بن علي: وفاء لمنجزات تونس المستقلة ولأبعادها العربيّة والإسلاميّة

تونس: خطى على درب التنمية والديمقراطية

تونس ـ إذا كان استقلال تونس عام 1956 قد توج نضال الوطنيين ببناء دولة مستقلة حرة ذات سيادة فإن تغيير السابع من نوفمبر ـ تشرين الثاني 1987 بقيادة الرئيس زين العابدين بن علي ارتقى بمفهوم الاستقلال والنظام الجمهوري من مستوى عودة الأرض إلى أهلها إلى مستوى التأسيس لتجربة وطنية متفردة تنخرط فيها الإرادة الجماعية لتتفاعل مع الحاجيات الوطنية والتحولات الإقليمية والعالمية في مشروع مجتمعي حديث عنوانه "سيادة القرار الوطني" وحياة الحرية والديمقراطية.

لقد فقدت تونس قبيل 7 نوفمبر ـ تشرين الثاني 1987 نجاعة أدائها السياسي فجاء التغيير الحضاري الذي أقدم عليه الرئيس بن علي عام 1987 انتصارا تاريخيّا لكيان الدولة ومكاسب المجتمع فأعاد للسلطة السياسية هيبتها ولمكونات المجتمع تماسكها وتفاؤلها بالمستقبل كما أعاد للهويّة حضورها وإشعاعها.

لقد كان وظلّ الرئيس بن علي وفيّا لمنجزات تونس المستقلة ولأبعادها العربيّة والإسلاميّة ولم يهمل أصوات المصلحين والوطنيين ولا تطلعات التونسيين إلى مجتمع أكثر تقدماَ اقتصادياَ ورقياَ اجتماعياَ وحرية سياسية، بل لم يعدل ساعته إلا على مشاغل شعبه وإيقاعات التاريخ الوطني، فكانت النتيجة أن التفت حوله مكونات المجتمع المدني المؤمنة بالأبعاد العميقة لمعاني النظام الجمهوري وفي مقدمتها هيبة دولة القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان ومجتمع الحرية والتعددية السياسيّة والديمقراطيّة وثقافة الحريّة والتسامح والتضامن.

إن سيادة تونس في ظل النظام الجمهوري مكسب وطني قبل أن يكون حدثاَ تاريخيّا، وهو لذلك يستوجب إرادة قويّة وثابتة للحفاظ عليه والدفاع عنه عبر ممارسة سياسية تأسيسية تستلهم الحدث التاريخي لاستعادة الدور الحضاري لتونس ومكانتها الريادية، ويتنزل تغيير السابع من نوفمبر ـ تشرين الثاني 1987 ضمن هذه الرؤية لعلاقة التونسي بوطنه، انه استجابة لنداء التاريخ وتفاعل مع المستجدات وتجسيم لأسمى معاني الولاء للوطن واستعادة لدور الذات الفاعلة في التاريخ، ذلك أن المسؤولية كما يؤكد الرئيس بن علي "تقتضي منا العطاء السخي والمثابرة وقبل كل شيء الولاء لتونس، لتونس وحدها تحقيقاَ للذات وتأصيلاَ للانتماء إلى هذا الوطن وهو ما حرصنا على تكريسه طوال مراحل التغيير ومن خلال الإصلاحات العميقة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية".

ولم يكن تأكيد الرئيس بن علي على مسألة الانتماء الوطني خارج السياق التاريخي بل أن هذا التأكيد لا يفهم إلا من خلال ما شهدته تونس قبل تغيير 7 نوفمبر ـ تشرين الثاني 1987 من صعوبات ومن خلال التحولات التي شهدها محيطها القريب والبعيد، ولذلك جاء التغيير كحركة حضارية عنوانها الولاء لتونس بما يتضمنه ذلك من إعادة تأصيل لمقوّمات الكيان الوطني في أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية.

تواتر الإصلاحات

إن هذه الرؤية السياسية لمفهوم الديمقراطية والنظام الجمهوري هي في الواقع امتداد لبيان 7 نوفمبر ـ تشرين الثاني 1987 الذي أكد أن "الشعب التونسي جدير بأن يساهم بكل أبنائه وشرائحه في عملية التنمية وتصريف شؤون البلاد، وأن النظام الجمهوري الذي يولي المؤسسات مكانتها يوفر أسباب الديمقراطية على أساس سيادة الشعب وتعدديّة الأحزاب السياسيّة والتنظيمات الشعبيّة".

وحين نعود إلى تجربة تونس خلال السنوات الـ23 الماضية نلمس أن البناء الديمقراطي تجسّدت ملامحه في المشروع المجتمعي الذي انخرطت فيه البلاد، على المستوى السياسي عمل الرئيس بن علي على إعادة الاعتبار لهيبة دولة القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان إيماناَ منه بأن الدولة هي رمز الكيان الاجتماعي وهي الإطار الحديث للانتماء الفردي والجماعي، لذلك حرص على إصلاح مؤسسات الدولة وتفعيل أدائها، وإذا كانت الإنجازات السياسية في هذا المجال أكثر من أن تحصى، فإن الإصلاح الدستوري الذي اجمع عليه التونسيون في أول استفتـاء شعبي يوم 26 مايو ـ أيار 2002 جسّد صـدق الإرادة السياسيّـة في التأسيس لجمهورية الغد : جمهورية أكثر تفاعلاَ مع التطلعات الوطنية وأكثر حضوراَ في عالم اليوم.

فقد ارتقى الإصلاح الجوهري للدستور بمبادئ التغييـر وقيمه إلى المرتبة الدستورية، حيث نص على ضمان الحريات الأساسية وحقوق الإنسـان في كونيتهـا وشموليتهـا وتكاملهـا وترابطهـا بـل أكد على أن الجمهورية التونسية تقوم على مبادئ دولة القانون والتعددية وتعمل من اجل كرامة الإنسان وتنمية شخصيته، كما تعمل على ترسيخ قيم التضامن والتآزر والتسامح بين الأفراد والفئات والأجيال ومزيد تجذير الولاء لتونس هذا بالإضافة إلى تطوير العمل الحكومي وتفعيل علاقة الحكومة بالسلطة التشريعية وتطوير نظام الانتخابات الرئاسية.

وتبرز هذه الإصلاحات التي استفتى فيها الرئيس بن علي الشعب لأول مرة في تاريخ تونس إرادته السياسية وإيمانه بضرورة الرجوع إلى الشعب نظراَ لأهمية الإصلاح الدستوري، إذ كرّس لأوّل مرّة صلب الدستور المبادئ الأساسية التي يبني عليها المشروع المجتمعي للتحول وفي طليعتها شمولية حقوق الإنسان وتكاملها ومبادئ دولة القانون والتعددية وقيم التضامن والتآزر والتسامح.

إلا أن مفهوم جمهورية الغد لا يعني القطيعة مع تجربة تونس السياسية بل على العكس فهو إضافة نوعية جديدة تعزز التعددية والديمقراطية وتفتح مزيداَ من الآفاق أمام مكونات المجتمع المدني للمشاركة في الحياة العامة، ولعل تعديل الدستور في اتجاه توفير فرص اكبر لتعددية الترشحات لرئاسـة الجمهوريّـة يؤكد مدى حرص الرئيـس بن علي على تفعيل مقوّمات البناء الديمقراطي من خلال فتح مزيد من الآفاق أمام التونسيين وتطوير النظام الرئاسي.

وإذا كانت المبادرات على المستوى الوطني عززت سيادة تونس ومناعتها، فان مبادرات الرئيس بن علي على المستوى العربي والإقليمي والدولي جعلت من السيادة صوت تونس الواضح والمناصر للقضايا العربيّـة العادلة وقضايـا البلـدان الناميـة إذ ما انفكت تونس تعمل على إعلاء القيم الإنسانية السامية، وقد لقيت مبادرات رئيسها صدى دولياَ واسعاَ لاسيما مصادقة الجمعية العامة للأمم المتحدة على إنشاء صندوق عالمي للتضامن بهدف مقاومة الفقر في العالم، وهي مصادقة جاءت لتؤكد إن تونس لم تعد الاعتبار لمفهوم التضامن وطنياَ فقط وإنما جعلت من تجربتها التي هي عنوان سيادتها صوت من لا صوت لهم.

لكن تدعيـم مقوّمـات الديمقراطيّـة ومرجعيّاتهـا لا تنحصر في الإصلاحات السياسيّة فقط وإنما تتعداها لتشمل الإصلاحات الاقتصادية والجهود التنموية عامّة، فالقيادة السياسيّة في تونس التي استشرفت أحداث التاريخ منذ بداية التسعينات من القرن الماضي تؤمن انه لا معنى للديمقراطية لشعب من الشعوب تابع اقتصاديا لغيره وانه لا معنى للحضور السياسي في غياب الحضور الاقتصادي، لذلك باشرت تونس خلال سنوات التغيير إصلاحـات هيكلية عززت أداء الاقتصاد ونأت به عن الانعكاسـات السلبيّـة الناجمـة عن ظاهـرة العولمة وما رافقها من عواصف لم تكن أحداث 11 سبتمبر ـ أيلول آخرها.

وإذا كانت تونس تعرف إنها ذات ثروات طبيعية محدودة فإنها تعرف اليوم لدى الدوائر الاقتصادية والهيئات المالية الإقليمية والدولية بأنها ذات تجربة تنموية ناجحة بل تعرف بأنها نموذج ناجح للاستثمار في الموارد البشرية، فقد تمكنت من الحصول على تقييم جيد من هذه الهيئات، حيث احتلت أكثر من مرّة المرتبة الأولى في مجال القدرة التنافسية عربياَ وإفريقياَ حسب التقييم الذي أعدّه المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس.

تونس تتّجه إلى الدول المتقدّمة

تعزّزت هذه المكانة بتمكن تونس من الاندراج في قائمة الـ80 بلداَ الأكثر تقدماَ في العالم، وهي مجموعة متكونة من البلدان المتقدمة والبلدان الصاعدة، ويعتمد هذا الترتيب على مؤشرات موضوعية كتلك المتعلقة بالإطار الاقتصادي العام والتطور التكنولوجي والمحيط المؤسساتي والتشريعي والقدرة على استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر وتحقيق التوازنات المالية الكبرى، كما بوأت التقارير تونس مكانة متقدمة في مجال القـدرة التنافسيّـة للمؤسسـة ومناخ الأعمال إذ احتلت المرتبة 32 من ضمن نفس المجموعة.

ويأتي حدث تصدر تونس قائمة الدول العربية التي تتمتع بمستوى عيش جيد حسب التصنيف السنـوي لمرصد جـودة الحيـاة في العالم انترناشيونال ليفينغ ليقوم شاهداَ آخر على الأشواط الكبيرة التي قطعتها البلاد في مجال الارتقاء بظروف العيش وتحسين نوعية الحياة.

فتقدم تونس الشامل في مختلف أوجه الحياة والذي تترجمه المؤشرات التنموية ذات الدلالة بالخصوص على تحسن نوعيّـة الحياة في سائر جهات البلاد يعد اليوم مثار اهتمام لدى الهيئات العالمية المتخصصة لأسباب عديدة.

فالتصنيفات الجديدة تصدر تواصلاَ مع سلسلة تصنيفات سابقة من ضمنها ترتيب تونس الأولى مغاربياَ ضمن التقرير السنوي حول مناخ الأعمال الصادر عن البنك العالمي والمؤسسة المالية العالمية التابعة له يوم 10 سبتمبر ـ أيلول 2008، كما احتلت تونس المرتبة الثانية عالمياَ في مجال التحكم في النفقات العمومية، وسبقت بذلك عديد البلدان المتقدمة وفقاَ لتصنيف آخر أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في ضوء عملية استطلاع للآراء أجراها لدى 12297 صاحب مؤسسة في العالم.

وكانت تونس أحرزت سنة 2008 تصنيفاَ مشرفاَ في مجال التصرف الإداري الرشيد بترتيبها ضمن تقرير منتدى دافوس الاقتصادي الخاص بسنة 2008 الثانية عربياَ على مستوى شمال أفريقيا والشرق الأوسط في مجال تطور نظام الجودة وفى المرتبة 14 في مجال حياد الإدارة في مستوى اتخاذ القرارات من أصل 134 دولة متقدمة في ذلك على كل من اليابان وفرنسا وبلجيكا وايطاليا.

واحتلت تونس أيضا حسب نفس التقرير المرتبة 16 في مجال الحد من تشعب الإجراءات والتراتيب الإداريّـة متقدّمـة بذلك على كل من الدانمارك وكندا وفرنسا وأسبانيا.

وتنطوي مجمل هذه التصنيفات وغيرها الصادرة عن هيئات مشهود بحيادها على رسالة ذات دلالات بالغـة، فهي تترجم بالنسبـة إلى التونسيين صواب الخيارات الوطنية التي من ثوابتها الترابط الوثيق بين الأبعـاد السياسيّـة والاقتصاديّـة والاجتماعيّـة والتي أتاحت بلوغ ما تحقق من نتائج في كنف الاستقرار السياسي والاجتماعي.

ويتزامن صدورها مع استكمال انجاز الأهداف الطموحة التي رسمها الرئيس زين العابدين بن على ضمن برنامجه الانتخابي لتونس الغد 2004ـ 2009 ومع بداية تنفيذ برنامجه "معا لرفع التحديّات" للفترة 2009-2014 والتي تمحورت أهدافه حول الارتقاء بتونس إلى مرتبة البلدان المتقدّمة مع ما استوجبه ذلك من وضع الخطط والآليات المناسبة للتنفيذ ومن متابعة يومية لمجمل الملفات القطاعية والتنمية بالجهات، ومن تجليات تجسيم هذه الأهداف توفق تونس في تكريس التعددية السياسية التي أضحت اليوم واقعاَ ماثلاَ بفضل تحديث التشريعات ووضع القواعد للممارسة الديمقراطية والتعبير عنها ضمن المؤسسات وصلب الفضاءات الإعلامية العمومية والخاصة التي تتيح حرية طرح البدائل والاستماع إلى الرأي والرأي الآخر.

ومن مظاهرها أيضا الصحوة الكبيرة التي يعيشها المجتمع المدني نتيجة تعدد الجمعيات كفضاءات للعمل والتطوع وإحياء ثقافة التفتح والاعتدال والتسامح وتقدم البلاد في بناء المجتمع المتضامن بفضل إذكاء قيم التآزر والتكافل.

فالمواطن يبقى منطلق العمل الإنمائي وغايته الأولى ضمن المقاربة الحضارية للرئيس زين العابدين بن على الذي رتّب الارتقاء بأوضاع التونسيين وتحسين ظروف عيشهم في طليعة مقاصد السياسة التنموية من منطلق القناعة بان التنمية العادلة هي الأرضية التي تتعزّز بها مقومات الكرامة وتتدعّم بها عوامل الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي.

وتبرز المؤشرات المحققة في المجال الاجتماعي منذ 1987 التوصل إلى توسيع مظلة التغطية الاجتماعية إلى حدود 95%، بينما بلغت التغطية الصحية بالأطباء نسبة طبيب لكل 840 مواطن وتحسّن جودة التعليم بفضل ارتفاع نسبة التأطير إلى معلم لكل 17 تلميذاَ.

كما ارتفعت نسبة ارتياد المؤسسات الجامعية البالغ عددها 192 مؤسسة والتي تعد اليوم نحو 380 ألف طالب وطالبة في مراحل التعليم العليا.

وارتفعت نسبة العائلات المالكة لمسكن إلى حدود 80%، وفى هذا السياق أيضا تركزت العناية على تحسين إطار عيش سكان الأحياء الشعبية المحيطة بالعاصمة والمدن الكبرى من خلال تدخلات صندوق التضامن الوطني لتشمل 56 حياَ يقطنها حوالي 200 ألف ساكن في الفترة 2009ـ 2012 وذلك استكمالاَ للتدخلات التي استفاد بها 166 ألف ساكن في 26 حياَ خلال سنوات 2007ـ 2009.

وتخصص تونس نسبة 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي لمختلف الجوانب المتصلة بحماية البيئة.

وفيما يتعلق بمؤشر جـودة الحيـاة، تبوأت برامج المحافظـة على الموارد الطبيعية وضمان استدامتها مكانة متميزة في اهتمامات الدولة، حيث تمّ إرساء شبكة للمناطق الطبيعية المحمية ومتابعتها وتثمينها تضم 24 منطقة محميـة وتسنى بلـوغ نسبـة 16% من الغطاء النباتي الغابي والرعوي.

وتدعّمت نسبة الربط بشبكة التطهير لتبلغ 88% بفضل انجاز شبكة هامة للصـرف الصحّـي و100 محطة تطهيـر تساهـم في معالجة 230 مليون متر مكعب من المياه المستعملة سنوياَ.

كما تبرز المؤشرات في البنية الأساسية بالخصوص مدى تقدم تونس في انجاز الطرقات السيارة حتى تستجيب للمواصفات العالمية الحديثة، وتسهم في تعزيز القدرة التنافسية للإنتاج والربط بين سائر جهات البلاد والرئيس بن علي عازم على أن تبلغ شبكة الطرقات السيّارة 1500 كم في المدى القريب.

وانصرف الجهد أيضا لتيسير النفاذ إلى التكنولوجيات الحديثة، حيث تجاوز عدد مستعملي شبكة الانترنت 4 ملايين عام 2010.

وتحمل هذه المؤشـرات رسالة واضحة موجهة للمستثمريـن في العالم للتأكيد على ما توفره الوجهة التونسية من مناخ ملائم للاستثمار والإنتاج ومن عوامل الاستقرار السياسي والاجتماعي.

فالتحوّلات النوعية العميقة التي عرفتها تونس سواء من حيث الأداء المطرد لقطاعات النشاط الاقتصادي أو على مستوى سلامة المناخ الاجتماعي إلى جانب محيط الأعمال المحفز عززت جميعها حجم الاستثمارات الخارجية المباشرة التي تطوّرت من 100 مليون دينار عام 1986 إلى 2.3597 مليون دينار عام 2008.

ويتزايد في تونـس اليوم عدد المؤسسـات الأجنبيّـة العاملة في كل القطاعات ولا سيما في الميادين ذات القيمة المضافة العالية والتي يبلغ عددها حوالي 3000 مؤسسة أجنبية مكنت من إحداث 287 ألف موطن شغل قار، إضافة إلى عديد الشركات الكبرى الإقليمية والعالميّة التي توسع أنشطتها مستفيدة مما توفره البلاد من حوافز ومزايا تفاضلية ومن كفاءات وخبرات في جميع الاختصاصات.

لقد اعتمدت تونس في عهد الرّئيس بن على إصلاحاَ شاملاَ كرّس حق الجميع في مقوّمات العيش الكريم، واستبعد به المجتمع خطر الفوارق بين الفئات والجهات واستوفت معه البلاد مقوّمات البلد الصاعد وفتحت به آفاق التطلع إلى الانضمام لنادي البلدان المتقدّمة.

وبقدر ما تمثل التصنيفات والشهادات الدولية حول نجاحات تونس مبعث اعتزاز للتونسيّين فهي أيضا مدعاة لمزيد المثابرة من أجل رفع التحديّات المطروحة على أكثر من صعيد.

ولم تكن مثل هذه الشهادات مجاملة بل هي نتيجة لنجاح النموذج التونسي الذي غالب صعاب التقلبات العالمية ليدعم حضور تونس الاقتصادي ويحقق من المكاسب ما يحق للتونسيين الاعتزاز بها، فنسبة النمو راوحت سنوياَ على مدى العشريتين الماضيتين بين 4 و5% ومعدل الدخل الفردي بلغ 6032 ديناراَ، كما توسّعت الطبقة الوسطى لتشمل حوالي ثلثي المجتمع.

وتحوّلت تونس إلى وجهة استثمارية وسياحية مفضلة، ويزورها سنوياَ أكثر من 7 ملايين سائح تغريهم تونس بمشاهدها الطبيعية وبثرائها الحضاري ولكن تغريهم أيضا بتسامح أهلها وباستقرارها السياسي والاجتماعي.

أما المرجعية الثالثة من مرجعيات المقاربة التونسية في تفعيل مقومات نظامها الجمهوري فإنها تتمثل في انتهاج رؤية ثقافية واعية بإفرازات تيارات العولمة، حيث أكد الرئيس بن علي في أكثر من مرة انه لا معنى للحضور الاقتصادي في عالم اليوم في غياب الحضور الثقافي، وبمعنى آخر فانه لا معنى للوجود المادي في غياب الوجود الحضاري، ذلك أن الاستثمار في المجالات الاقتصادية يحتاج إلى استثمار في المجال الثقافي.

التجربة التونسية تتأسّس على نظرة واعية بتفاصيل التحوّلات اليوم، وهي تحولات تؤكد أن ثروة الشعوب لا تختزل في مواردها الطبيعيّـة، وإنما تشمل أيضا مخزونها الثقافي والحضاري ومن لا يحصن نفسه ثقافيّـا يعجـز عن تحصينها سياسياَ واقتصادياَ، لذلك انتهج الرّئيـس بن علي سياسة ثقافية تأسست بالخصوص على مبادئ الحرية والتسامح والتضامن إيماناَ منه بان هذا الثالوث هو الذي يعطي للمشروع المجتمعي معناه وأبعاده الإنسانيّة في بلد حصّن استقلاله بنظام جمهوري يؤمن بدولة القانون والمؤسسات وبدور الأحزاب السياسية والمجتمع المدني.

لقد حقق عهد السابع من نوفمبر ـ تشرين الثاني التنمية الشاملـة بالاعتمـاد على نصفي المجتمع : الرّجـل والمـرأة التي نقلها الرّئيـس بن علي من مرتبة المساواة الكاملة مع الرجل إلى منزلة الشراكة الفاعلة.