بول بريمر الثالث يروي حكايات ما قبل النوم!

بقلم: بثينة الناصري

لم اعرف الكارثة الحقيقية والمحنة المريرة التي يعيشها العراقيون تحت الاحتلال حتى وقعت على موقع "سلطة الائتلاف المؤقتة" في الانترنت. وهو قبل كل شيء موقع يدلك على نموذج للاعلام "الحر" الذي يريدونه بديلا عن اعلامنا "الحر" السابق والذي قال عنه السيد رئيس ذلك الشهر احمد الجلبي "نريد اعلاما حضاريا لا يروج للحاكم" والموقع المذكور لا يفعل غير ذلك.
اقصد الترويج للحاكم.. فأنت لا ترى فيه سوى السيرة الذاتية للسيد بول بريمر وخطبه ومؤتمراته الصحفية واقواله المأثورة والذهبية وقراراته.. وقد اتخذ الموقع شعارا له – بشكل يناسب اهدافه تماما – مشاهد رجال يحفرون قبورا جماعية واطفالا خائفين. وفي صفحة "اكتب لنا" لم نجد طوال هذه المدة سوى رسالتين من اثنين من الامريكان من اصل عراقي يتغنيان بمآثر سلطة التحالف وروعة الاحتلال واحدهما ذهب العشق به الى حد كتابة قصيدة يمجد فيها بابا بوش.
ولكن نقد الموقع البائس ليس هو مرادنا في هذه السطور، وانما كانت المصيبة (التي تضحك وتبكي) هي خطب السيد بول بريمر حاكمنا الجديد. فلسبب لا أعرفه حكم على الشعب العراقي ان يستمع الى خطبه كل اسبوع. والخطب اقرب ما تكون الى حكاية ما قبل النوم، وربما لهذا السبب تذاع دائما في المساء ويبدأها السيد بريمر بالتحية "مساء الخير" وهذا افضل من خطبه الاولى التي كان يفتتحها بكلمتي "الله بالخير".
وبعد ذلك يبدأ الخطبة العصماء بلازمة عجيبة فهو يقول في كل مرة "انا باول بريمر الثالث رئيس سلطة التحالف المؤقتة".. وطبعا يكتب اسمه في الترجمة العربية الركيكة دائما (باول) بالالف لئلا يحول العراقيون الاوغاد اسمه الى نكت قبيحة!
واستطيع ان اتخيل ردود افعال اهلنا الطيبين الممتحنين به في العراق وهم يستمعون في استهلال كل خطبة "انا باول بريمر الثالث رئيس سلطة التحالف المؤقتة" فيقول الساخط منهم "لا.. هلا، ولا.. مرحبا" ويقول الساخر منهم "وانا عباس بن فرناس الاول.. تفضل" وقد يقول النافد صبره "عرفنا.. والله عرفنا.. قل وخلصنا".
ولكن قبل ان نتوغل في خطب السيد الرئيس بريمر، لابد ان نتوقف ونتساءل: لماذا يا ترى يصر على ان يعرف نفسه في كل مرة؟ ألم يكن يكفي ان يأتي بمذيع فخيم الصوت ليعلن قبل ساعة من ظهوره ثم بعد كل خمس دقائق "ايها المستمعون الكرام.. اننا في انتظار فخامة السيد الرئيس بول بريمر الذي سيلقي عليكم خطبته الاسبوعية بعد قليل" ويعقب هذا الاعلان في كل مرة النشيد الوطني الامريكي ثم عدة اغاني شعبية من اغاني رعاة البقر باعتبار ان اللجنة الاعلامية الجديدة التي شكلها مجلس الحكم من تسعة اعضاء (ايضا) مازالت منقسمة حتى الان فيما اذا كانت الاناشيد الحماسية الخاصة برئيسنا المحبوب بريمر ستتبع التقسيم المذهبي الشهير.. يعني هل يسمع الشعب بالتسلسل نشيدا وطنيا شيعيا ثم سنيا ثم كرديا ثم مسيحيا ثم هلم جرا.
وبعد ان فكرت وتأملت فيما ينبغي ان يكون عليه السبب في قيام السيد الرئيس بالاعلان عن نفسه في كل خطبة، خاصة ان هذا النهج غير موجود في ادبيات الخطاب الرسمي وغير الرسمي للحكام والرؤساء والمسؤولين الامريكان، توقعت الا يخرج السبب عن واحد مما يلي:

1- هناك فئتان في المجتمع الامريكي تعلن عن نفسها بهذه الطريقة: اولهما مقدمو البرامج والمذيعون فيقول احدهم "هذا فلان الفلاني يحييكم" في بداية او ختام البرنامج، فهل يظن بريمر انه انما يقدم برنامجا استعراضيا سرعان ما ينقضي؟ والفئة الاخرى هي مندوبو الاعلانات والباعة المتجولون الذين يروجون لسلعهم من باب الى باب. وهو يحمل الى بابك الان "الديمقراطية الامبريالية ذات الخلطة الفورية: اشتر واحدة وخذ اخرى مجانا" حسب رأي الروائية الهندية ارونداتي روي. ولا ننسى ان بريمر في الاصل يمتلك شركة لترويج الاستشارات واللوازم الامنية (ضد الارهاب) وهي شركة رائجة في مثل هذه الايام السوداء.
2- ان يكون الرجل حديث نعمة فهو لا يصدق انه "بول بريمر الثالث" قد اصبح- بفضل دعوات الوالدة – رئيس دولة كبيرة "وليس مجرد شركة او حتى ولاية" ولهذا يكرر الاعلان عن اسمه ليزداد اقتناعا هو نفسه
3- يريد ان يرسخ بالتكرار اسمه في اذان الصغار حتى يذهب عنهم الخوف الذي يثيره اسم صدام كما يدعي الامريكان فهم يعتقدون ان الشعب العراقي يرفض التعاون معهم خوفا من ظهور صدام مرة اخرى. ولهذا فالسيد بريمر يعالج خوف الناس كما يفعل الطبيب النفسي مع مريض طاش صوابه من الرعب "انا فلان.. ياحبيبي.. بابا صدام راح. لا تخف.. بابا بريمر الثالث الذي يلقي هذه الخطبة."
4- وربما – والله اعلم – ان الرجل يحسب حساب اليوم الذي يكون فيه من "فلول امريكا" حيث يسيح في ارض العراق الواسعة دون ان تستطيع اية مروحية امريكية من التقاطه، فإذا بعث برسائله خلسة الى قناتي الجزيرة والعربية معلنا عن اسمه، فإنه سيوفر على وكالة المخابرات المركزية جهود مضاهاة صوته ونبراته في كل مرة ليخرجوا ببلاغ يقول "يعتقد ان الصوت هو صوت بول بريمر الثالث الحقيقي". يعني ليس الشبيه الاول او الثاني.

نعود الى خطب السيد الرئيس.
من البديهي انه يفترض ان الجمهور الذي يتوجه اليه يتمتع بغباء وجهل وسذاجة لا حدود لها فهو يقول جملة ويفسرها بالامثلة ثم يحكي لنا احداث التاريخ القريب والذي مازلنا نعيشه بطريقة مقلوبة وكأن علينا ان نصدق نسخة القصة الموجودة لدى بريمر فقط وهي من هذه العينة:
"المشكلة ان صدام والبعثيين عندما كانوا يمسكونكم من رقابكم قد دمروا البنية الاساسية للحكومة. عندما اقترب الائتلاف من بغداد كان صدام قد ملأ شاحنتين كبيرتين بالاموال وفر هاربا. ونتيجة لذلك عندما وصل الائتلاف الى بغداد لم تكن هناك حكومة. كان هناك فقط الفراغ الذي تركه من ورائه عندما فر هاربا."
هل ترون اعزائي الصغار؟ ان بابا بريمر يشرح لكم قبل النوم وبجمل مترادفة ومبسطة وركيكة ماذا حدث حين اخذ صدام الشرير اموال الدولة ونهب واحرق الوزارات وحل الجيش وهرب تاركا البلاد بدون حكومة.
او وهو يشرح لهم في خطبة اخرى كم سيكلف العراقيين تفجير انبوب نفط:
"فهو يكلف العراقيين 7 ملايين دولار امريكي عن كل يوم اغلاق لهذا الانبوب. قد يكون من الصعب ادراك ما يمكن ان تعمله 7 ملايين دولار فدعوني اوضح لكم (لأن العراقيين شعب فقيرمدقع لا يعرف كيف يحسب ارقاما بستة اصفار):
- المال الذي فقد يومي الجمعة والسبت كان يكفي لاصلاح 400 مدرسة ابتدائية (دمرناها بالقصف)
- المال الذي فقد يومي الاحد والاثنين كان يكفي لاصلاح 130 محكمة (لمحاكمتكم)
- المال الذي فقد يومي الثلاثاء والاربعاء كان يكفي لاعادة اعمار مشروعين لمعالجة المياه لتوفير المال الصالح (الذي حظرنا اصلاحهما طوال فترة الحصار)."
او وهو يحاول ان يفهم المستمعين التنابلة الا يتوقعوا خدمات مجانية منه:
"لن تمنحكم سلطة الائتلاف خدمات هاتف او كهرباء او مياه مجانية.. وكما يحدث في بلادنا او في البلاد الاوربية المتقدمة، سوف تذهبون الى شركة الهاتف او الكهرباء او اية شركة خدمات عامة وتفتحون حسابا وتدفعون لما تحصلون عليه من خدمات." هذه هي الحكاية اذن؟ تصوروا.. كنت اعتقد ان سلك الكهرباء الواصل الى خيام قبيلتي وحوض الماء الذي يشرب منه بعيري والهاتف الذي اطلب منه ساندويتش "ماكدونالد" كل ذلك مجانا؟
ولكن بابا بريمر يذهب بعيدا وفي كل اتجاه من اجل ان يثقفنا بطريقة مبسطة ومفهومة لنا نحن الذين نمتلك عقولا سميكة، فهو مثلا يعرفنا التمييز بين الالغام الغبية التي زرعها نظام صدام والايرانيون ابان حربهم والتي بسببها "لم يعرف حوالي نصف شعب العراق متعة التجوال في الريف دون الشعور بالخوف" ويقارنها بالقنابل الذكية التي تستخدمها امريكا الطيبة الحنون "هذه الذخائر هي العكس تماما لما يسمى بالقنابل الذكية. انها لا تميز الجنسية والصديق والعدو والانتماء السياسي والجنس والعمر.." ياإلهي! هذا ما تفعله القنابل الذكية اذن؟
او ما قاله في آخر خطبه التي بعثها في 26 ايلول/سبتمبر من واشنطن، فهو يؤمن بأنه يجب الا يغيب عن آذان المستمعين المتشوقين اليه او انه كمقدم برامج لابد ان يملأ برنامجه الاسبوعي حتى يستحق اجره غير منقوص، ولئلا يستولي احد من المنافسين الاوغاد على البرنامج!
وفي هذه الخطبة ولأنه تحدث في الكونغرس (لاول مرة في حياته وارجو الا يكون ذهب هناك بحذائه المغاير للون البدلة دائما) فقد اراد ان يختال على الناس بما حدث وفي نفس الوقت ينتهز الفرصة لتعليم شعب العراق الجاهل معنى الديمقراطية الامريكية:
"أخبرتكم بأني كنت اتكلم مع الكونغرس بالإضافة الى الرئيس بوش. إن هذا جزء من نظام الحكومة الأمريكية. وكما في باقي الأنظمة الديمقراطية. فإن الرئيس لا يستطيع الوصول الى الخزينة العامة واخذ المال لأي شئ يريده. إن دستورنا لا يسمح لأي أحد أن ينفق الأموال العامة إلا بموافقة الكونغرس."
والى جانب تعليمنا ما لم نعلم، فإن الرئيس المحبوب بريمر يوبخنا احيانا وقد يصل الامر الى تخويفنا (بالجلوس بالغرفة المظلمة) ولكنه لا يقصد الاهانة – حاشا الله - وانما هو مثل كل أب لا يبغي سوى مصلحتنا، فهو مثلا يحدثنا عن تفجير مقر الامم المتحدة ببغداد وكأنه يريد ان يعاقبنا جميعا على ذلك ويستغل المناسبة لتبرير فشل سلطة الاحتلال في توفير المتطلبات الاساسية للشعب:
"ان الواجبات الانسانية للامم المتحدة قد تضررت وابطيء عملها فمما كانت الامم المتحدة تحاول انجازه هو استعادة التيار الكهربائي، ولهذا عندما تجلسون في الظلام في المرة القادمة.. تذكروا تفجير مقر الامم المتحدة!:
وهكذا يدرك العراقيون الان (كلما جلسوا في الظلام) ان واجب استعادة التيار الكهربائي هو من مهام الامم المتحدة وليس سلطة الاحتلال كما يدعي البعض!
وارجو الا يظن العراقيون ان في الخطبة التالية اهانة – لا سمح الله –
"ان المخربين والارهابيين ليسوا بالمجرمين العاديين لأنهم لا يقلون عنهم خطورة. انهم يدعون القيام بالاعمال الشجاعة.. ولكن يجب ان نقف ونتساءل: اين كانوا عندما كان صدام يضع قدمه فوق رقابكم؟"

وطبعا هو يقصد "لماذا ظهروا الان عندما صار من حق كل جندي امريكي ان يضع قدمه على رقبة أي عراقي يقع بين يديه؟"
واذا كنتم تعتقدون ان هذا هو كل ما على العراقيين ان يستمعوا اليه من الرئيس بريمر كل اسبوع، فإنكم مخطئون، لأني لم أت بعد على ذكر الزبدة في هذه الخطب العصماء. واقصد بها المساومة والترويج للسلعة ولكن ليس بحذاقة التاجر الشاطر وانما بفجاجة التاجر الفاشل الذي نفد صبره ولم يعد في امكانه الاستمرار في الخسارة، وهو يتبع في ذلك صيغة ثابتة وروتينا لا يتزحزح، فبعد رواية حكايات صدام الرهيب وتوبيخ العراقيين على فشله في استعادة الحياة الطبيعية، يدعوهم الى ان يتحولوا الى وشاة ومخبرين لحسابه (كما فعل صنيعته مجلس الحكم عندما دعا في تعليماته الاخيرة الصحفيين العرب والاجانب الى الوشاية بمصادر معلوماتهم عن اية عمليات مقاومة). فهو اولا يرسم صورة وردية لمستقبل العراق: الحرية، الديمقراطية، الانتخابات، الدستور، الحكومة المستقلة.. ثم يسألهم كما في خطبة يوم 22 آب/اغسطس:
"ما الذي تستطيعون عمله لتحقيق آمالكم المستقبلية ؟ بامكانكم تحديث المعلومات الاستخباراتية المتوفرة لدى التحالف ومجلس الحكم بابلاغكم عن أي نشاطات مشبوهة."
او كما في خطبته ليوم 5 ايلول/سبتمبر التي ابلغ العراقيين في اولها قولته الاستعمارية الشهيرة "لقد جاء الائتلاف الى العراق كمحررين.." وفيها قال ان الائتلاف يريد ان يكون لدى العراقيين حكومة تستطيع ان تحميهم من المجرمين والمخربين والارهابيين وان هناك شيء يستطيع (كل واحد) من العراقيين القيام به لتقريب اليوم الذي سيكون لديهم فيه حكومة مستقلة:
"ساعدوا مجلس الحكم والشرطة العراقية والائتلاف بالتعرف واعتقال المخربين والارهابيين الذين يحاولون اعاقة هذه العملية. اخبروا عنهم الشرطة العراقية او قوات الائتلاف وسيتم اعتقالهم او اذا قاوموا سيتم قتلهم."
هل استرعى انتباهك دعوة (كل واحد)؟. يعني يتحول الجميع الى مخبرين على بعضهم البعض. اين سمعت مثل هذا من قبل؟
ان مفهوم هذه الدعوات هو – باختصار - مقايضة ومساومة : اذا اردتم كهرباء.. ماء.. حكومة.. تحولوا الى مخبرين.
وهذا هو اختصاص بول بريمر، فقد كانت اول نصيحتين للادارة الامريكية يقدمها بريمر في دراسة اعدها عن مكافحة "الارهاب" في منطقتنا، ونشرت في وول ستريت جورنال في 5/ 8/1996 هي:
1- يقوم رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالية في خلال 60 يوما بمضاعفة عدد المخبرين ضد الارهاب وتقديم تقارير اسبوعية.
2- يقوم مدير وكالة المخابرات المركزية بمضاعفة ميزانية مكافحة الارهاب وعدد العاملين ومضاعفة الجهود لاختراق جماعات الارهاب خلال 120 يوما.
لقد وجد السيد بريمر مجالا رحبا الان في هذه البلاد المنكوبة به لتطبيق افكاره الاستخباراتية.
اما ذروة خطاباته فهو هذا الاعلان العجيب الذي يصفع به آذان المستمعين وقد انهى به خطابه ليوم 2/8/2003.
"اذا كنت تعرف مكان صدام يمكنك ان تبقى الى جواره وتواجه المصير الذي يواجهه بينما يحصل غيرك على 25 مليون دولار امريكي او يمكنك ان تحصل على الـ 25 مليون دولار وتدع صدام يقرر اذا ما كان يرغب بالاستسلام او القتال."
هل تلاحظون اساليب استثارة غرائز الخوف والطمع والتكالب؟ وقد كنا نعتقد ان من واجب السيد بريمر بصفته «الحاكم» الموقر ان ينأى عن حشر الاعلانات في خطبه الرسمية.. ولكن ماذا تفعل مع طبيعة التاجر مقدم البرامج الاستعراضية؟ أليس الاعلانات من اساليب ترويج مثل هذه البرامج؟
ولأني سريعة التأثر – رغم بداوتي – بالاساليب والمفاهيم الحديثة التي يتعب رئيسنا المحبوب بتعليمنا اياها، فإني اضع اعلانا متواضعا في نهاية حديثي هذا:
"اذا اردت الترويح عن النفس.. فعليك بزيارة القبور. اعذروني.. اقصد موقع القبور.. معذرة ثانية.. اقصد موقع سلطة التحالف المؤقتة على الانترنت.. واضحك مع.. تحليلات وسلاسة بول – معذرة لا ادري ماذا جرى لي اليوم ربما شربت كثيرا من المياه العكرة - اقصد باول بريمر الثالث".
كلا.. اعتقد اني لا اصلح ان اكون مقدمة برامج . هذه بثينة الناصري تحييكم.