بوش وسياسة الأبواب المغلقة

بقلم: د. فيصل الفهد

تتعاظم الأحداث في العالم ويتداخل بعضها مع الآخر إلى درجة قد يصعب على كثيرين فهمها بل وكيفية التعاطي مع إفرازاتها، فالعالم اليوم وبسبب سياسة الولايا ت المتحدة الخرقاء أشبه بكرة ثلج كلها تدحرجت نحو الأسفل كلما كبر حجمها وزادت سرعتها الأمر الذي سيرتب عليها نتائج كارثية ومنها ما بدأ يبرز للعيان وغيرها قادم لا محالة.
إنّ الحركات المكوكية للمسؤولين الأميركيّين وعلى مختلف مستوياتهم في أرجاء العالم تدلل في جانب مهم منها على حجم المأزق الذي تعيشه إدارة بوش، فهذه الإدارة ومنذ 2001 أصابها الهوس واصبحت تمارس سياسات هي الأعنف في كلّ تاريخ الولايات المتحدة وكأن السيّد بوش وجوقة المحافظين الجدد الذين التفوا حوله أرادوا أن يغيروا بوصلة العالم باتباع أسلوب حرق المراحل، والملفت للانتباه أنّ أغلب ما قامت به هذه الإدارة لم يكن يؤدي إلى تفاقم المشكلات الموجودة فحسب بل ويخلق مشاكل أشدّ صعوبة منها حتّى أصبح العالم اليوم عبارة عن مسرح كبير للأزمات بالغة التعقيد التي لم يجد المجتمع الإنساني حلاً لها في الأفق المنظور طالما يستمرّ السيّد بوش وإدارته على اتباع ذات النهج العدواني ضدّ الآخرين دون تفريق كبير بين حليف وصديق في الأمس وعدو اليوم أو غداً فالكل أهداف مشروعة للسياسة الأميركيّة التي لا يعلم إلاّ الله وحده إلى أين ستنتهي بالعالم.
لقد أصبح الهوس باستخدام القوة العسكريّة المفرطة وكأنه عقيدة في سلم أولويات السيّد بوش رغم ثبوت فشلها وما آلت إليه نتائجها الكارثية ليس على العالم فقط وإنّما حتّى على الشعوب الأميركيّة التي بدأت تكتوي بنار هذه السياسات الحمقاء أنّ الغريب في أمر هذا الرئيس وإدارته هو الإصرار على ارتكاب الأخطاء القاتلة حيث لم تتمكن الولايات المتحدة الأميركيّة لحد الآن من حلّ أيّة معضلة رغم استعانتها بجهود حلفائها الذين هبّ أغلبهم لنجدتها رغماً عن أنوفهم أي أنّ السياسة الأميركيّة أصبحت اليوم عبئاً على حلفائها وأصدقائها وعملائها وقسم كبير من هؤلاء لم يعد يدرك ما هو الدور المطلوب أن يؤديه لكي يجنّب نفسه (ربما) أدوار أخرى لعينة ستقصم ظهره ذلك لأنّه بات واضحاً للجميع أنّ نجاح الحلفاء والعملاء لأميركا سيجير لها، أمّا الفشل فسيكون حتماً من نصيب هؤلاء المغلوب على أمرهم.
معروف لأيّ إنسان عاقل أنّه في حالة فشله في أمر ما فإنّه يعيد تقويم الحالة ليكتشف أين هو موضع الإخفاق أو الخطأ لكي لا يكرره باتجاه تحقيق النجاح أو جزء مهم منه في المحاولة القادمة ومعروف أيضاً حتّى بالنسبة للطفل الصغير فإنّه عندما يضع إصبعه قريباً من النَّار فتؤذيه فإنّ هذا الطفل لن يكرر هذه المحاولة المؤلمة مرة أخرى أمّا السيّد بوش فإنّه (ويا للمأساة) لم يستفد حتّى من هذه البديهية التي يلتزم بها حتّى الطفل.
فالسيد بوش ارتكب ولا يزال من الأخطاء والجرائم ما لا تتحمله الجبال، ففي الوقت الذي يطالب فيه الرئيس الأميركي بمعاقبة حكومة السودان وتقديم الرئيس الصربي الأسبق للمحاكمة الدوليّة ومعاقبة قتلة الحريري ومحاربة الإرهاب و.. و.. و.. وإعدامهم الرئيس الشهيد صدام حسين.. فإنّ هذا الرئيس الأميركي لا يلتفت لحظة واحدة إلى كم هم ضحايا سياسته الحمقاء منذ 2001 وحتّى الآن... أليسوا بالملايين؟ ونسأل الأمم المتحدة وما يسمى بالمجتمع الدولي (رغم أنّ الاثنين هما أذرع تحركها الأصابع الأميركيّة) من سيطالب بحق هؤلاء الضحايا ومن سينصفهم ومن سيرفع الحيف عمن تبقى من شعوبهم ومن سيوقف العدوان على من سيأتي عليهم الدور لاحقاً.
إنّ أطرافاً دوليّة ومراكز بحث أميركية وعالمية بذلت ولا تزال جهوداً جبارة لتقديم العون والنصح والخطط لتلفت انتباه السيّد بوش وإدارته على ما يرتكبوه من أخطاء لاسيما في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان ودارفور والصومال ولعل تقرير لجنة بيكر هاملتون أبرز ما تمّ تسليط الضوء عليه ومع تحفّظنا على جوانب مهمة من هذا التقرير الذي وضع بالأساس لخدمة المصالح الأميركيّة فإنّ الرئيس الأميركي لم يلتفت إلى الأمور الأساسية الواردة فيه رغم أنّها صممت لمصلحته وفي آخر تعليق للوزير الأسبق بيكر قال إنّ الرئيس بوش زاد من استخدامه للقوة العسكريّة، وكلّ هذا نشير إليه بمعزل عن اعترافات كلّ المسؤولين الأميركيّين الكبار لا سيّما الذين غادروا المسؤولية (كولن باول وتينت... وغيرهم) عدا الفضائح.. ومحاولات الترقيع التي يتبعها السيّد بوش في تبديل بعض المسؤولين في الخط الأول للتخلص من الإحراجات أو تقديم قسم منهم كبش فداء (رامسفيلد وتينت).
لقد بات واضحاً أنّ إدارة بوش مستعدة لتغيير العالم بل والقضاء عليه لكنها ليست مستعدة لأن تغيّر سياساتها العدوانية الحمقاء ضدّ الآخرين فالسياسات الأميركيّة في العالم أضرمت النَّار فيه ولم يعد هناك مكان آمن فالقارات الخمس أصبحت مسرحاً للعمليات العسكريّة الأميركيّة وعلى كلّ شعوب الأرض أن تفتش عن أصابع المخابرات المركزية الأميركيّة في الحروب والصراعات والخصومات والاضطرابات أينما وجدت فالعراق تحوّل بفعل الاحتلال الأميركي الإيراني إلى أرض محروقة لم يبق فيها أخضر ولا يابس وكذلك أفغانستان والصراع بين الفلسطينيّين وبين اللبنانيين وفي السودان ومصر والمغرب والصومال وباكستان والهند وتركيا وانتشار العنف في أغلب دول آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية بل وحتّى في روسيا وربما في الصين ودول أخرى كثيرة لاحقاً.
إنّ سياسة بوش في العراق (الفوضى الخلاقة) القائمة على أنهار الدم والجماجم رغم فشلها الذريع لم تجد آذاناً صاغية ولا عقل راجح في الإدارة الأميركيّة لحدّ الآن بل العكس هو الصحيح والشعب العراقي أصبح حقلاً للتجارب والخطط التي يخرج فيها علينا السيّد بوش تختلف في مسمياتها إلاّ أنّها تعبّر عن حقيقة واحدة وهي إصرار على سلوك منهج الخطأ والقتل وآخرها ما أطلق عليه باستراتيجية بوش الجديدة التي بدأها قبل أشهر في العراق رغم أنّ بوش وكلّ أركان إدارته يعلمون أنّها فاشلة مثلها مثل كلّ مشروعهم الذي لم يجد طريقه للنجاح لا سيّما في العراق، فلا السهم الحارق ولا غيره يمكن أن ينقذ أميركا في العراق، وعلى السيّد بوش وإدارته أن يدركا أنّه لم يعد أمامهم من خيار إلاّ الركون إلى منطق العقل وتجاوز كلّ الأساليب العرجاء ورهاناتهم الخاسرة على ما يسعى بالعملية السياسية وأدواتها العقيمة، ففي العراق اليوم حقيقة مطلقة واحدة وهي شعب العراق وإرادته الجبارة وقواه الوطنية ونزوعه للتحرر والاستقلال ويتجسد كلّ ذلك في مقاومته الوطنية طريقة للخلاص والحرية ولطرد الاحتلال ولذلك لا خيار أمام الإدارة الأميركيّة غير التوجّه إلى ممثلي الشعب العراقي، فهم الطرف الوحيد الذي يمتلك مفاتيح حلّ قضية العراق، لا حكومة المالكي العميلة ولا أيّ من أطراف اللعبة السياسية، فالأوضاع في العراق بكلّ مساراتها تتجه لصالح الشعب العراقي ومقاومته ويكفي الإدارة الأميركيّة ما أصابها من إخفاقات وعلى العقلاء إن كان هناك عقلاء فيها أن يعودوا إلى منهج الصواب ويتخلوا عن حماقاتهم وعنادهم الأجوف ويتحلوا بالشجاعة ويعترفون بأخطائهم ويقبلون بنتيجة المنازلة التي أصبح واضحاً أنّها حسمت للشعب العراقي ومن خلاله للإنسانية.
فهل أدرك السيّد بوش ذلك أم أنه يحتاج إلى المزيد من الهزائم والخسائر لجيوشه المندحرة المكسورة وانحسار لشعبيته وشعبية حزبه وظلامية صورة بلاده التي هي الآن في أسوأ حالاتها؟ د. فيصل الفهد