بن هاربر يسدل الستار على مهرجان فاس الموسيقي

فاس (المغرب)ـ أسدل الستار الأحد على فقرات الدورة السابعة عشرة لمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة الذي نظم من 3 إلى 12 يونيو/حزيران الجاري تحت شعار "حكم الكون".

وأحيا المغني وعازف القيثارة الأمريكي بن هاربر في "باب الماكينة" الأمسية الختامية بحفل له دلالته العميقة في بعث روح جديدة للفن الشعبي الأمريكي وتقريبه للمتلقي في بلاد بعيدة جغرافيا عن الولايات المتحدة الأمريكية، مغترفاً من معين ربرتواره الغني والمتنوع ومن موسيقى الروك والساول والفولك والبلوز وكذا الغوسبل.

وقدم هاربر وصلات غنائية أطربت الجمهور المغربي والأجنبي الذي يحب هذا النوع من الفن الهادئ والراقي والمتجذر في الطقوس الشعبية للولايات المتحدة الأمريكية، كما سافرت بالحضور إلى الموسيقى العالمية العريقة في حقبة كانت فيها أمريكا تعيش بين التقليد والحداثة، إلى زمن بوب ديلان وجاك كرواك، وزمن كان فيه الفنانون من أصحاب البشرة السوداء يتيهون في البحث عن حياة بديلة، وينطلقون في سفر لا نهاية له.

وأضفى بن هاربر على الدورة السابعة عشرة للمهرجان رونقاً خاصاً لاختلافه في نوعية المقطوعات الموسيقية والأغاني المقدمة عن كل ما تم تقديمه خلال فعاليات دورة هذه السنة.

أما حفل اختتام فعاليات "المهرجان في المدينة"، الذي نظم ضمن الدورة الحالية لمهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة، فقد التقت فيه الأغنية العصرية بالموسيقى الكناوية، حيث أعطت الخشبة الرئيسية للمهرجان التي أقيمت بين أسوار ساحة باب بوجلود التاريخية، فسحة موسيقية للمزج بين إبداعات الفنانة الشابة أسماء المنور وأحد رموز الفن الكناوي حميد القصري، إمتاعاً لجمهور هذه الساحة العريقة.

وبحفاوة بالغة استقبل الجمهور كلا الفنانين في أمسية طبعت هذه الدورة برونق خاص مختلف عما شهدته خلال الأماسي الماضية التي أقيمت فيها جل الأنشطة الموسيقية، والتي استمتع فيها الجمهور بمقطوعات من فن كناوة بصمها حميد القصري بصوته الجذاب وقدرته الفنية العالية اللذين جعلاً الحضور يتفاعل بقوة مع هذا المعلم الكناوي المنحدر من مدينة القصر الكبير.

وتألقت الفنانة المقتدرة أسماء المنور إلى جانب الفنان القصري في مزج فني بينهما أثمر إبداعاً جمع بين الكناوي والموسيقى الحديثة، إضافة إلى تقديمها مجموعة من أنجح أغانيها التي شدت إليها جمهور ساحة باب جلود التاريخية.

وكانت أسماء المنور شاركت قيصر الأغنية العربية كاظم الساهر السبت غناءه ضمن فعاليات المهرجان ذاته "حكايات الروح" في امتداد للقاء الذي كان بينهما في أغنية "المحكمة".

ووقف الساهر والمنور على خشبة باب الماكينة أمام جمهور غفير من كل الأعمار حج إلى هذا المكان الحافل بعبق التاريخ والحضارة، وحيث تألق الفنان العراقي بأجمل أغانيه القديمة والجديدة التي استمتع بها الحضور ورددها معه قبل أن يصفق لها طويلاً.

وسبقته المنور في أداء المدائح النبوية، وقال عنها الساهر السبت إنها تتميز بـ"صوت قوي ورائع".

وقدمت الفنانة المغربية أغاني من التراث الغنائي المغربي ومن أنجح إبداعاتها التي كان لها الوقع الكبير على الجمهور المغربي الذي عبر عن حبه لأدائها ومسيرتها الفنية السائرة في طريق النجاح والتميز.

وبعدما غنى الساهر إحدى أغانيه الناجحة، كان الدور على الساهر والمنور ليغنيا "المحكمة" التي تعتبر دويتو رائعاً جمع القيصر وصاحبة الصوت المميز، والتي كتب كلماتها الشاعر كريم العراقي ولحنها كاظم الساهر ووزعها فتح الله أحمد، وهي واحدة من الأغنيات التي تضمنها ألبوم الساهر الأخير بعنوان "الرسم بالكلمات".

ويشار إلى أنه سبق للمنور، التي اشتغلت مع فنانين مرموقين من أمثال المغني الهندي بالي ساغوا المقيم بلندن، وكوكب حمزة الذي عرفها على الشاعر المصري الكبير أحمد فؤاد نجم، إلى أن شكلت دويتو مع الساهر قبل نحو شهر بالرباط، وهي اليوم تكرر التجربة بفاس من خلال أداء أغنية "المحكمة" التي أبانت فيها عن نضج فني كبير.

ومن بين الأغاني التي قدمها الساهر في هذه الأمسية، ما قبل الأخيرة من أماسي المهرجان "زيديني عشقا زيديني"، و"أشهد أن امرأة"، و"أحبيني بلا عقد".

كما غنى للأرض وفاء للعطاء الذي تمنحه للإنسانية وهي كما قال "موجهة لكل من له حس بأنه يحمل رسائل إنسانية" نبيلة.

وانساب جمهور دار الفنون بالرباط السبت، متابعاً مجموعة "أحباب الغيوان" بحبور ومرح حفلاً موسيقياً نظمته "وكالة ألامبرا إيفينس" ودار الفنون، ورقص وردد أغاني المجموعة بصوت مرتفع مصحوب بالتصفيق لخلق الإيقاعات.

وأدت هذه المجموعة، المؤلفة من سبعة شبان، عدداً من أغاني "ناس الغيوان" وكذا أغاني كناوة، في مزج رائع بين أبعاد الأغنية الملتزمة اجتماعياً، وبين ما هو روحي وصوفي.

هكذا، صدحت الأصوات بأغاني أشاعت حولها وما تزال الكثير من الحماس والتجاوب، كـ"مهمومة" و"الصينية" و"الحصادة" و"ما هموني" و"فين غادي بي" و"غير خوذوني"، فضلاً عن عدد من الأغاني الكناوية التي ترفل في حلل التصوف من جهة، وتغوص في ذكر الأولياء الصالحين والتعبير عن شجون وأهواء ولواعج الإنسان البسيط.

وقال نسيم حداد، المسؤول عن المجموعة، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن فكرة المزج بين نمطي الغيوان وكناوة، تأتي من كون الملاحظ هو المزج الدائم بين موسيقى كناوة والموسيقى الغربية، من ثمة جاءت فكرة المزج بين هذين النمطين الغنائيين "الغيوان وكناوة" بالنظر للتقارب بينهما، إذ أن أغاني الغيوان تعتمد في هياكلها اللحنية والإيقاعية على الطابع الكناوي فضلاً عن طبوع أخرى تراثية.

وأضاف أن المجموعة احتفظت ببنية الأغنية الغيوانية كما هي، وأضافت عليها الطابع الكناوي بواسطة إضافة بعض الآلات الموسيقية التي يوظفها كناوة كـ"القراقب" و"الطبل" وهي آلات لم يوظفها "ناس الغيوان".

واستطرد أن المجموعة حرصت على إدخال الغيوان في كناوة، بواسطة إدراج واعتماد آلتي البندير والبانغو، وهما آلتان غيوانيتان، معتبرا أن من يدخل إلى عالم موسيقى الغيوان يلمس وجود العيطة والحمدوشي وكناوة وغيرها من الألوان الموسيقية الشعبية، التي يزخر بها هذا التراث الموسيقي الكبير للمغرب.

وأسست مجموعة "احباب الغيوان" عام 2008، بواسطة شباب جامعي يعشق أغاني ناس الغيوان، ويحضر رئيسها نسيم حداد الدكتوراه في الفيزياء النووية، وهو محاط بشباب يتوفر كله على شهادات جامعية، ما يعني أن الموسيقى والعلم صنوان لا يفترقان.

وشكلت مجموعة "ناس الغيوان" تجربة ثقافية فريدة من نوعها، عملت بشكل دؤوب، ولعشرات السنين، على تجديد التراث الشعري والغنائي والموسيقي الشعبي في المغرب.