بوش يشتري الوقت: تجميد الملف الفلسطيني والتركيز على التغيير في العراق

بقلم: ماجد كيالي

تؤكد المعطيات السياسية الراهنة بأن الإدارة الأميركية حزمت أمرها، أكثر من أي وقت مضى، بشأن الاستفراد بفرض ترتيبات إقليمية معينة في منطقة الشرق الأوسط، بداية من ملفي الصراع العربي ـ الإسرائيلي والوضع في العراق، وذلك من خلال تجميد الحالة في الملف الأول (على المدى القريب) وتحريكه بالنسبة للملف الثاني، متجاهلة في ذلك مواقف أو مصالح حلفائها العرب والأوروبيين.
على كل فإن هذا النهج ليست جديدا على إدارة الرئيس بوش فهي، منذ مجيئها إلى البيت الأبيض، عبرت مرارا عن تجاهلها وعن ضجرها من الملف الفلسطيني، في حين أنها ركّزت كثيرا على الملف العراقي.
ويمكن تفسير انتهاج إدارة الرئيس بوش لهذه السياسة بعدة عوامل منها: 1) تأثّرها سلبا بتجربة الرئيس السابق بيل كلينتون الذي لم ينجح في عقد تسوية نهائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، رغم اهتمامه الدؤوب وجهوده الكبيرة التي بذلها في هذا المجال، وهذا الوضع شجع إدارة بوش على إدارة ظهرها للملف الفلسطيني، لتجنب التورط في هذا الملف الشائك والمعقد وعدم تكرار التجربة الفاشلة للرئيس السابق؛ 2) شك الرئيس بوش بصدقية الرئيس عرفات وبالتزامه بالتعهدات التي يقطعها على نفسه مع الإسرائيليين والأمريكيين. ومعروف أن الإدارة الأميركية تتبنى رواية باراك، بشأن مسؤوليته المباشرة عن انهيار مفاوضات كامب ديفيد2 واندلاع الانتفاضة ودعم شبكات المقاومة؛ 3) خلفية الرئيس الأميركي، اليمينية البروتستانتية، التي تجعل دعم إسرائيل محورا من محاور عقيدته الشخصية وهذه الخلفية باتت تشمل قطاعا شعبيا واسعا في أمريكا، بخاصة بعد ما حصل في أيلول/سبتمبر 2001، ما يعني بأن الخلاف مع إسرائيل قد ينعكس سلبا على شعبية بوش، الذي لا يخفي طموحه بتولي فترة رئاسية ثانية، ما يجعله يحجم عن التورط بفتح ملفات شائكة تهدد فرص نجاحه وتدخله في مواجهات هو في غنى عنها، مع اللوبي الصهيوني والكونغرس الأميركي، خصوصا وأن الشخص المقابل له، في الملعب الإسرائيلي، أي شارون، ليس لديه أي خطة مناسبة للتسوية مع الفلسطينيين؛ 4) حنق الإدارة الأميركية على عرفات الذي لم يستجب في الوقت المناسب للطلبات الأميركية، بشان تهدئة الوضع في الأراضي المحتلة، لتسهيل التحرك الأميركي ضد بغداد، برغم كل عروض الترهيب والترغيب، التي وجّهت له، خصوصا خلال آذار/مارس الماضي إبان زيارة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ووزير خارجيته كولن باول للمنطقة. ومعلوم أن الإدارة الأميركية كانت تواجه مشكلة كبيرة، في هذا المجال، فكيف لها أن تبرر قيامها بحملة عسكرية ضد العراق في وقت تمارس فيه إسرائيل التدمير الوحشي ضد الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟
والملاحظ أن المرة الوحيدة التي تحركت بها، إدارة بوش، إلى الأمام في الملف الفلسطيني جاءت، بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001، أي على خلفية محاولتها حشد الجهود الدولية والعربية في معركتها ضد الإرهاب وضد نظام طالبان؛ ففي هذه المرحلة صدر "وعد بوش"، بشأن منح الفلسطينيين دولة فلسطينية، ولو مبهمة الحدود والسيادة، وفي هذه المرحلة كثفت الإدارة الأميركية مشاوراتها مع العرب خصوصا مع قادة السعودية ومصر والأردن والمغرب، لإيجاد مخرج من الأزمة المشتعلة في الأراضي المحتلة، وفي هذه المناخات ظهرت تشجيعات أميركية معينة أدت إلى بلورة مبادرة الأمير عبد الله التي تم التوافق عليها، فيما بعد، بالإجماع في قمة بيروت العربية، أواخر شهر آذار/مارس الماضي.
والمشكلة هنا أن لحظة التحرك الإيجابي الأميركي، هذه، لم تستمر ولم تثبت حتى صدقيتها، إذ أنه بعد أن حققت الولايات المتحدة ما أرادت في أفغانستان ازدادت عنجهية وشراسة واستفرادا في تقرير الأمور كما ازدادت انكشافا في انحيازها لإسرائيل وفي دعمها لخياراتها السياسية والأمنية، وهو ما تجلى في خطاب الرئيس بوش حول الشرق الأوسط، الذي ألقاه أواخر الشهر الماضي، والذي تجاهل فيه العرب تماما.
ففي خطابه كشف بوش عن عمق التوافق بينه وبين شارون، إذ لم يكتف بإدارة الظهر للوضع الفلسطيني وللرئيس عرفات، كما لم يقتصر بمواقفه على تغطية السياسات المتعنتة والممارسات الوحشية التي تنتهجها إسرائيل ضد الفلسطينيين، وإنما ذهب ابعد من ذلك بكثير، إلى حد أنه انقلب على المواقف التقليدية للإدارات الأميركية، ذاتها، إن بشأن اعتبار الاحتلال والاستيطان مصدرا للتوتر بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أو بشأن الالتزام بعملية التسوية، ومن ضمن ذلك الحفاظ على مكانة السلطة الفلسطينية وعدم اقتحام المناطق الخاضعة لها. وفي خطابه بدا بوش شارونيا أكثر من شارون نفسه، فهو لم يكتف بالمعزوفة الشارونية المتعلقة بسبعة أيام تهدئة، وإنما وصل بشروطه إلى حد نزع شرعية الرئيس عرفات والمطالبة بتغيير القيادة الفلسطينية، بدعوى وقف الإرهاب وتحقيق الإصلاح، كشرط لاستئناف المفاوضات!
والأمر الخطير، أيضا، أن الرئيس الأميركي، في خطابه، قوّض الوعد بالدولة الفلسطينية، بتفريغه إياه من مضمونه، من خلال ضم الملف الفلسطيني إلى ملف الحرب ضد "الإرهاب"، أولا؛ وتبنيه لخطة شارون، بشأن عزل عرفات وإجراء تغييرات في جسم السلطة الفلسطينية كشرط للمفاوضات ولقيام الدولة الفلسطينية، ثانيا؛ ومراجعته لحق تقرير المصير الذي لم يعد حقا مبدئيا(بمنطق بوش) وإنما بات يخضع لاشتراطات ويفترض "أهلية" معينة في محاولة أميركية واضحة لفرض نظام وصاية دولية على الفلسطينيين، بدعوى إعادة تأهيلهم، ثالثا.
ومن الواضح أن الإدارة الأميركية، بشروطها التعجيزية تقدم وصفة تتيح لها سحب يدها من الملف الفلسطيني تاركة إياه للإسرائيليين للتعامل معه بطريقتهم، في المدى المنظور، خصوصا وأنها تدرك بأن عملية الإصلاح والتغيير، في الساحة الفلسطينية، صعبة ومعقدة، لا تتحقق بكبسة زرّ ولا بمدى زمني محدد ولا بمجرد قرار من أي كان، لا سيما في ظروف الفلسطينيين الذين يخضعون للاحتلال وبطشه.
ويؤكد مارتن أنديك هذه الحقيقة بقوله:" هناك فجوة عميقة بين إعلان الرئيس حول الانتداب في فلسطين وبين خطة العمل التي تحقق هذا الانتداب..أفضل طريق لجسر على الهوة هو تحميل الفلسطينيين هذا العبء الثقيل والاحتفاظ بمسافة بعيدا عنهم..عدم وجود خطوة فلسطينية ذريعة مريحة للتخلي عن هذه المبادرة باتجاه الاستعداد لتغيير نظام حاكم في جزء آخر من العالم العربي ألا وهو العراق". (معاريف 8/7)
أخيرا ما كان للرئيس الأميركي أن يتجاهل المبادرات العربية السلمية وأن يدير ظهره للملف الفلسطيني، تاركا إياه بين أيدي شارون، وما كان له، أيضا، أن يشعر بأنه بات متحررا في سعيه لشن حملة عسكرية ضد العراق، لولا رؤيته لحال العجز والتشتت وشلل الإرادة التي تسود العالم العربي، فالتجاذبات الرسمية على حالها والجماهير العربية التي خرجت إلى الشوارع عادت إلى بيوتها، من دون أي جدوى، ورسائل الابتزاز والتهديد الأميركية فعلت فعلها لدى أكثر من عاصمة عربية.
وللأسف فإن هذه الحال من العجز والتشتت وفقدان الإرادة الفاعلة، هي التي تشجع الإدارة الأميركية على الاعتقاد بأنها يمكن أن تتحمل خلافا مع كل الدول العربية، التي يزيد سكانها عن 280 مليون نسمة يقطنون في مساحة استراتيجية تبلغ 14 مليون كم2 وتمتلك ثلثي احتياطي العالم من النفط والغاز، في حين أنها لا تستطيع تحمّل خلاف مع دولة صغيرة مثل إسرائيل، حتى لو كانت هذه الدولة تتعيش وتتقوى من الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري والتكنولوجي الذي تغدقه عليها أمريكا ذاتها! ما يعني بأن مشكلة العالم العربي، لا تتعلق بإمكانياته، بقدر ما تتعلق بقوة الإرادة وبوجود سياسات فاعلة لديه.