بن علي: واقعية السياسة في جمع شمل العرب

تونس صوت عربي مسموع إقليمياَ ودولياَ

تونس ـ منذ مبادرته إلى إنجاز التغيير سنة 1987، اعتمد الرئيس زين العابدين بن علي إلى مقاربة سياسية متبصرة لما يشهده العالم من تحولات.

وقد استرجعت تونس منذ التغيير مكانتها الطبيعية في محيطيها الإقليمي والدولي انطلاقاَ من سياسة كرست أبعادها المتعددة بحكم انتمائها العربي والإفريقي والمتوسطي والإسلامي، وحرصها على الاضطلاع بدور فاعل في بناء نظام عالمي جديد يقوم على مبادئ الحرية والعدالة والسلم، ويرتكز على قيم التضامن والتسامح والحوار بين الحضارات.

وكانت هذه التوجهات مكوناَ من مكونات مشروع التغيير الحضاري الذي جعل من أهدافه الأساسية تعزيز حضور تونس الخارجي، وتمتين نسيج علاقاتها مع أشقائها وأصدقائها في إطار الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، والعمل على تكريس مقاربة جديدة للعلاقات الدولية تقوم على مبدأ النهوض بالإنسان وتوفير مقومات العيش له في كنف الاستقرار والأمن.

ومن هذا المنطلق كانت تونس دائما في طليعة المبادرين بحلول واقعية ومقترحات قابلة للتّنفيذ للتوصّل إلى قرارات عادلة ومتوازنة تكريساَ لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وأهدافه وخدمة لقضايا السلم والأمن في العالم.

ولأن تونس في عهد بن علي تؤمن إيماناَ راسخاَ بأن الشأن العربي هو في صدارة اهتماماتها، وبأن تقدّم البلدان العربية وخدمة مصالحها المشتركة يحتمان تضافر الجهود، فقد أولت العمل العربي المشترك عناية خاصة باعتباره الكفيل بمواجهة التحديات وكسب معركة الوجود وتأكيد الذات في عالم لا بقاء فيه إلا للتجمعات الإقليمية المتماسكة والمتضامنة.

وفي هذا الإطار لم تدخر تونس جهداَ في سبيل تفعيل دور الجامعة العربية ودعم المؤسسات المتخصصة التي تحتضنها كالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم واتحاد إذاعات الدول العربية والأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب والهيئة العربية للطاقة الذرية إلى جانب المشاركة الفاعلة في مختلف الاجتماعات والتظاهرات العربية والانخراط في المشاريع ذات الأهمية الإستراتيجية وفي مقدمتها منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.

وخلال كلمته في المؤتمر الاستثنائي لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة المنعقد في شهر أكتوبر ـ تشرين الأول 2010 بسرت، أكد الرئيس بن علي أن تطوير منظومة العمل العربي المشترك مشروع استراتيجي وحيوي بالنسبة إلى مستقبل الأمة العربية، ودعا إلى إيجاد أرضية اتفاق تضمن انخراط الجميع في تجسيمه والالتزام به، مع إيلاء البعدين الاقتصادي والاجتماعي ما يستحقانه من أهمية لتحقيق التكامل المنشود بين البلدان العربية.

وأضاف أن تطوير العمل العربي المشترك يندرج في إطار المسار الإصلاحي الذي أجمع على انتهاجه العرب منذ القمة العربية في تونس سنة 2004 باعتباره السبيل الأمثل لتحقيق ما تتوق إليه البلدان العربية من تطوير وتحديث وحثّ على إحكام التشاور والتنسيق بين القادة العرب من أجل الاهتداء إلى السبل الكفيلة بمواجهة التحديات الكبرى المطروحة على الأقطار العربية.

كما دعا الرئيس بن علي إلى تمتين علاقات الدول العربية مع دول الجوار على أساس الثقة وعدم التدخل في شؤون الغير، مرحباَ بإقامة حوار بنّاء معها في شكل منتدى أو منتديات تكون رافداَ لأطر الحوار القائمة، على غرار الحوار العربي الإفريقي، والحوار العربي الأوروبي، ومنتدى التعاون العربي التركي.

وبعد أن جدد دعمه الثابت للشعب الفلسطيني في نضاله المشروع من أجل استرجاع حقوقه الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته المستقلة على أرضه، أهاب الرئيس بن علي بالأطراف الدولية الفاعلة ولاسيما اللجنة الرباعية، أن تمارس مزيداَ من الضغوط على إسرائيل للحيلولة دون الاستمرار في سياستها الاستيطانية، وتهويد القدس، والتنكر للشرعية الدولية ومرجعيات العملية السلمية.

وأعرب الرئيس بن علي عن أمله في أن تؤدي المساعي الدولية الجارية إلى استئناف المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، حتى يتحقق الانفراج المنشود، ويتمّ التوصل إلى سلام دائم وعادل وشامل في المنطقة.

لقد عملت تونس على تنمية علاقاتها التجارية مع مختلف البلدان العربية فوقعت اتفاقيات للتبادل الحر معها على غرار المغرب ومصر والأردن وسوريا وهي اتفاقيات تقضي بتحرير التبادلات التجارية، ودفع نسقها إلى وتيرة أسرع، وفي ذات الاتجاه شجعت تونس على مزيد استقطاب المستثمرين العرب.

وانطلاقاَ من ثوابت سياستها في مساندة القضايا العربية العادلة وإحلال السلام في الشرق الأوسط، بذلت تونس ومازالت تبذل كل ما في وسعها لحشد الدعم للشعب الفلسطيني من اجل استرجاع حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وذلك في إطار احترام الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن وتطبيق مبدأ الأرض مقابل السلام.

ولما كانت وحدة الشعوب المغاربية مصيراَ محتوماَ، نزّلت تونس بناء المغرب العربي الكبير المكانة التي يستحقها باعتباره خياراَ استراتيجياَ، وأسفرت مساعي الرئيس زين العابدين بن علي في إطار تهيئة الأرضية الملائمة لبناء هذا الصرح عن عقد أول لقاء مغاربي في مستوى رؤساء الدول في زيرالدة في يونيو ـ حزيران 1988 على هامش مؤتمر القمة العربية الملتئم بالجزائر مما مهد الطريق لقيام اتحاد المغرب العربي في مراكش في 17 فبراير ـ شباط 1989.

أما على مستوى القارة الإفريقية فلا مبالغة في القول إن تغيير السابع من نوفمبر ـ تشرين الثاني1987 جاء ليصالح تونس مع هذا الفضاء ويعمق انتماءها إليه ويرسي قواعد أسلوب جديد في التعامل مع الشؤون الإفريقية.

ففضلاَ عن السعي إلى توطيد علاقات الصداقة والتعاون في الأقطار الإفريقية في مختلف المجالات وتيسير سبل الشراكة على صعيد القطاعين العام والخاص، حرصت القيادة التونسية على تفعيل العمل الإفريقي المشترك بما يكفل تعزيز التضامن بين البلدان الإفريقية إزاء مختلف التحديات التي تواجهها وتعبئة طاقاتها وثرواتها للنهوض بالإنسان وتخليصه من مآسي الفتن والحروب وحمايته من مظاهر التردي الاجتماعي وخاصة منها التهميش والفقر.

وفي سياق مزيد تكريس هذا الانتماء انضمت تونس إلى تجمع دول الساحل والصحراء باعتباره فضاء يساهم في توطيد علاقات التعاون والتضامن بين بلدان المنطقة ودعم التقارب والتواصل بين شعوبها. ويذكر للرئيـــس بن علي في هذا الخصوص سعيه الدؤوب لتخفيف وطأة المديونية على البلدان والشعوب الإفريقية وعمله على تمكنها من بلوغ نسق تنموي يخرجها من دائرة الفقر والاحتياج.

وعلى صعيد آخر مثل تفتح تونس على محيطها المتوسطي ركيزة أساسية في سياستها الخارجية ولا يخفى الدور الفاعل الذي تضطلع به في سبيل مد جسور التواصل والحوار بين بلدان ضفتي المتوسط وإشاعة ثقافة التسامح والتضامن في هذا الفضاء حتى يسوده السلام والاستقرار والأمن.

وقد كانت تونس حاضرة ولا تزال في مختلف اللقاءات والمنتديات التي تجمع بين دول الضفتين تكريساَ لمسار برشلونة ومن هذا المنطلق بادر الرئيس زين العابدين بن علي بإعادة الروح لفضاء الحوار خمسة زائد خمسة، وعمل خلال رئاسته لقمّة هذه المجموعة التي احتضنتها تونس في ديسمبر ـ كانون الأول 2003 من أجل بلورة وعي متوسطي مشترك بما يعكس تضامن دول غربي المتوسط العشر وخصوصية الشراكة التي تجمعها.

وكانت نتائج هذه القمّة متميّزة، رسّخت الخيار الأورو ـ متوسطي، وشكّلت منطلقا لدعم التعاون وعلاقات الشراكة بين ضفّتي المتوسط وعزّزت فرص تأسيس فضاء أوروبي متوسطي يأخذ في الاعتبار تشابك المصالح وترابط المصير.

وبالنظر لكون الاتحاد الأوروبي يعتبر الشريك الأول لتونس على صعيد التعاون والمبادلات التجارية عملت القيادة التونسية على مزيد تطوير العلاقات مع هذا الفضاء بما مكن من إبرام اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي سنة 1995، وقد كانت تونس أول بلد من الضفة الجنوبية للمتوسط يوقع على مثل هذه الاتفاقية التي تقضي بإنشاء منطقة للتبادل الحر بين الطرفين دخلت حيز التنفيذ منذ بداية السنة الجارية.

إن المتأمل في مقاربة تونس ورؤيتها للعالم بتحولاته ومتغيراته يلاحظ أن هذه المقاربة هي امتداد منطقي لسياسة داخلية أثبتت جدواها ونجاحها في معالجة قضايا الإنسان وتلبية تطلعاته وضمان حقوقه في الكرامة والانتفاع بثمار التنمية، وتعزيزاَ لهذه الرؤية الإنسانية دعا الرئيس زين العابدين بن علي إلى إحداث "صندوق عالمي للتضامن" لمقاومة الفقر والنهوض بالمناطق الأكثر بؤساَ في العالم، وقد تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا المشروع الإنساني ونوّهت بهذه المبادرة التي توفّر آلية تساهم في تكريس القيم الكونية من أجل مستقبل أفضل للإنسانية.

كما تعد مبادرة الرئيس بن علي بجعل سنة 2010 سنة دولية للشباب من ابرز المبادرات على المستوى الدولي باعتبارها تكرس بقيم الحوار ومد الجسور بين مختلف شباب العالم وهي مبادرة تعكس أيضا جهود الرئيس بن علي في نشر ثقافة التسامح والتعايش بين شباب العالم من مختلف البلدان، خاصة في مثل هذا الظرف الذي يمر به العالم حيث تتهدده أصوات التطرف والعنصرية والإرهاب.

وفي كلمة توجه بها إلى شباب تونس بمناسبة انطلاق الاحتفالات بالسنة الدولية للشباب يوم 12 أغسطس ـ آب 2010 دعا الرئيس بن علي شباب تونس إلى ربط جسور المودّة والحوار مع الشّباب من مختلف الحضارات والثّقافات وإلى تبنّي علاقات احترام متبادلة، قوامها التّفاهم والتّعايش والوفاق والتّسامح، بعيدا عن كل أشكال التّعصب والكراهية والعنف والتطرّف.

وقال بن علي في "نريدكم أن تشيعوا مع شباب العالم، مقوّمات الخير والسّلام والأمان والاطمئنان" مؤكداَ أنّ المستقبل لا يبنى إلاّ بالشباب، ومعه، ومن أجله، وأعرب عن أمله بأن يكون مستقبل العالم ، أكثر توازنا وعدلا، وأقوى تماسكا وتضامنا، فيعمّ الأرض السّلام وتغمر القلوب المحبّة.

وأعلن بن علي أن تونس أعدت برامج كبرى ثريّة المحتوى، متنوّعة المضامين وأنها ستشارك بوفود شبابيّة في عدّة تظاهرات دوليّة.

وينعقد خلال هذه السنة المؤتمر الدولي للشباب بمشاركة وفود شبابية من كافة بلدان العالم، وينتظر أن يصدر عن المؤتمر ميثاق دولي لشباب العالم يعبر فيه عن مشاغله وتطلعاته ويلتزم فيه على جملة من القيم منها الحوار والتضامن والتسامح ونبذ كل أشكال التطرف والتهميش.

وكان الرئيس بن علي حثّ لدى افتتاحه الندوة الدولية حول "الشباب والمستقبل: تحديات الواقع، تعزيز القدرات وآليات المشاركة" التي احتضنتها تونس في شهر يناير ـ كانون الثاني 2010 كل الدول والمنظمات والوكالات الأممية المختصة كي تشارك في الاحتفال بالسنة الدولية للشباب وأن تعدّ برامج عملية شاملة، تفتح أمام الشباب المجال رحبا للنشاط والإبداع، وتوسع معهم فرص الاستشارة والحوار، في كل الميادين التي تهم عصرهم وعالمهم.

وحذّر أن "من أفدح الأخطاء التي ترتكب بحق الشباب، تجاهل مشاغلهم وطموحاتهم، وزجهم في خلافات عقائدية ونزاعات عرقية وطائفية، وتعبئة نفوسهم بمشاعر الكراهية والحقد والعنصرية، والتهاون بسيادة الوطن إلى الحد الذي يورث الأجيال الصاعدة التبعية والهوان، واتخاذ قرارات خطيرة وغير محسوبة، من شأنها أن تسد الآفاق أمام الشباب وتدمر مستقبلهم".

كما نبّه إلى أن من أشد الاختلالات العالمية وقعا في نفوس الشباب، ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية، وتعدد الفوارق المجحفة بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية، وتفاقم نزعات التطرّف والعنف والإرهاب، واستفحال مظاهر الفقر والجوع والمرض، واتساع رقعة الأزمات والصراعات والفتن.

وتعكس مبادرة الرئيس بن علي بجعل سنة 2010 سنة دولية للشباب نجاح السياسات والخيارات التي انتهجتها تونس منذ 7 نوفمبر ـ تشرين الثاني 1987 لفائدة الشباب، حيث حظيت هذه الفئة بالأولوية في المخططات التنموية وفي الإصلاحات السياسية والاجتماعية.

وتعتبر مصادقة منظمة الأمم المتحدة على مبادرة الرئيس بن علي اعترافا بصواب المقاربات وريادة المبادرات التي ما انفك يتّخذها الرئيس بن علي والتي عززت إشعاع صورة تونس في المحافل الدولية.

كما يعتبر هذا الإجماع الأممي تثمينا لما يوليه الرئيس بن علي من عناية متميّزة للشباب وتنشئته على القيم الكونية بما يجنبه مخاطر الإقصاء والتهميش والتطرف وبما يعزز دوره في الحياة العامة.

ويعد احتضان تونس سنة 2005 للمرحلة الثانية من القمّة العالمية لمجتمع المعلومات من العناوين البارزة لرصيد الثقة الذي تحظى به في المحافل الدولية، وتتويجاَ للمبادرة التي قام بها الرئيس زين العابدين بن علي سنة 1998 في مدينة "مينيابوليس" الأميركية عندما دعا إلى قمّة عالمية تنظر في الفجوة الرقميّة بين دول الشمال ودول الجنوب انطلاقا من إدراكه أنّ "الفجوة الرقميّة هي فجوة تنموية، وهوّة تعوق الحوار بين الحضارات قبل أن تكون فجوة تكنولوجية".

ولا شك في أن الإشعاع المتزايد الذي اكتسبته تونس في محيطها الإقليمي وعلى الصعيد العالمي وما تلقاه مقارباتها الإنسانية للعلاقات الدولية من تجاوب عميق لم يكن له أن يتحقق لولا النجاحات والمكاسب التي تحققت على الصعيد الداخلي منذ 7 نوفمبر ـ تشرين الثاني 1987 بما جعل تونس أنموذجا للتنمية المتوازنة والاستقرار وصوتاَ مسموعاَ إقليمياَ ودولياَ.