بوتفليقة يشتري السلم الاجتماعي دون تقديم المقابل للمحرومين

نظرية المؤامرة لدغدغة الشعور الوطني

الجزائر - دعا الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الجمعة سكان جنوب البلاد إلى التحلي باليقظة والوقوف ضد من "يحاولون زرع الفتنة والفرقة بين أفراد الشعب الجزائري".

وبهذا الخطاب ـ وكما يقول مراقبون ـ يصر بوتفليقة على الذهاب إلى الأمام في تجاهل حقيقة التوترات الاجتماعية التي تشهدها أغلب مناطق الجنوب، بسبب حالة الفقر المدقع وانتشار البطالة على نطاق واسع مع غياب أي اثر للتنمية الاقتصادية في هذه الربوع رغم أنها مصدر جميع الثروات البترولية التي عادة ما تنتهي بنسبة كبيرة منها في جيوب مافيات النهب والفساد المستشري في البلاد.

كما يؤشر خطابه الذي يشير إلى مؤامرة مزعومة ضد استقرار الجزائر، إلى أن السلطات الجزائرية ماتزال غير مستعدة لفهم واقع البلاد على نحو مغاير للمألوف، بينما يصر رموزها والمستفيدون منهم من كبار اصحاب المصالح على الاحتفاظ بموقعهم وبامتيازاتهم التي حازوها من سرقة قوت الجزائريين البسطاء المفقرين رغم الثراء الهائل لبلدهم.

وتناول بوتفليقة في رسالة وجهها إلى العمال الجزائريين في عيد العمال العالمي احتجاجات في جنوب البلاد للمطالبة بالتنمية وشغل وظائف، قائلا إنه على قناعة بأن "شباب الجنوب الجزائري يرفعون مطالب مشروعة على غرار نظرائهم بالشمال".

ويشير بوتفليقة إلى خروج آلاف المواطنين في اكثر من مدينة وقرية جنوبية للمطالبة بالتشغيل والتنمية مهددين بتصعيد تحركاتهم اكثر فأكثر. وبلغت الاحتجاجات أوجها في منطقة عين صالح (1200 كلم جنوب العاصمة الجزائرية) عندما بدأ سكانها في ديسمبر/كانون الأول 2014 سلسلة احتجاجات سلمية رفضا لاعتزام الحكومة استغلال الغاز الصخري بمنطقتهم. وأعلنوا تحديهم لسلطة الدولة وقواتها الأمنية من اجل منع عمليات الحفر، مطالبين الرئيس الجزائري بإصدار قانون يلزم الدولة بالتخلي عن استغلال الغاز الصخري نهائيا.

وكان بوتفليقة نفسه من أعطى خلال ترؤسه مجلس الوزراء يوم 21 مايو/ايار 2014، الضوء الأخضر للشروع في استغلال الغاز الصخري في البلاد. ومايزال إلى حد الساعة يرفض التخلي عن القرار ربما بإضمار أن السلطات الجزائرية ستتمكن في النهاية من مواصلة مشروعها الطاقي في الوقت المناسب حتى ولو كان ذلك بمنطق المغالبة للمحتجين.

وأكد الرئيس الجزائري أن الأجيال الصاعدة في ولايات الجنوب "ستقف هي الأخرى في وجه جميع من تسول لهم أنفسهم زرع الفرقة في صفوف الشعب الجزائري الذي صهرته ووحدته محن مقاوماته الأزلية وكفاحه البطولي من أجل الاستقلال".

ويقول محللون إن مثل هذه اللغة التي تعزف على وتر الوطنية والتي عفا عليها الزمن لن تطفئ نيران الغضب في نفوس أغلبية مهمشة من اهالي الجنوب، مادام الجميع يواجهون تجاهلا تاما من الدولة لأبسط حقوقهم في تنمية عادلة لمناطقهم رغم ان هذه المناطق هي المصدر الاساسي للثروة البترولية للجزائر.

ويضيف هؤلاء أن مفهوم "الوطنية" لا يمكن ان يكون مسكنا لغضب الجموع الغفيرة الى ما لانهاية، خاصة عندما يصدر عن سلطة تدير الجزائر بعقلية متسلطة أدت الى ان يصبح الفساد سياسة رسمية للدولة، بينما كان يمكن للأموال الضخمة المنهوبة والتي ذهبت إلى جيوب القلة من المتنفذين سياسيين وعسكريين ورجال أعمال أن تخصص لإقامة تنمية عادلة في البلاد، هي وحدها الكفيلة برفع الاحتقان والغضب بين اهالي الجنوب وحثهم على الشعور الحقيقي بأهمية الوطن.

كما تطرق بوتفليقة إلى "ضرورة التنمية في الجنوب والهضاب العليا"، موضحا انها "مطلب ملح" من أجل "الارتقاء بالتنمية في هذه المناطق".

وشدد على أن الحكومة الجزائرية تبذل جهودا "جبارة" من أجل تعزيز المنشآت القاعدية والتنمية البشرية في ولايات الجنوب الجزائري.

ويقول مراقبون إن مفتاح التنمية هو بيد بوتفليقة نفسه لأن من يعطل هذه التنمية هو السلطة الحاكمة التي نخرها الفساد، لذلك كان من الاولى للرئيس الجزائري أن يبحث في اسباب تعطل المشاريع ويفتح ملفات الفساد على نطاق واسع، لأن عدم اعترافه بخطورة هذه الملفات لن يقدم أو يؤخر في تحسين أوضاع الغالبية العظمى من الجزائريين المحرومين والمهمشين.

وحتى التقارير الرسمية نفسها، تعترف بان الفساد المستشري في الجزائر تسبب في تعطيل مشروعات للبنية التحتية والسكن على سبيل المثال، كانت السلطات المحلية في اكثر من مدينة جزائرية قد ارستها على المقاولين، فيحصلون بتواطؤ من الدوائر المسؤولة على الأموال المرصودة لهذه المشاريع قبل إتمامها، ثم يتركونها في حال سبيلها قبل البحث عن مشروع آخر يكون مدخلا لسرقة جديدة.

وأشار بوتفليقة إلى "المقاومة البطولية التي قام بها سكان الجنوب من أجل إحباط المخططات الرامية إلى فصل الصحراء الجزائرية عن بقية الجزائر غير القابل للتجزئة".

ولم يوضح الرئيس الجزائري من هي الجهات التي تعمل على تقسيم البلاد، بينما يقول محللون إنه قصد الغموض لأن لا تهديدات حقيقية في هذا المعنى تواجه الجزائر، وإنما هو فقط يسعى إلى القيام بنوع من الضغط النفسي ضد أي محتجين محتملين في المستقبل عبر الإيحاء لهم بان ايا من تحركاتهم المطلبية يمكن للدولة ان تعتبرها "تهديدا للجزائر بفصل جنوبها عن شمالها مع ما يتطلبه ذلك من تدخل أمني حازم ضد الانفصاليين المزعومين".

وبدا بوتفليقة يتحدث عن جزائر أخرى غير تلك التي يعرفها عامة الجزائريين، والتي تعاني من فشل حقيقي في التنمية ومايزال اقتصادها رهنا بمداخيل البترول بنسبة كبيرة، وتعاني قطاعاتها الخدمية مثل التعليم والصحة من تدهور حقيقي، وهو يشيد بالمكاسب الاجتماعية التي تحققت طوال الفترة التي اعقبت الاستقلال.

وفي حين تعاني الجزائر من ازمة سياسية حقيقية، تبدأ بمنصب الرئاسة التي يتقلدها بوتفليقة وهو عاجز عن اداء مهامه بشكل طبيعي منذ مايقرب من السنتين ولا تنتهي عند المعركة المفتوحة مع المعارضة، بحثا عن وريث له في اعلى هرم السلطة يحافظ على مصالح عائلته والبطانة المحيطة بها، دعا الرئيس الجزائري إلى "مواصلة العمل من أجل تجسيد العقد (الاجتماعي) الذي يتوخى على الخصوص توطيد دعائم الحكم الراشد وتعزيز قدرات تسيير التنمية المستدامة الوطنية وتسريع مسار الإصلاحات الاقتصادية من أجل إعطاء دفع للتنمية في البلاد".

يذكر أن مناطق عدة في الجنوب الجزائري تشهد احتجاجات منذ أكثر من ثلاثة أشهر يطالب فيها السكان وخاصة في أقصى الصحراء الجزائرية بالتنمية وتمكينهم من شغل وظائف خاصة في المؤسسات النفطية.