بوتفليقة يناور المعارضة بتعديلات دستورية تعرض على البرلمان

قرارات مثيرة للجدل

الجزائر - أفاد بيان صادر عن الرئاسة الجزائرية بأن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وافق الاثنين على مسودة مشروع تعديل الدستور الذي طال انتظاره. وقرّر في هذا السياق تمريره للبرلمان للتصويت عليه بدلا من عرضه للاستفتاء الشعبي العام، وذلك على خلاف ما أعلنته السلطة الرسمية في أكتوبر/تشرين الاول.

ويبدو أن العدول عن الاستفتاء على مشروع التعديل الغامض كان نتيجة قناعة على أرجح التقديرات بأنه لن يحظى بتأييد شعبي وأن عرضه للتصويت عليه في البرلمان قد يضمن تمريره على اعتبار أن حزب جبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم يملك الأغلبية البرلمانية.

وأوضح البيان أن الرئيس ترأس الاثنين اجتماعا مصغرا ضم رئيس الحكومة ومدير ديوان الرئاسة ووزير العدل ومستشارين للرئيس ونائب وزير الدفاع قائد هيئة اركان الجيش وذلك لاستكمال دراسة المشروع وقرر إلى جانب عرضه على غرفتي البرلمان أمام مجلس الوزراء والمجلس الدستوري وتسليم نسخ منه للأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية.

واشار إلى أن تلك الأحزاب والشخصيات شاركت في المشاورات السياسية التي قادها مدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى وقبله رئيس مجلس الأمة (البرلمان) عبدالقادر بن صالح.

وكان الرئيس الجزائري قد رسم الخطوط العريضة لمشروع تعديل الدستور في نوفمبر/تشرين الثاني من خلال رسالته بمناسبة احياء الذكرى 61 لاندلاع لثورة الجزائرية، وتعلقت أهم الخطوط بالفصل بين السلطات وتعزيز دور المعارضة وتشكيل لجنة وطنية مستقلة لمراقبة الانتخابات على غرار اللجنة العليا للانتخابات التي تشكلت في تونس قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية في خريف 2014.

وفسر ذلك حينها بأنه محاولة لاحتواء غضب المعارضة التي تطالب بدستور توافقي وليس بتعديل أقرب الى المناورة السياسية.

ويعني تشكيل لجنة مستقلة للانتخابات سحب البساط من تحت أقدام وزارة الداخلية التي تشرف عادة على مثل هذه الاستحقاقات، لكن محللين استبعدوا أن تسحب السلطة بشكل كامل التفويض الممنوح لوزارة الداخلية.

تعديلات على مقاس السلطة

ويفترض بحسب ما تتوقع مصادر جزائرية أن يتضمن التعديل هامشا من الحرية، كما قد يشمل تحديد مدة الرئاسة بعد أن جرى تعديل الدستور ليتمكن بوتفليقة من الترشح لولاية رئاسية رابعة في 2014 وأثار ترشحه حينها جدلا اتسع نطاقه مع تدهور وضعه الصحي. وكان قبلها قد أصيب بجلطة دماغية في 2013 .

وكان الرئيس الجزائري قد أجرى في 2008 تعديلا على الدستور الذي وضعه سلفه المستقيل اليمين زروال لفتح الباب أمام ترشحه لولاية رئاسية ثالثة في أبريل/نيسان 2009 .

وقد تشمل التعديلات تحديد طبيعة نظام الحكم: رئاسي أم برلماني اضافة غلى تعيين نائب للرئيس، إلا أن كل ذلك يبقى مجرد تخمينات إلى أن يعرض مشروع التعديل رسميا على البرلمان وتتطلع عليه الأحزاب السياسية المعارضة منها والموالاة.

وتنظر أطياف المعارضة الجزائرية بريبة لمشروع تعديل الدستور وتعتقد أنه لم يعد الأولوية في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة والآخذة في التفاقم مع موجة انهيار أسعار النفط المورد المالي الاساسي للجزائر، ومن هؤلاء رئيس الوزراء الاسبق والمرشح السابق لرئاسيات 2014 علي بن فليس.

ومن المتوقع أن يثير عرض المشروع على البرلمان مواجهة سياسية محتملة بين السلطة والمعارضة حيث تعتقد الأخيرة بقوة أن الأمر مجرد مناورة سياسية.

واستهلك مشروع تعديل الدستور أربع سنوات تقريبا وعقد دورتين من المشاورات السياسية في مايو/أيار 2012 ويونيو/حزيران 2014.

مناورة سياسية

وحين قدم بوتفليقة الخطوط العريضة للتعديل في نوفمبر/تشرين الثاني أجمعت مواقف المعارضة على رفض المقترحات والتي تضمنت الاعتراف بدور المعارضة سياسيا ورقابيا، ومنحها الحق في إخطار المحكمة الدستورية وإنشاء آلية دستورية لمراقبة الانتخابات.

ويرى بن فليس أن مشروع تعديل الدستور هو نتاج خوف السلطة من عدوى الثورات العربية، وأن الأمر تحول إلى مناورة سياسية منذ بداية الحديث في 2011 عن التعديلات التي استغرقت 4 سنوات ولم يظهر منها إلا مقترحات الهدف منها احتواء التوترات.

وكان بن فليس قد حذّر حينها من أن تلك المقترحات لا تعالج الأزمة السياسية والاقتصادية وأنها تتيح لقوى غير دستورية الاستيلاء على مراكز صناعة القرار الوطني.

وعقدت أحزاب المعارضة في يونيو/حزيران 2014 مؤتمرا اختتم أعماله بوثيقة \'مازافران\' التي شدّدت على ضرورة صيغة دستور توافقي وقالت انها لا ترى اية جدوى في مقترحات بوتفليقة حول آلية لرقابة الانتخابات.

كما عبرت الأمينة العامة لحزب العمال اليساري لويزة حنون عن استغرابها من طرح بوتفليقة فكرة دستور وإنشاء آلية لمراقبة الانتخابات. وتساءلت حينها عن الهدف من إنشائها في الوقت الذي تتواجد فيه 3 لجان لا تقوم بمهامها وعن قدرة الأحزاب في مراقبة تنظيم الانتخابات.

وكان حزب العمال من أحزاب الموالاة قبل أن يقفز من سفينة السلطة لحسابات سياسية ولاعتبارات منها استيلاء دائرة مقربة من بوتفليقة على صناعة القرار بحسب ما تقول أحزاب المعارضة.

ولم يظهر بوتفليقة الذي أصيب بجلطة عام 2013 علانية منذ الانتخابات، لكنه تعهد إصلاحات لتعزيز الديمقراطية في الجزائر التي يهيمن عليها بشكل كبير حزب جبهة التحرير الوطني والجيش منذ الاستقلال عام 1962 .

وعندما نوقشت المقترحات في 2014 تضمنت تفويض رئيس الوزراء بمزيد من السلطات التنفيذية ومنح أحزاب المعارضة في البرلمان المزيد من الصلاحيات إضافة إلى إجراء اصلاحات تتعلق بالصحافة ومكافحة الفساد.

ولم تذكر الرئاسة في بيان لوكالة الأنباء الجزائرية سوى القليل من التفاصيل عن الاصلاحات الدستورية المقترحة، لكنها قالت إن مسودة كاملة ستطرح في يناير/كانون الثاني.

وقال البيان إن التعديلات المقترحة ستسمح "بتعميق الفصل بين السلطات وتكاملها". وقال محللون إن الاصلاحات قد تكون تهدف إلى المساعدة في انتقال مستقر للسلطة إذا ما تنحى بوتفليقة خلال فترة ولايته الرابعة.

ومنذ إعادة انتخابه لم يظهر الرئيس الجزائري إلا نادرا في لقطات وصور بثها التلفزيون الحكومي، إما أثناء اجتماعات لمجلس الوزراء أو أثناء زيارة وفود أجنبية.

لكن محللين يقولون إن بوتفليقة (78 عاما) دعم في 2014 وضعه بإقالة عدد من القادة العسكريين ورئيس المخابرات العسكرية الفريق محمد مدين المعروف باسم الجنرال توفيق والذي يقال انه صانع الرؤساء في الجزائر، كوسيلة لكبح نفوذ الجيش في السياسة.

ويقول مراقبون إن فصائل مدنية وعسكرية بين القوى الحاكمة في الجزائر انخرطت في صراعات خلف الكواليس على النفوذ منذ حرب الاستقلال عن فرنسا.

واكتسب الجيش مزيدا من النفوذ خلال صراع التسعينات مع الإسلاميين المتشددين، لكن محللين يقولون إن بوتفليقة سعى لإبعاد القادة العسكريين عن السياسة.