورعد بندر وكريم معتوق ود. ناديا بوهنّاد وعبدالرحمن الشمري) الجمهور على حضوره في برنامج المغاني، واستضافته من قبل عارف عمر الذي يتحاور مع أفراده، ويطرح عليهم أسئلته.

والبرنامج الذي يبث ليل كل أربعاء على قناتي شاعر المليون وأبوظبي ـ الإمارات تناول ليلة الأمس سيرة المتنبي الاجتماعية والشعرية والنفسية كذلك.

وقبل الخوض في جوهر الحلقة تحدث الحضور عن حلقة مسابقة "شاعر المليون" التي بُثت على الهواء مباشرة ليل الثلاثاء، وتألق فيها الفرسان الخمسة: راشد الرميثي، وأحمد المنصوري، وسيف السهلي، وعلي البوعينين التميمي، وعبدالله بن مرهب البقمي، وقد أبدى أهل المغاني إعجابهم بما قدمه الشعراء، وأسفوا على خروج بدر المحيني من صفوف المنافسة.

د. ناديا بوهنّاد من جهتها أشارت إلى تأثرها بخروج بدر صاحب الكاريزما المتميزة، والحضور والإبداع الجميلين، وكانت تتمنى لو أنه بقي مع المتنافسين، وأردفت بالقول: كان حضور شعراء الحلقة ما قبل الأخيرة جيداً، غير أن ملاحظتي الوحيدة كانت على حركات عيني راشد الرميثي، الذي بدا وكأنه يشعر بقلق بسيط.

وحول عدم قبول الشاعر ناصر العجمي حامل بيرق النسخة الرابعة من المسابقة تحدي فرسان هذه النسخة؛ رأى أهل المغاني أنه ما كان عليه التخلي عن المنافسة، وهذا ما أكده خلف السلطاني، بالإضافة إلى كريم معتوق الذي قال: أعتقد لو أن ناصر العجمي شارك في المنافسة ستكون الحلقة أجمل وأقوى، كما سيكون هناك زخم لآلية البرنامج، بغض النظر عن الكسب أو الخسارة، إذ لا يعيب الشاعر أن يفوز مرة ويخسر مرة أخرى.

المتنبي فارس الشعر

إلى التاريخ من خلال سيرة المتنبي ذهب أهل المغاني، ليلقوا الضوء على سيرته الاجتماعية والإبداعية والنفسية، وفي بداية الحلقة أشاروا إلى أن ما سيذكرونه مجرد استعادة معلومات حول المتنبي الذي اختلف الناس عليه بدءاً من اسمه ونسبه وصولاً إلى سيرة حياته وصداقاته وشعره.

فهو حسب العديد من المصادر أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبدالصمد الجعفي الكندي الكوفي، أما المتنبي فهو لقب أطلق عليه، ومنهم من قال إنه حين ادعى النبوة بداية شبابه أطلق عليه اللقب، غير أن رواية أبو العلاء المعري تتجه إلى أن اسم المتنبي كناية عن النَبْوَة وهي المكان المرتفع من الأرض.

ولد المتنبي سنة 303 - 354 هـ/ 915 - 965 في حي كندة بالكوفة، ولم يذكر المتنبي عن أسرته شيئاً إلا جدّته التي تولت رعايته، ومن الناس من قال إن أسرته كانت رقيقة الحال، ومنهم من قال إنه سليل آل البيت، وقد انتقل إلى الشام ونشأ فيها، كما تنقّل في البادية طالباً الأدب وعلم اللغة العربية.

عرف أبو الطيب في حياته الكثير من الشخصيات المهمة، ومن بينهم سيف الدولة أبو فراس الحمداني، كافور الإخشيدي، وعضد الدولة ابن بويه الديلمي، وضبة بن يزيد الأسدي العيني، وقد كان أبو الطيب المتنبي مداحاً وهجّاء، ومع أن أبيات الهجاء عنده لم تكن كثيرة إلا أنها أحدثت بينه وبين من هجاهم عداوات وشقاقات، فكثر كارهوه، ومن القصص التي نقلها عنه الكارهون أن سيف الدولة جافاه حين قال قصيدة رثاء في خولة شقيقة سيف الدولة، فذكر فيها حُسن مبسمها، فغادر إثر ذلك الجفاء إلى مصر حزيناً.

وحينما أراد المتنبي العودة إلى الكوفة كانت معه جماعة من بينها ابنه محسد وغلامه مفلح، وفي الطريق لقيه خال ضبّة فاتك بن أبي جهل الأسدي، فاقتتل الطرفان وقُتل المتنبي وابنه وغلامه في منطقة شرقي بغداد.

والمتنبي هو ابن العصر العباسي الثري بالمذاهب الفكرية والفلسفية، وقد ترك كل ذلك أثراً على شعره، وهو صاحب الشخصية المركبة، والذي وُصف بأوصاف متناقضة، مثل الكرم والبخل، القوة والضعف، الجبن والإقدام، وعلى الرغم من ذلك كان طموحاً جداً ومتعالياً إلى درجة أنه لا يقف في حضرة أي أحد ليلقي الشعر، وتذكر الروايات أنه تعرض إلى كثير من الأذى.

سيرة أبو الطيب المتنبي وشعره المهم والمتفوق وإبداعه الغزير دفع كريم معتوق للقول: المتنبي صاحب أعظم نفسية شاعر في التاريخ، وهو الذي لم يبكِ مطلقاً في شعره، والذي رغب كذلك بأن يكون والياً لأنه كان طموحاً جداً، ومما لا شك فيه أن البيئة الصحراوية أثرت في تكوينه، وخلال مسيرة حياته أحاطت به هالة، وأُلصقت به الخرافات والأساطير من فرط حب الناس واحترامهم له، وقد كان شعره كفيلاً بخلق تلك الهالة.

رعد بندر أشار إلى أن ضريح المتنبي موجود في العراق، وهو شاعر عربي النسب مهما ادعى البعض غير ذلك، سيما وأنه لم يمدح أحداً من العجم أو الفرس، ثم إنه حين مدح بعض الشخصيات ساوى بينه وبين الممدوح، ومن المعلومات عنه أنه كان يكره الشريف المرتضى نقيب الطالبيين، كما أنه الشاعر الوحيد الذي يُعطى الهبات كي يهجي، ولهذا كله كان عنده جيش من الحسّاد والمتشاعرين.

مضيفاً: ربما أن التحدي والطموح الملازمين للمتنبي حملا الشيخ الراحل زايد بن سلطان آل نهيان على حبه، وهو الذي شكل منعطفاً مهماً في الأدب العربي، وخرق كل الأسلوبية الشعرية التي كانت موجودة قبله، حيث تميزت لغته بالحداثة التي جعلته بصمة شعرية بحد ذاته، ورأى بندر أن سيرة المتنبي ستبقى حاضرة إلى ما لانهاية.

عبدالرحمن الشمري قسم حياة المتنبي إلى قسمين، اجتماعية وشعرية، فالمتنبي قيلت عنه أشياء كثيرة متناقضة، ومما قيل إنه من آل البيت، وأناه طاغية، وقد تكبر على الملوك وعاداهم وعادى الوزراء، ودرس في مدارس العلويين، وعُيّن نقيباً للطالبيين في نفس السنة التي مات فيها، كما قيل إنه من برج الجوزاء، وإنه اختبأ وراء جدار نسبه لأغراض سياسية، كما أحب أخت سيف الدولة، وتحدث عن الحالة الطائفية التي كانت سائدة في عصره، أما أدبه فشغل الدنيا، حيث بدأ قول الشعر منذ سن الـ 9، ثم سجن في مراهقته بسبب ادعائه النبوة، ومما يذكر عنه كذلك أنه كان كارهاً لِلَقبه، ثم إن أحداً لم يثر اللغة العربية بكل من الإبداع والفلسفة والحكمة مثلما فعل، ولهذا فهو جميل ورائع ومدهش.

من جهتها استعرضت د. ناديا بوهنّاد بعض الدراسات النفسية التي تناولت شعر المتنبي، مشيرة إلى أن ما ذكر عنه من تناقض يدل على أنه كان مصاباً باضطراب مزاجي، وباكتئاب مزاجي، غير أن رأيها جوبِه بالرفض من قبل كريم معتوق، فيما لم يوافق عليه بقية الحضور، مؤكدين أن المتنبي وإن كانت عنده سلبيات إلا أن ما كُتِب عن حالته النفسية من خلال قراءة قصائده لا يدل نهائياً على صحة ما ورد من معلومات.

ومثلما بدأ عارف عمر بأن المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس، كذلك ختم بذات العبارة بعد النقاش الحاد الذي دار بين أهل المغاني.