بن علي: البر ببورقيبة ورعاية مزالي

لندن - بقلم: أحمد عبدالله
تمجيد دور بورقيبة في أول بيان للتحول، ورعاية طوال حياته وتكريم بعد الرحيل

قليلة هي الدول التي تكسب سياساتها ومقارباتها مسحة من الإنسانية، وأقل منها قادة الدول الذين يعتمدون البعد الإنساني جزءا من سياساتهم، فما بالك أن يجعلوا من ذلك البعد عنصرا ثابتا في تلك السياسات.
أفلا يقولون عادة إن السياسة مصالح، وأنه لا علاقة للمصالح بالأخلاق أو بالإنسانيات؟
فتلك هي قاعدة العمل في سياسات الدول.
لذلك، ودون أن نشير إلى الأنظمة المتسلطة، فإننا كثيرا ما نرى أن الرابحين في الانتخابات في ما يعرف بالديمقراطيات، سرعان ما ينقلبون على ناخبيهم في ما وعدوهم به على المستوى الإنساني، ليبقوا تحت ضغط مصالح الشركات الاقتصادية أو التنظيمات ومراكز القوى المرتبطة بتلك المصالح أو بأقليات النفوذ.
لكن وفي هذه العتمة من ضيق الأفق الإنساني في السياسة نجد استثناء..
هو استثناء بكل المقاييس، وفي كل الأحوال، لأن السياسة وأعباء الحكم لم تلغ أو تؤثر في ما طبع فيه من جبلّة أخلاقية وحنو ووفاء واحترام للذات البشرية وتفاعل مع حاجياتها، بآلامها وأفراحها وأتراحها وأحلامها وطموحاتها.
ذلك هو رئيس تونس زين العابدين بن علي.
بن علي الذي خبرنا، وقبل ارتقائه للحكم سنة 1987، ميزاته الأخلاقية وعمق إحساسه وشعوره بالإنسان، في أية حالة كان، زادت تلك الميزات تألقا وهو يمارس الحكم على مدى ربع قرن من الزمن. لسبب بسيط وهو أنها سمة وميزة متأصلتان فيه، وصفة من صفاته الأخلاقية.
فقد كان بن علي وبقي إنسانيا إزاء الحالة السياسية، وإزاء حالة شعبه، فقط لأن الإنسان بكل همومه ومعاناته هو العنصر القار والثابت في قلبه، وليس مجرد عنصر من العناصر.
وفي السياسة يمكن أن نلحظ أسلوبه الراقي والمعاملة الرفيعة لرجال الدولة واحترام لماضيهم وعطائهم لتونس.
ولعل آخر شواهد ذلك ما كان منه من رعاية وعناية بالوضع الصحي للوزير الأول الأسبق محمد مزالي. فقد أذن وبمجرد أن بلغه ما يواجهه مزالي من وضع صحي حرج بنقله مباشرة للعلاج وإجراء عملية جراحية بفرنسا على نفقة الدولة، وان يكون تحت المراقبة الدائمة لتأمين حاجياته. ثم كان تحت المتابعة المباشرة والمستمرة من قصر الرئاسة للاطمئنان على تطور وضعه.
قد يسأل سائل: وما الغرابة في ذلك؟ ومثل هذا السائل لا يعرف حتما التاريخ الحديث لتونس. ولو عرف لكان تذكر أن محمد مزالي كان من أشد من اتخذ موقفا معارضا للرئيس بن علي، وكانت له مواقف وتصريحات سياسية وسجالات صحفية أطلقها من باريس حيث كان يقيم، قبل أن يعود إلى تونس منذ سنوات قليلة. ومع ذلك فإن بن علي لم يلتفت لكل ذلك، بل رعاه حتى وهو في منفاه الاختياري فلم يقدم على أية خطوة تبعده عن منصبه في اللجنة الأولمبية الدولية، وأعاد له منزله بضاحية سكرة وجراياته التي سبق تجميدها، ولم يمنعه من إطلاق المواقف السياسية حتى في الداخل، وها هو اليوم يرعاه، كما رعى غيره من رجالات السياسة والفكر والاجتماع والاقتصاد والإبداع.
وفي السياسة أيضا يذكر التاريخ، ويذكر التونسيون تلك المعاملة الكريمة التي عومل بها زعيم تونس والرئيس السابق الحبيب بورقيبة من قبل خلفه الرئيس بن علي منذ اليوم الأول للتغيير السياسي الذي حدث بتونس يوم 7 من نوفمبر 1987 والذي جاء بزين العابدين بن علي لسدة الحكم.
وعلى خلاف ما عرفته تقاليد السياسة الدموية في الكثير من البلدان، والتي تلغي وجود السلف وتنفي إنجازاته وأمجاده لفائدة القادم الجديد، أكرم الرئيس بن علي الرئيس بورقيبة فمجّده في البيان التأسيسي للتحول، وأعلى قيمة ما قدمه لتونس وأثنى عليه، ثم تولاه بالرعاية والعناية بما أبقى على قيمته وقدره كرئيس دولة، وكثيرا ما كان يتحول إلى مقر إقامته بمدينة المنستير ليطمئن على صحته ومتطلباته.
ومنذ اليوم الأول كان الزعيم الحبيب بورقيبة يتصرف بذات الشموخ الذي كان عليه طوال حياته كقائد للمقاومة الوطنية وزعيم سياسي وأول رئيس لتونس.
وعند وفاته حظي الرئيس بن علي بهالة من التكريم والتبجيل التي تليق برئيس دولة، وأقيمت له جنازة مهيبة حضرها رؤساء دول وشخصيات عربية ودولية سياسية وفكرية مما كانت تكن المحبة والاحترام للرئيس التونسي السابق.
فهل كان بورقيبة سيحظى بهذا التكريم والتبجيل لو كان الأمر في غير يد زين العابدين بن علي؟ شخصيا أشك في ذلك كثيرا.
أما على المستوى الاجتماعي فالحديث يطول أكثر منه في السياسة، ولكن يمكن القول أن مجرد تمكين أكثر من مليون ومائة ألف مواطن من الخروج من دائرة الفقر والتهميش في ظرف زمني وجيز ما كان ليتم لو لا هذا العمق في البعد الإنساني لفعل الرئيس بن علي.
ولو لم يكن بن علي حقا إنسانيا في ممارسته للحكم ما كنا في تونس لنرى مرافق مياه الشرب والكهرباء والمدارس والطرقات لتصل أكثر من عشرة بالمائة من سكان تونس في سنوات قليلة، وما كنا لنرى هذه الإحاطة بالتونسيين في مجال العلاج من توفير الدواء وهياكل الصحة وتكفل المؤسسات المتخصصة بالجزء الأكبر من كلفة العلاج، وما كنا لنرى حماية للمطلقات وأبنائهن وتأمين الحياة الكريمة لهن.
كل ذلك باعتماد آليات تم استحداثها فقط من أجل توفير الحياة الكريمة وتأمين متطلبات ومستلزمات حاجيات الفرد في أي موقع كان أو جهة أو منطقة.
هذه الروح التي تميز بن علي وتجعله قريبا للإنسان حانيا عليه يحس بإحساسه ويتألم لألمه، لم تكن مجرد ظاهرة في السياسة في تونس ولكنها بالفعل كانت قبل التحول وبقيت بعد التحول ميزة متأصلة فيه، وصفة لم تنقطع عنه بل لعلها زادت توهجا وتألقا.
وهذه فضيلة سياسية وإنسانية تحسب لتونس.