بهاء طاهر: لا أسعى لتقديم شخصيات كنماذج لثقافات

القاهرة ـ من محمود محجوب
الكتابه تفرض منطقها الخاص

أكثر من عشرين عاما من كتابة روايته "أنا الملك جئت" عام 1985 وبطلها الدكتور فريد الذي يريد أن يستكشف آثار واحة في الجنوب الغربي من سيوه؛ يعود الروائي بهاء طاهر الى نفس المكان الساحر واحة سيوه عام 2006 ليقدم لنا درة أعماله الابداعية "واحة الغروب" في أسلوب رشيق يعبر عن عمق ثقافته ومكانته الرفيعة بين الكتاب والمبدعين وسرد متقن وتصوير المشاهد بدقه متناهية في عمل ابداعي متكامل البناء، نتراوح معه في هذا الحوار بين الماضي القريب والبعيد، نقتحم عالما مجهولا ليصبح بعض لحظات عالما معلوما نعيشه ونتعايش معه ننفعل به وفيه، نحسه ونتلمسه، نستشعره بما فيه من معاناة، ألم وحزن وشجن غزله مع أبطال وشخصيات تبدو في أغلب الاحيان على درجه كبيرة من الغرابة والدهشة في سلوكها، هل هذا نابع من أثر المكان على شخصيات الواحه وعلى الوافدين عليها؟ ماذا سنفعل لو كنا مكان محمود عبدالظاهر هل سنلقى نفس المصير ونقهر ونهزم أمام الظروف الاجتماعيه وهذه الحياه التي تحياها هذه القريه المنكوبه بأناسها وخرافاتها؟ ماذا سنفعل لو كنا مكان مليكة الجميلة الصغيرة؟ اسئله كثيرة ومحيرة.

• نتوقف قليلا عند اسم رواية "خالتي صفيه والدير" ففيها المزج بين الانسان والمكان، كذلك في رواية "واحة الغروب" مزج بين الزمان والمكان .. ما هي الدلاله الرمزيه لهذا المزج؟

ـ إن هذا يجد تفسيره نصا في الرواية – أعتقد أن تلك الواحة الموجودة في أقصى غرب مصر تعتبر مركزا لعبادة الاله أمون أله الشمس في عهد الاسرة الحديثة فيما قبل الغزو اليوناني – واعتبرت كما هو وارد في العالم الغربي هو عالم الأموات والأرواح بالنسبه للمصريين القدامي، واستطاعت هذه الرؤية أن تمتزج بالرؤية اليونانية التي جاءت الي مصر، واستطاعت أن تجعل من هذا التصور وهذا الغروب وعالم الغرب نوعا من الرؤيا الروحية للغروب وكانت هذه الواحه "واحة الغروب".

• الاهداء الى "ستيفكا اناستاسوفا" جاء بدون كلمات سابقه أو لاحقه من تكون؟

ـ هذه زوجتي.

• الفصل رقم 8 باسم الاسكندر الاكبر – هذا الميت الحي بيينا – هل هذا الفصل تسبب في توقف تقدم الرواية الي الامام مثله مثل الفلاش باك في الفيلم السينمائي وعليه يتوقف السرد السينمائي لحظات – أم فرصه لالتقاط الأنفاس ومعرفة بعض المعلومات عن الإسكندر ثم استئناف الخط الدرامي للروايه أم ماذا؟

ـ هذا سؤال مهم جدا يتعلق بفنية الكتابة – لا هي فلاش باك ولا هي عودة للماضي – إن الذي جعلني أكتب هذا الفصل أنه فصل كاشف للموضوعات التي تتضمنها الرواية وكاشف أيضا للشخصيات، ممكن لمن يقرأ هذا الفصل بعناية أن يجد مفاتيح كثيرة لفهمه، أخذ على هذا الفصل أنه لا نظير لمثل هذا الشيء في روايات أخرى واعتبر هذه ميزة ولا اعتبرها عيبا، فعلا لم أسر علة درب أحد؛ ولكني سألت كل من قرأ الرواية هل شعر أثناء قراءته لهذا الفصل بنوع من النفور وبنوع من الرغبه في ترك الرواية؟ في الواقع كانت الاجابة في جميع الاحوال أن الفصل هام لدرجة أن هناك أصدقاء كثيرين يطلبون مني أن أنشر هذا الفصل مستقلا، ولكن أنا لو نشرت هذا الفصل مستقلا لم يعد جزءا من الرواية ومن العمل الأدبي.

** غرباء!

• يقول التوحيدي: أغرب الغرباء من صار غريبا في وطنه – هل محمود عبدالظاهر ضحية لنظام مجتمعي قاس بظروفه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية؟

ـ في الرواية نعم .. وقد حرصت أن أبين الدوافع ليس هناك عامل واحد وإنما هناك عدة عوامل حياته العاطفية حياته المهنية؛ حياته ان جاز التعبير في العمل الوطني عوامل عديدة منها أحساسه النفسي بالقهر وأنه طول الوقت يشعر أنه جبان من خلال ما أسماه الكاتب الكبير أستر برج بتعدد الدوافع ليس دافعا واحدا؛ وإنما دوافع متعددة تفضي بالانسان إلى اتخاذ موقف نتيجة لكثير من الاسباب.

• لفت انتباهي البناء الهندسي المحكم والمتماسك للرواية – اسمح لي بذكر بعض الارقام 1- محمود 2- كاثرين 3- محمود 4- كاثرين ، 15- كاثرين 16- محمود 17- كاثرين 18- محمود. محمود وكاثرين تقاسما البداية وتقاسما النهاية. وأنت تخطط للرواية في المراحل الاولى هل تراعي ترتيب الفصول بهذا البناء والتقسيم الهندسي الدقيق – أم أن الحالة الابداعية لا تدعك تهتم بهذا؟

ـ أعترف بأن الاجابة الثانية هي الصحيحة، أنا لا أتعمد هذا البناء الهندسي ولكن أريد أن أقول لك شيئا مهما جدا، أن الكتابة تفرض منطقها الخاص وتفرض على الكاتب أن يشعر بنوع من السياق الموسيقي، ولا يختار دانما الشخصيات، هي التي تختار والأحداث هي التي تختار أن يكون العمل منسجما مع ذاته، عندما تقرأ رواية من الروايات تشعر بأن هذه الرواية فيها انسجام أو اتساق بين فصولها، في بعض الاحيان لا تشعر بهذا، هذا يرجع الى أن الكاتب يعيش عمله ومستعد لتقبل التعبير أو التحولات للشخصيات والسير وراءها.

• كيف ترى هذا التقابل /التضاد/التناقض بين الشخصيتين (محمود- كاثرين) وهل هذا مقصود لتقوية العمل الروائي أم أنه يمثل نموذج الشخصية الغربية في مواجهة أو في مقابل الشخصية المصرية العربية أم يمثل ثنائية الحياة ثنائية الرجل والمرأه؟ أم ماذا؟

ـ لا أسعي في كتاباتي إطلاقا الى تقديم شخصيات كنماذج لحضارات أو لثقافات، الشخصية عندي شخصية مفردة تعبر عن ذاتها، ولكن "كاثرين" لا بد من قراءاتها قراءة مختلفة، كاثرين عندها تصور عن نفسها وتسعى الى أن تقدم هذا التصور الى الاخرين، أنها شجاعة العالمة القوية التي لها هدف في الحياة، كل هذا نوع من خداع الذات؛ لا بد أن تكون قراءة كاثرين من هذا المنظور، ما تقوله ليس هو حقيقتها، هي تريد أن تصور نفسها، وأظن كل هذا نتيجة لعقدتها الاولى كانت تعشق والدها وكانت تعتبر نفسها ابنته الأخيرة؛ وكانت تعتبر أنها أقوى بكثير من شقيقتها فيونا؛ وأنها قادرة على أن تحقق ماىلا تحققه الأخرى، ولكنها في حقيقة الأمر لم تكن تجيد اليونانيه واللاتينيه إجادة تامة، كما أتضح لنا من خلال الرواية ولم تكن ملمة الماما تاما بالحضارة المصرية القديمة التي تصدت الى الكلام عنها، كانت تقرأ النقوش بهواها لا على حقيقتها، فهي ما تقدمه وما تصدره للاخرين هي تلك الذات المنتفخة المتضخمة التي لا تعرف شيئا في حقيقة الأمر.

** خرافات !

• في أكثر من رواية عربية صورت علاقة الشرق بالغرب وضح فيها أن الشرق يخيم عليه التخلف والخرافات والجهل. يرضي به ناسه وأهله ولا نرى من يحاول أن ينكره أو يغيره من الشخصيات، في حين نرى أن الغرب أهله متيمون ومغرمون بالعلم والمعرفة، هل هذا التصوير نابع من أن العمل الروائي مرآة تعكس الواقع أم ماذا؟

ـ أظن أنني أجبت على هذا السؤال عندما قلت لك إنني لا أسعي أبدا الى تقديم شخصيات باعتبارها رموزا، وأن احدى الناقدات النرويجيات كتبت مقالا عن قصتين لي هما: "بالأمس حلمت بك" و"حديقة غير عادية"، وقد كتبتهما في الثمانينيات قالت: ان ما يلفت النظر أنني لا أسير وراء التصورات النمطيه بعلاقة الشرق بالغرب أو تصور الشرق عن الغرب، ولكن أقدم شخصيات باعتبارها شخصيات انسانيه تتحرك في محيط انساني دون تحيزات مسبقة لا للشرق ولا للغرب، أظن أن هذه الرؤية الموضوعية هي ما أسعي الى تقديمه سواء في هذه الرواية أو في الحب في المنفي.

• النهايه في رواية "واحة الغروب" صادمة للقاريء على المستوى الانساني هزيمة البطل / انتحار البطل، وصادمة أيضا لموقف البطل من التراث الانساني الحضاري!

ـ هو كرهه أظنه بسبب تذكر أن زوجته أعتدي عليها في هذا المعبد؛ وكان من أسباب تفاقم الصراع في تلك الواحة؛ ولعلك تذكر أيضا أن هذا المعبد أحد أسباب – في تصوري - التي أدت الي تدهور صحة فيونا بسبب اهمال زوجته لها واصرارها على التركيز على الذهاب اليه.

• رأينا من أول الرواية هذا الشغف وهذا الوله لكاثرين الايرلندية بالنقوش والاثار ورحلة البحث عن الاسرار، يقابله هذا العبث بالتراث والذي يصل الى حد تدمير المعبد في نهاية الرواية.. ما المغزي والدلالة؟

ـ يعني أظن أنه هو يقول: نبطل حكاية أجدادنا العظماء فقاطعته قائلة: (هم عظماء ونحن صغار) نعم قلت هذا المعنى بأكثر من طريقة، وقلت أيضا أنه آن الأوان أن نتخلص من كل الاوهام ومن كل الأساطير – تدمير المعبد له دلالة ميتافيزيقية كونية في نظر البعض وحتي هناك من أشار إلى ان إمكانية هذا يجعل الناس تتذكر الافغان وتماثيل بوذا ولكن هذا سياق مختلف تماما، الشخصيتان اللتان أحبهما القارئ يحيي ومليكة؛ وهما شخصيتان محوريتان؛ حتى بدون ثقافة وبدون اطلاع على الامور يرون أن هذه كائنات جميلة وأنها جديرة بأن تحب لذلك لا يوجد في هذه الرواية اطلاقا ما يماثل تدمير التماثيل الافغانية أو غير هذا.

• استلفت نظري موت المشاعر والحب – اذا ما تجاوزنا وصف الشخصيات من الخارج والبراعة في رسمها – كيف استطعت تصوير ووصف موت المشاعر والحب لكل من محمود وكاثرين وصابر وخديجة بهذه الدقه؟

ـ أنت تقرر ذلك؛ ولكني لا أستطيع أن أجيب، كل ما أستطيع أن أقوله أن أشكرك.

• هل شخصية يحيى هي المعادل لشخصية صابر في الرواية؟

ـ شخصية صابر مجروحة، لكن يحيى عاش في شبابه كل تلك الدموية والقتل وكان يعتبر فارسا ولكنه تطهر من خلال رحلته الطويله المجهولة الابعاد بعدما هجر الواحه وأصبح شخصا آخر.

• نعمة السمراء – امرأه لم تفارقني عمره كله كنت أول رجالها ولم تكن هي أول نسائي، نعمة التي يراها في منامه وأحلامه هذه الشخصيه الهلاميه هل هي حنين للماضي القريب؟ هل وجود شخصية نعمة معادل موضوعي للاسكندر الاكبر عند كاثرين في رحلة البحث في الماضي البعيد؟ هل هي تنفيس للمشاعر بالنسبه لمحمود بعد فتور العلاقة مع كاثرين؟

ـ هذه قراءة نقديه منك ممكن أن تكون قراءة سليمة، لكن بالنسبة لي شخصية نعمة حلم مستحيل بالنسبه لمحمود، هي حلم مستحيل الذي كان ملك يديه ثم فرّط فيه، هي الحظ الذي لا يواتي الانسان الا مرة واحدة في العمر، اما أن يقتنصه واما أن يفلته، فهو أفلته.

• اختيار الكاتب لضمير المتكلم / السارد في رواية "واحة الغروب" هل لانه أقرب للواقعية من وجهة نظرك؟

ـ أنا أقول لك اعترافا، الحقيقه أنا أشعر براحة عندما أكتب بضمير المتكلم؛ وأشعر أنني أقرب الى الشخصية الأخرى التي أتكلم عنها عندما أتقمصها وأكتب بضمير المتكلم؛ ويكون هذا أفضل للحضور للكتابة الروائية ولكني أفضل هذا الحقيقة. قرأت كل شيء عن هذه الصحراء وعن سيوه من قبل أن نبدأ الرحلة كل ما جلبته معي من ايرلندا من كتب الرحاله والمؤرخين.

• مسرحة العمل الروائي أو تحويل النص الروائي الي نص مسرحي مكتوب، كيف ترى هذا التوجه؟

ـ أنا من الكتاب الذين لا يتدخلون في تحويل بعض الاعمال الى أعمال درامية على المسرح أو التليفزيون، لم أتدخل اطلاقا في مسار العمل وأترك للمؤلف أو المعد أو الفنان الذي يكتب دراما اذاعية او تليفزيونية حرية التصرف تماما، لأن هذه رؤيته التي تختلف عن رؤيتي، وأراجع الآن مسلسلا اذاعيا عن رواية "واحة الغروب"، هناك أشياء كثيرة اختلف فيها مع المؤلف (المعد) وهو مؤلف أعطى لنفسه حرية كبيرة في الخروج عن مسار الأحداث، لكن هذه رؤيته، وهو يرى العمل بهذا الشكل فمن حقه أن يقدمه كيفما شاء.

• كيف ترى دور النقد لأدبك بصفة خاصة؟

ـ أعتبر نفسي محظوظا مع النقد، يعني النقاد كانوا كرماء في تعاملهم معي منذ البداية، يعني كتاباتهم عن أعمالي وتعليقاتهم على كتاباتي كان ايجابيا، أذكر د. علي الراعي، د. عبدالقادر القط ، أحمد عباس صالح، يعني كثيرون من الكتاب والنقاد اذكر ايضا الاستاذ رجاء النقاش، قد أكون نسيت أحدا منهم، لا يوجد ناقد أخذ مني موقفا عدائيا، كلهم كانت ملاحظاتهم ايجابيه ومشجعة. (خدمة وكالة الصحافة العربية).