بن جعفر يخرج عن صمته، يساند الجبالي لسحب البساط من تحت أقدام تيار الغنوشي

حشد انصار التكتل الديمقراطي لدعم مبادرة الجبالي

تونس ـ اختار زعيم التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات ورئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر عشية استئناف مفاوضات الأحزاب السياسية بشأن مبادرة رئيس الحكومة حمادي الجبالي بتشكيل حكومة تكنوقراط لحشد أنصاره داعيا إياهم لـ"دعم المبادرة" من أجل "سحب البساط من تحت أقدام تيار رئيس حركة النهضة المتشدد الذي يسعى إلى إشعال فتيل الانقسامات" في المجتمع التونسي.

وأكد بن جعفر في خطاب ألقاه الأحد أمام الآلاف من أنصاره بمدينة صفاقس على أن حزبه يساند "تشكيل حكومة تضم كفاءات وطنية وعددا من الرموز السياسية ذات الكفاءة لتكون همزة وصل بين الحكومة والقوى السياسية" مشددا على "ضرورة أن تكون وزارات السيادة محايدة ومستقلة عن الأحزاب السياسية" بما فيها حركة النهضة الحاكمة.

وحذر من خطر التراجع عن هذه المبادرة التي تعد "التزاما وطنيا ودوليا كبيرا وتشكل خطوة جريئة في كسر منطق التمسك بالسلطة"، غير أنه اعتبر أن "وجود قاعدة سياسية في الحكومة، مسألة أساسية وضرورية".

واعتبر زعيم الحزب العلماني الذي يعتبر الشريك الأول للنهضة أن من أبرز مزايا مبادرة حمادي الجبالي هو "سحب البساط من تحت أقدام من يسعى إلى إشعال فتيل الانقسامات الذي يظهر بشكل لا يخلو من خطورة" في تلميح واضح إلى موقف رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي الذي يقود تيارا متشددا يرفض المبادرة والانفتاح على القوى الوطنية والديمقراطية.

ويعتبر تصريح بن جعفر الأول من نوعه وخروجا عن صمته الذي كثيرا ما واجه انتقادات لاذعة من الأحزاب السياسية المعارضة لكونه لم يعلن صراحة وبوضوح مساندته لمبادرة الجبالي التي يعتبرها الفاعلون السياسيون "مبادرة رجل دولة شجاعة تستوجب المساندة" في ظل ضغوطات كبيرة يمارسها راشد الغنوشي الذي يتشبث بـ"حق النهضة وشرعيتها في الحكم بمفردها".

وتأتي دعوة بن جعفر أنصاره إلى مساندة مبادرة الجبالي ردا على تأكيد راشد الغنوشي السبت في تظاهرة نظمها أنصاره بشارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة بان النهضة "لن تفرط في السلطة" معتبرا قرار رئيس الحكومة الذي يشغل أيضا أمينا عاما للنهضة، تشكيل حكومة تكنوقراط غير متحزبة "انقلابا على شرعية الحكومة" الحالية.

وجددت حركة النهضة الاسلامية الحاكمة في تونس الاثنين رفضها قرار رئيس الحكومة حمادي الجبالي الامين العام للحركة، تشكيل حكومة تكنوقراط غير حزبية لإخراج البلاد من ازمتها.

واعلن مجلس شورى حركة النهضة في بيان ان "مبادرة حكومة التكنوقراط لا تستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة".

وقال انه "يتمسك بخيار الحركة في تشكيل حكومة سياسية ائتلافية مستندة الى شرعية انتخابات 23 تشرين الاول/اكتوبر 2011" التي فاز فيها النهضة.

ويحاول الغنوشي خلال هذه الفترة تفعيل دور أنصاره المتشددين من أجل إفشال مبادرة الجبالي التي تحظى بمساندة الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

ووصف الحبيب خذر المقرب من الغنوشي والنائب بالتأسيسي مبادرة الأمين العام للنهضة بتشكيل حكومة تكنوقراط بأنها "انقلاب على شرعية النهضة في الحكم" وتوعد بلهجة صارمة أن "أي حكومة لا يمكن أن تباشر مهامها ما لم يصادق عليها المجلس التأسيسي" الذي تهيمن عليه النهضة.

وحاولت النهضة استخدام الشارع للضغط على حمادي الجبالي ودعت تيارها المتشدد للتظاهر يوم السبت الماضي غير أنها فشلت إذ لم يشارك في المظاهرة سوى حوالي 2000 شخص الأمر الذي زاد من تأييد التونسيين لحكومة تكنوقراط تحظى بتوافق سياسي وتنأى بالحقائب الوزارية عن المحاصصة الحزبية كما تضمن تحييد وزارات السيادة.

ودعا بن جعفر إلى تفادي التجاذبات والمحافظة على ما أسماها بـ"المكاسب الايجابية لمبادرة رئيس الحكومة" كقاعدة ضامنة للخروج من الأزمة، واقترح أن تكون الوثيقة التي قدمها رئيس الحكومة إلى الأحزاب السياسية خارطة طريق للمرحلة القادمة تبدأ بتشكيل الحكومة ثم تؤسس لحوار وطني شامل وتعالج مختلف الملفات والاستحقاقات السياسية والاجتماعية الحارقة.

وردا على راشد الغنوشي شدد زعيم التكتل أن "مسالة الالتزام بالشرعية والمحافظة عليها أصبحت اليوم شأنا مشتركا بين جميع أطراف الطيف السياسي" بما فيهم الأطراف التي دعت للتنكر إليها في عديد المحطات السياسية.

ويرى الغنوشي أن النهضة "تمتلك شرعية حكم البلاد" وهو ما يخول لها دون سواها "تشكيل الحكومة وتعيين من تراه من الوزراء".

غير أن مبادرة الجبالي للخروج من الأزمة كسرت هذا المنطق لتجعل من تشكيل الحكومة شأنا وطنيا يترفع عن الاعتبارات الحزبية.

ونوه بن جعفر بجهود حمادي الجبالي ملاحظا أن "التقييم الموضوعي للعمل الحكومي لا بد أن يعترف بأنه تم تحقيق الأمن والاستقرار بشكل إجمالي ونسبي وهو ما جسمه إقبال 6 ملايين سائح على تونس، وقال إن "الاخلالات والنقاط السلبية المسجلة يجب ان تتحملها كل الأطراف داخل السلطة وخارجها".

وبرأي قادة أحزاب المعارضة التي تتمتع بثقل سياسي وقاعدة شعبية فإن مبادرة حمادي الجبالي تعد "الحل الأمثل" للخروج من الأزمة التي تتخبط فيها البلاد وتهدد بانهيار مؤسسات الدولة.

فقد أكد الباجي قائد السبسي زعيم حزب حركة نداء تونس بأنه "لا يوجد بديل آخر لمبادرة الجبالي باعتبارها خطوة على الطريق الصحيح" ورفض تمسك حركة النهضة بـ"حكومة ائتلاف سياسي" لأنها لن "تحل الأزمة التي تعيشها البلاد".

من جهته يقود زعيم الحزب الجمهوري أحمد نجيب الشابي جهودا ومشاورات مع مختلف الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني من أجل حشد التأييد الواسع لمبادرة حمادي الجبالي التي يرى فيها "مبادرة شجاعة لرجل دولة انحاز إلى منطق الدولة على منطق حزبه، حركة النهضة".

وينتظر أن تستأنف المفاوضات بشأن مبادرة حمادي الجبالي الاثنين، فيما قال عدد من قادة الأحزاب الذين شاركوا في الجلسة الأولى للمفاوضات الجمعة أن "هناك تقدما وجدية وصراحة".

وكان الجبالي اعلن قراراه تشكيل حكومة تكنوقراط ساعات قليلة بعد اغتيال شكري بلعيد من أجل تجنيب البلاد خطر "الفوضى" و"العنف".

ويرى المراقبون أن المفاوضات ستقود إلى "نوع من التنازلات" في إطار توافق تؤدي إلى إعلان "حكومة تكنوقراط مدعمة بكفاءات سياسية" مع تحييد وزارات السيادة عن أي حزب من الأحزاب لتتولاها شخصيات وطنية مستقلة.