بوتفليقة يحاصر الاحتقان الشعبي بالحد من سلطاته

الرئيس يتلاعب بمعارضة هشة

الجزائر - قال مصدر حكومي، الخميس، إن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة اقترح تحديد ولاية الرئيس بفترتين ومنح مزيد من الصلاحيات لرئيس الوزراء في اطار اصلاحات دستورية طرحها بعد اعادة انتخابه.

وكان بوتفليقة (77 عاما) وعد بإجراء إصلاحات دستورية بعد فوزه بولاية جديدة مدتها خمس سنوات في ابريل/نيسان، على الرغم من إصابته بجلطة العام 2013 مما أثار تساؤلات بشأن قدرته على حكم البلاد.

ويقول معارضون ان حزب جبهة التحرير الوطني والجيش يهيمنان على مقدرات البلاد منذ انتهاء الاستعمار الفرنسي، وأنهما يقاومان اي تغيير حقيقي.

وقال المصدر الحكومي ان الرئيس الجزائري اقترح تعديل 47 مادة من الدستور وزعت على الاحزاب، الخميس، تشمل أيضا رفع القيود المفروضة على وسائل الاعلام ومنح البرلمان سلطة أكبر في مساءلة مسؤولي الحكومة.

ورفض غالبية زعماء المعارضة الجزائرية، ومن بينهم زعماء علمانيون وإسلاميون متناحرون، مقترحات بوتفليقة بالفعل قائلين ان الدعوة الى الاصلاح هي مجرد محاولة لاستمالتهم لا لتنفيذ اصلاح حقيقي.

وكان حلفاء الرئيس الجزائري قد ألغوا القيود المفروضة على فترات الرئاسة حتى يسمحوا له بخوض الانتخابات للفوز بفترة رئاسة جديدة مدتها خمس سنوات.

ودعيت الاحزاب الجزائرية لمناقشة الاصلاحات الجديدة في يونيو/حزيران قبل عرض المقترحات على اللجنة الدستورية لمراجعتها وربما طرحها في استفتاء عام للموافقة النهائية عليها.

ويشكك طيف واسع من الجزائريين الذين مايزالون تحت صدمة بقاء "الرئيس العاجز" في مكانه، مع ما يجعل الامر شبيها بالمهزلة السياسية، في فرص رؤية جزائر تنعم بحريات أكثر وخاصة عندم يكون من يعدهم بوتفليقة نفسه الذي عمل خلال 15 سنة من ممارسته للحكم على تكميم الافواه ومنع المظاهرات والمسيرات كأهم الوسائل للتعبير عن الرأي والموقف بحرية؟

وقال مراقبون ان ما يعد به بوتفليقة، هو يعد بأبسط ما يمكن ان يتمتع به الانسان الجزائري من حقوق دستورية تأخرت الجزائر كثيرا في منحها لمواطنيها، يعتزم تحويل الجزائر إلى "واحة للحرية والديمقراطية".

ويضيف هؤلاء أن بوتفليقة قام طيلة 15 سنة من حكمه عكس هذه الوعود، ولم يكشف مطلقا عن أنه شخص يؤمن أو قد يؤمن في يوم من الايام بالحرية أو الحق في التعبير وممارسة السياسة والنشاط النقابي.

ويتساءل حقوقيون جزائريون "ما الذي سيضيفه التعديل الدستوري المقترح من قبل السلطة في مجال الحريات والحقوق طالما أن الحريات الفردية والجماعية والحقوق والواجبات منصوص عليها في أكثر من مادة في الدستور الحالي، ولم يكن هناك أي نقص في الجانب التشريعي والقانوني، لكن مع ذلك ظلت الجزائر كدولة تصنف في ذيل الترتيب وتوجه للسلطة شتى أنواع الاتهامات من قبل المنظمات والهيئات الحقوقية الدولية في تقاريرها الدورية؟

ويقول هؤلاء الحقوقيون إن السلطة ترى أنه "يكفي المصادقة على المواثيق الدولية أو سن القوانين وتجميل واجهتها الخارجية لمراوغة خصومها في الداخل أو الخارج لنيل شهادة حسن السلوك أو ما يسمى "الحكم الرشيد".

وهي لا تعدم أول فرصة للدوس على ما وقعته بأيديها لأنها "لا تؤمن بالحريات والحق في التجمع والتظاهر والإضراب سوى "على الورق" وترفضه كسلوك وممارسة في الواقع، وهو ما أهل الجزائر لتتذيل الترتيب العالمي في حرية التعبير.

ويعدد المراقبون ما يصفونها تهكما بـ"الإنجازات" التي قام بها الرئيس الجزائري. ويقولون إنه من أغلق المجال السياسي بإحكام من 1999 إلى 2011، فأعطى أوامر بنفسه لوزير الداخلية السابق نور الدين زرهوني بمنع أي طلب لتأسيس حزب.

ويؤاخد النظام الجزائري في عهد بوتفليقة بانه خنق كل مجالات الحرية التي قد تشكل سلطة مضادة سلطات النهب المنظم لخيرات الجزائر، وبأنه عطل تطبيق الدستور والقوانين فيما يخص النشاط السياسي والنقابي وبأنه أغلق الفضاء أمام القنوات التلفزيونية إغلاقا تاما، ففرض على الجزائر أن "تسير ضد مجرى التاريخ" متذرعا بأن "المواطن ليس مهيَّئا حاليا لفتح الإعلام السمعي البصري!".

ويقول محللون إن الحديث عن التعديلات الدستورية في اتجاه مزيد من الانفتاح السياسي والإعلامي ماهو إلا نفس "الطعم" الذي ظلت السلطات تستخدمه طيلة عقود لإحكام قبضتها على المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الجزائر.

ويعتقد المحللون أن بوتفليقة، المسير من بطانة بعضها معلوم وبعضها الآخر يدير اللعبة من وراء الستار، يريد أن يسبق الجميع في "حمل لواء الحريات والحقوق". وإن الحديث عن التعديلات الدستورية لا يعدو أن يكون سوى بالونات اختبار، الهدف منها إجهاض مطالب قوى المعارضة والالتفاف عليها للإبقاء على الوضع القائم دون زيادة، إن لم يكن هناك نقصان وتراجع.

ويتهكم بعض السياسيين من الهالة الكبرى التي تضفيها السلطات الجزائرية على توجهها لتعديل الدستور. ويقولون إنها تريد تصوير محتوى التعديل المرتقب على أنه سيتفوق في التنصيص على الحريات دساتير فنلندا وهولندا والدنمارك، بينما النظام القائم منذ الاستقلال والذي لم يتحرك نحو الانفتاح قيد انملة، مايزال يمارس سلطته بطريقة لا تختلف كثيرا عن أساليب الحكم في كوريا الشمالية، على حد تعبيرهم.

ويستدرك هؤلاء بالتحذير من ان تكون هذه الوعود التي يصفونها بالجوفاء مجرد ذر للرماد على العيون قد تنهتي بتحايل قانوني يعود من النافذة ليسد أكثر منافذ القليل من الحريات ويعود بالجزائر إلى انغلاق سياسي واعلامي اشد وأنكى مما هو حاصل.