بنية الخطاب الطائفي في اليمن الجمهوري<br>قراءة في النسق الاجتماعي والسياسي

مع قيام النظام الجمهوري في القسم الشمالي من اليمن جراء إعلان بعض الضباط اليمنيين الثورة على حكم الإمام محمد البدر في 26 من شهر سبتمبر عام 1962م، بدأت مسيرة طويلة من الحرب الأهلية بين أنصار المملكة المتوكلية اليمنية ومؤيدي الثورة اليمنية من مختلف القبائل والفئات والشرائح الاجتماعية في اليمن.

على الصعيد الإقليمي لم ينج اليمن من التدخل الخارجي الذي ابتدأ مع تدخل القوات المصرية على عهد الرئيس جمال عبد الناصر لدعم قوى الثورة والتغيير في اليمن وفق رؤية الحكومة والإعلام المصري في حينه، التي أعلنت ثورتها على قوى الرجعية والتخلف المتمثل في حكم المملكة المتوكلية اليمنية وغيرها من الممالك العربية في وقته.

على أن الأمر في اليمن لم يقتصر على محاربة الإمام محمد البدر وأسرته وأركان حكمه، كما لم يتوقف الصراع عند حدود زمنه التاريخي فقط، بل أخذ الصراع بعدا أعمق، وشمل مساحة اجتماعية أوسع، وبلغ حدا فكريا طائفيا لم تشهد له اليمن مثيلا في مختلف حقبها السياسية السالفة.

وفي هذا الإطار استهدفت قوى الثورة والتغيير بالنقد والهجوم عبر إعلامها وخطابها السياسي والفكري، الشريحة الاجتماعية التي ينتمي إليها الإمام محمد البدر وأسرته الحاكمة، وهي شريحة الهاشميين، واستهدفت بعض تلك القوى طائفته المذهبية بالتأجيج والتشويه، وكأن الثورة جاءت ليس لتنهي حكم نظام سياسي عرف باسم "المملكة المتوكلية اليمنية"، بل جاءت لتنهي حكما طائفيا وتلغي شريحة اجتماعية ينتمي إليهما عدد كبير من ضباط الثورة نفسها، وتلك هي المفارقة الغريبة في هذا النسق.

ويشير مطهر الإرياني في مقدمته لمذكرات الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني الصادر حديثا في مجلدين، إلى أن امتداد الحركة الوطنية في اليمن التي أسقطت حكم المملكة المتوكلية اليمنية عام 1962م، يعود إلى أواخر القرن الثالث الهجري، أي إلى عهد الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين المتوفى سنة 298هـ، الذي قدم إلى اليمن من الحجاز بدعوة من قبائل اليمن لمساعدتهم في مواجهة الحركة الإسماعيلية ذات البعد القرمطي، لاسيما مع داعيها علي بن الفضل الخنفري، المخالف بإجماع العلماء صريح الكتاب والسنة الصحيحة، بارتكاب كثير من المخالفات الشرعية التي تقيم عليه الحد، لكنه في نظر الأستاذ الإرياني ثائر متحرر يستحق الإشادة، لكونه محارب لنظام الإمامة.

وفي هذا يقول "وهي في نشأتها الأولى (يقصد الحركة الوطنية الحديثة) ظهرت كمقاومة شعبية وطنية، تناهض الدعوة إلى نظام الحكم الإمامي كنظام حكم مستفز للمشاعر الوطنية، فقارعته بالسلاح، ونازلته في ميادين الحروب والمعارك، وذلك خلال العقدين الأخيرين من عقود القرن الثالث الهجري الموافق لأواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر للميلاد"

وفي إطار آخر يثير مطهر الإرياني نوازع عصبية قديمة ليس لها أي أساس في اليمن، وليس للهاشميين على وجه الخصوص أي علاقة بها منذ ابتداء نشأتها في سياق الحكم الأموي، وهي قضية الصراع بين القبائل القيسية العدنانية، والقبائل اليمنية القحطانية.

حيث يعتبر الوجود الهاشمي في اليمن، الضارب بجذوره إلى أواخر القرن الثالث الهجري مع قدوم الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ابن الإمام القاسم الرسي، جزء من الصراع بين عرب الشمال وعرب الجنوب وفق تعبيره، حيث يقول "ولاشك أن ظاهرة (العصبية بين عرب الجنوب وعرب الشمال) التي استشرت في أقطار الإمبراطورية العربية الإسلامية من خراسان إلى بلاد الأندلس، وذلك منذ بداية العصر الأموي إلى ما بعده من العصور، قد جعلت الدعوة إلى نظام الحكم الإمامي الهدوي في اليمن، تبدو وكأنها لا تعدو أن تكون في أعين كثير من اليمنيين مجرد موجة من موجات التعصب القبلي الشمالي ضد اليمانية، جرتها المقادير أو دفعتها الرياح، لتغزو اليمن في أرضه وتحل على أهل اليمن في عقر دارهم وبين ظهرانيهم".

وحتما فإن في ذلك تجن كبير، واتهاماً خطيراً بأن الهاشميين الذين يمثلون عرب الشمال وفق تعبيره قد استهدفوا غزو اليمن، وجثموا على أهل اليمن محتلين أرضهم، ومستعبدين أهلها، وهو ما لا يقبله أي باحث يمني حر، ويرفضه كل اليمانيون الأحرار.

على أن محاولة الربط بين الهاشميين وقضية الصراع بين العدنانية والقحطانية، ليست وليدة أفكار مطهر الإرياني وإنما هي فكرة قديمة عمد إلى إثارتها قاسم غالب، حيث يذكر الشيخ سنان أبو لحوم ذلك في مذكراته بقوله "ويوم 12/10/1961م كنت في البيت متعبا فزارني قاسم غالب وتحدثت معه كثيرا، وكان عائدا من القاهرة وأثنى على البيضاني، وقال إننا غيرنا الفكرة إلى القحطانية والهاشمية، لأنها كانت مفيدة، فقد انتهت النعرة بين الشافعية والزيدية، وهو كان من دعاة ذلك".

أشير في هذا السياق إلى أن المجتمع في الشمال اليمني قد تميز بحفاظه على خصائص تقسيماته المجتمعية، الذي ينقسم إلى عدد من الشرائح التقليدية، المنتمية بجذورها إلى مرحلة ما قبل الصناعة والرأسمالية، وهي على النحو التالي:

1) شريحة السادة وهم الهاشميون بوجه عام.

2) شريحة القضاة وهم الطبقة العلمية سواء كان مرجعهم من فئة القبائل اليمنية، أو ممن يرجع بأصوله إلى العرق التركي ممن استقر به المقام في اليمن مع الوجود العثماني وإثر سقوط دولتهم.

3) شريحة القبائل وهم أبناء القبائل اليمنية من حاشد وبكيل علاوة على مذحج وحمير.

4) علاوة على شريحة التجار والصناع والحرفيين وأصحاب المهن التقليدية، الذين يقبع بعض منهم في قاع سُّلم درجات المجتمع بحسب ما تقتضيه مبادئ العرف الاجتماعي في اليمن .

**خصائص القوة والنفوذ في المجتمع اليمني تاريخيا

لقد اهتم علماء الاجتماع السياسي على وجه الخصوص بدراسة مناحي وخصائص القوة والنفوذ داخل أروقة مختلف المجتمعات التي تتميز عن بعضها البعض بخصائص متغايرة وفقا لسمات كل بيئة، فكان أن تنوعت أراءهم النظرية بتنوع مدارسهم الاجتماعية، ومبادئهم الأيدولوجية، ونظرتهم المعرفية، لترتكز تحليلاتهم لملامح القوة الاجتماعية ضمن ثلاث مسارات رئيسة تتمحور حول مفهوم النظرية التعددية، ونظرية الصفوة الحاكمة، ونظرية الطبقة المسيطرة.

وتفرض الأخيرتان منهما انخراط فئات المجتمع بشكل عام ضمن نمط تراتبي، تشكل مفاصله معطيات سياسية وثقافية صارمة، يصعب على المرء تجاوزها في عديد من المجتمعات، الأمر الذي لا تتطابق أشكاله كليا مع أشكال الحراك الاجتماعي والثقافي وحتى السياسي في اليمن، الذي تتشارك عناصر شرائحه الاجتماعية المتنوعة، بشكل أو بآخر، في تشكيل ملامح وسمات وخصائص القوة والنفوذ فيه، وعلى مختلف أصعدته الاقتصادية والثقافية والسياسية أيضا.

ويمكن تلمس أطر تلك القوة الاجتماعية ضمن خصائص بعض تلك الشرائح، كشريحة السادة وشريحة القضاة وشريحة القبائل، التي تبلورت قسمات قوتها ونفوذها وفقا لعدد غير قليل من المعطيات الدينية والسياسية والاقتصادية والعسكرية خلال قرون عدة، مما شكل المجتمع اليمني ضمن حالة من الفسيفساء الاجتماعي المتجانس تارة، والمتعارض تارة أخرى، بحسب طبيعة الأوضاع السياسية، وهوية الحكم السائد.

وهو ما يجعله متوافقا في جوهر كينونته مع آراء رواد النظرية التعددية للقوة من علماء الاجتماع السياسي، الذين يرون بأن القوة ليست محصورة في أيدي طبقة مسيطرة، أو صفوة حاكمة، بل هي منتشرة بين مختلف أركان فئات المجتمع بأكمله "حيث يكون لكل جماعة سياسية وزنها الخاص في حلبة صنع القرار السياسي" .

الأمر الذي تنعكس بموجبه أثاره الإيجابية على واقع الحال الاجتماعي لديهم، المتمثل في تأكيد فرض حالة السلم الاجتماعي بين مختلف شرائحه الاجتماعية من جهة، وتأكيد استمرار حالة التوازن المجتمعي بين مختلف تلك الشرائح في كثير من الفترات التاريخية السالفة من جهة أخرى.

خصائص القوة والنفوذ في المجتمع الجمهوري على أن ذلك لم يستمر وفق نسقه الموضوعي خلال العهد الجمهوري، حيث عمد قادة النظام إلى تركيز خيوط السلطة اجتماعيا في يد قوة واحدة من قوى المجتمع، بل وفي جانب من أحدها وهي قبيلة حاشد، التي سيطر كبار مشايخها على مواقع النفوذ والقوة في النظام الجمهوري لمناصرتهم إياه، في مقابل تهميش كثير من الشخصيات الوجاهية والمشايخ المعروفين في مختلف القبل الأخرى التي ناصرت النظام الملكي.

وبالتالي فقد فقدت النظرية التعددية التي قام عليها الحكم في اليمن طوال فتراته التاريخية السالفة أهميتها، ودخل المجتمع ضمن سياق آحادي سلبي أدى إلى ما يعيشه اليمن من حالة فوضى وانعدام لمفهوم الدولة في سياقات الذهنية الاجتماعية القبلية بوجه خاص.لكون الدولة قد باتت في نظر أولئك ومن خلال تعبيراتهم الصريحة مرتبطة ببعض مشايخ قبيلة حاشد وعلى رأسهم الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر.

على أن الأمر لم يقتصر على شريحة القبائل، بل امتد ليشمل فئة القضاة الذين لم يتضرروا كثيرا حيث ظلوا في موقعهم كحلقة مساندة للحكم الجديد، ويشمل فئة الهاشميين جملة الذين تعرضوا لحالة كبيرة من التهميش الكلي خلال المرحلة، وتم إغفال دورهم الكبير في قيام النظام الجمهوري والدفاع عنه سنة 1962م، بل وفي المشاركة الفاعلة والرئيسة في محاولات التغيير السابقة سواء في ثورة الدستور ضد الإمام يحيى حميد الدين سنة 1948م، أو في حركة 1955م ضد الإمام أحمد.

حيث تم في سياق تكريس حالة الإقصاء، ربطهم بالحكم الملكي عموما وبأسرة آل حميد الدين الحاكمة، وتعدى ذلك إلى ربطهم بدائرتي الإمامة والزيدية، اللتين ارتبطتا بالحكم الملكي في اليمن، ليصبح الغضب عليهما جزءا من الغضب على حكم الإمام يحيى حميد الدين وابنه الإمام أحمد وحفيده الإمام محمد البدر. وبالتالي سهل تشاكل كل تلك الدوائر في ذهن المستمع والقارئ العامي، لتتداعى تلك الصور دفعة واحدة في عقله حين الحديث عن أحدها.

فمثلا إذا جاء الحديث عن الإمام يحيى تداعت إلى ذهنه حقبة تاريخية طويلة من حكم الأئمة، التي تم وصمها في الخطاب الإعلامي بالكهنوت والرجعية، علاوة على ارتباطه بصورتي الهاشميين كعرق، والزيدية كطائفة، وإذا تم الحديث عن الزيدية برزت تلك الصور أمامه.

وهكذا فقد شكلت تلك الموضوعات دوائر متشاكلة في منحى غير سوي، الهدف منها تحجيم دور الهاشميين في اليمن، تلبية لغايات مختلفة، منها ما هو متعلق بحالة التطرف الفكري الواضح في ثنايا أفكار التيار السلفي الجهادي على وجه الخصوص، الذين تم تعزيز دورهم وتمتين وجودهم بشكل رسمي خلال حقبة السبعينات والثمانينات الميلادي، كما لم يقتصر هجومهم على المذهب الزيدي وحسب، بل امتد ليشمل بلهيبه كل المذاهب والأفكار المخالفة لهم بشكل عام سنية كانت أم شيعية، ومنها ما هو مرتبط بالتضارب المصلحي مع هذه الشريحة من قبل فئات بسيطة من بعض الشرائح الأخرى.

ملامح الخطاب الطائفي في الظام الجمهوري أمام هذه الرؤيا وهذا المنهج، تعرض الهاشميون كعرق والزيدية كطائفة إلى حملة إقصائية واسعة، تم تبنيها إعلاميا ومنهجيا بشكل موسع، ولا أتصور أن غضبة القاضي محمد محمود الزبيري تأتي من فراغ في كتابه "مأساة واق الواق" في محضر رفضه لكل تلك الممارسات العنصرية التي تعرض لها الهاشميون في اليمن منذ فترة مبكرة من عمر النظام الجمهوري حين قال "وأنا لا أعتبر الهاشميين إلا جزءا أصيلا من أبناء الشعب، لو نازعتني الدنيا كلها عليهم لقاتلت في سبيل الاحتفاظ بهم، كما أقاتل من ينازعني على جزء من أرض بلادي، وأعتبر هذا وذاك غاصبا معتديا أثيما".

لقد عكس هذا القول عمق حالة الإقصاء، بمحاولة البعض من أركان النظام الجمهوري إلغاء هوية شريحة الهاشميين وانتمائهم لليمن، على الرغم من عمق تواجدهم التاريخي، الذي يعود إلى الربع الأخير من القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي، حين هاجر الإمام الهادي إلى الحق يحيى المتوفى عام 298هـ/910م بن الحسين ابن الإمام القاسم الرسِّي إلى مدينة صعدة بطلب من بعض قبائل اليمن.

على أن الأمر لم يتوقف عند ذلك وحسب، بل عمل بعض الدارسين في عدد من الهيئات الأكاديمية الرسمية على التشكيك في صحة انتساب الذرية الهاشمية اليمنية إلى الإمام علي بن أبي طالب، حيث تطرق إلى ذلك أحمد قائد الصائدي في كتابه "حركة المعارضة اليمنية"، وتبعه نقلا عنه عبد الملك المقرمي في كتابه "التاريخ الاجتماعي للثورة اليمنية"، وغيرهم، اللذين أعادا أمر الانتساب إلى طبيعة الأوضاع السياسية التي قصرت تداول الحكم في دولة الأئمة على شريحة السادة فقط، مما سمح بحسب تعبير الصائدي، لكل طامح راغب في الوصول إلى السلطة، وتحقيق مختلف الامتيازات التي يتمتع بها السادة ضمن إطار المجتمع اليمني، من تدبر أمر الالتحاق سلاليا بهذا النسب بصورة غير شرعية، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن "كلمة سيد وهي كلمة عربية، قد اتخذت مدلولها السلالي على يد العناصر الفارسية التي اعتنقت التشيع، وهي وارثة تقاليد تقر هذا النوع من السيادة، فخلعت على السلالة الفاطمية هذه الصفة ومنحتها من التقدير ما كان يمنح في المجتمع الفارسي لسلالة الملوك".

وفي السياق ذاته يشير أخر إلى أن الهاشميين في اليمن قد حملوا لقب "سيد" من بعد اتصالهم بالدولة الزيدية بطبرستان .

تجدر الإشارة إلى أن فرضية التشكيك هذه قد بادر إلى تبنيها بدءا عدد من الباحثين الموالين للنظام الجمهوري خلال جذوة الحرب الأهلية الأولى بين نظام المملكة المتوكلية اليمنية والثائرين عليه، حيث أصدر قاسم غالب وهو من أركان المدنيين المؤسسين للنظام الجمهوري كتاب "ابن الأمير وعصره"، الذي ينكر فيه نسب أسرة آل حميد الدين إلى الذرية الهاشمية، على أنه في ذات الوقت قد كشف منذ فترة مبكرة عن نعرته العنصرية ورغبته في إثارة علائق الخلاف بين العصبية الهاشمية والعصبية القحطانية، خلال حواره في عدن سنة 1381هـ/1961م مع أحد أقطاب شريحة القبائل في اليمن وهو الشيخ سنان أبو لحوم، الذي أشار إلى ذلك في مذكراته بقوله "ويوم 12/10/1961م كنت في البيت متعبا فزارني قاسم غالب وتحدثت معه كثيرا، وكان عائدا من القاهرة وأثنى على البيضاني، وقال إننا غيرنا الفكرة إلى القحطانية والهاشمية، لأنها كانت مفيدة، فقد انتهت النعرة بين الشافعية والزيدية، وهو كان من دعاة ذلك".

وكان ذلك أيضا ما حاول إثارته الدكتور عبدالرحمن البيضاني خلال حقبته السياسية في اليمن بحسب شهادة الرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني، الذي عبر عن رفضه لمثل تلك الممارسات العنصرية والطائفية بقوله أن الدكتور البيضاني قد "..جاء ليفرق بين أبناء الشعب فيهاجم الهاشميين تارة، ويهيج الشافعية ويتباكى عليهم أخرى." مشددا على أن الهاشميين في اليمن كانوا يعانون مثل غيرهم من بؤس النظام الحاكم وسوء أحواله خلال عهد المملكة المتوكلية اليمنية.

كما لم يتوقف ذلك المنهج الإقصائي عند حد إلغاء الهوية اليمنية وتشكيك الانتساب للذرية الهاشمية، بل عمدت عدد من الدراسات الاجتماعية اليمنية الحديثة إلى قراءة مقومات ومرتكزات هذه الشريحة وفق منظور سياسي متوافق مع أدبيات الخطاب الإعلامي السائد في اليمن منذ الثورة اليمنية سنة 1962م ضد حكم آل يحيى حميد الدين.

حيث عمد عدد من الباحثين حين مناقشة أحوال شريحة السادة اجتماعيا إلى تضخيم بعض المظاهر الاجتماعية وعرضها في صورتها السلبية باعتبارها مظاهر خاصة بهم، ودون دراستها ضمن منظومة الأفكار والعادات والتقاليد لمختلف فئات اليمن وشرائحه.

ومن ذلك مسألة تحديد زواج الهاشمية من غير الهاشمي مثلا، الذي تتم مناقشته بشكل مبتسر دون مراعاة موضوع الكفاءة الشرعية بحسب رأي الفقهاء، ودون تطبيق ذلك على بقية أطياف الشرائح الاجتماعية اليمنية، التي تلتزم بقوانين الكفاءة الشرعية والعرفية، وفق ما فصله كثير من الفقهاء في مدوناتهم الفقهية .

على أن الزيدية قد فصلت الأمر بجعله مقرونا بموافقة الزوجة والولي، وتتوافق في ذلك شريحة السادة مع غيرها من شرائح المجتمع كشريحة القضاة وشريحة القبائل، التي تمتنع عن إتمام عقد الزواج لمن هو دونها في المنزلة الاجتماعية بحسب مقتضيات العرف والتقاليد، وهو ما يؤكده أحد أبناء المشايخ الباحثين وهو أبو غانم بقوله إن أي فرد قبيلي يعتبر "أن من الشرف الكبير له أن يزوج إحدى بناته إلى شخص ينتمي لعائلة ذات منزلة اجتماعية عالية "، ويكمل مبينا أنه "لا يستطيع أي شخص من فئة ذات منزلة اجتماعية دنيا كفئة (المزاينة) مثلا أن يتقدم لطلب يد امرأة قبيلية".

ومسألة الزي المخصص لشريحة السادة باعتبارهم علماء، حيث يتم انتقادهم به على الرغم من مشاركة شريحة القضاة لهم بشكل تام، ومسألة عادة تقبيل اليد والركبة، التي يمارسها المجتمع اليمني بأكمله، بل والمجتمع العربي المسلم، ضمن سياق إظهار حالة التأدب بين أفراده ولكبار السن وللعلماء.

ناهيك عن محاولة تأجيج المشاعر بمعلومات غير دقيقة ولا صحيحة، وتمس كيان المجتمع قبل أن تمس كيان فئة منه، كالقول بوجوب اعتدال الراكب عن ظهر دابته ونزوله للأرض حين رؤيته للهاشمي ماشيا على سبيل الخضوع، إلى غير ذلك من الأقاويل المسيئة للمجتمع اليمني بشكل عام قبل إساءتها لشريحة مخصصة منهم، على اعتبار ما ألصقته فيهم إجمالا من سلوكيات مشينة طابعها الذل والخوف والرهبة، وهو ما لا يتوافق مع طبيعة الشخصية اليمنية التي حاربت من أجل الحفاظ على حريتها وكرامتها، الأمر الذي يجعل الدارس يميل إلى تأكيد النبرة السياسية في مختلف تلك الدراسات الاجتماعية.

العجيب في الأمر أن حالة الإساءة إلى المجتمع اليمني في معرض تكريس حالة الإقصاء لشريحة الهاشميين لم تتوقف عند ما سلف، بل نجدها قد تعدت لتصل حد نفي وجود أي ثراء معرفي في اليمن خلال فترات حكم دولة الأئمة، حيث في هذا الإطار يمتلئ كتاب القاضي إسماعيل الأكوع "هجر العلم ومعاقله في اليمن" بكثير من المعلومات الخاطئة، والإيماءات المشوبة بنفس طائفي إقصائي، ومن ذلك ما أشار إليه في كتابه بأن الهاشميين قد عمدوا إلى احتكار المعرفة فيهم لغايات سلطوية كما يزعم حيث يقول "إن الجهل الذي كان سائدا بين القبائل وهم السواد الأعظم في اليمن، هو من صنع الحكم الإمامي، وقد وضع وفق خطة مدروسة ليبقى الشعب جاهلا فلا يعرف شيئا في الوجود غير حكم الأئمة ووجوب طاعتهم دينا وعقيدة...فلهذا فقد حرص الأئمة على احتكار العلم في أسرهم وفي من يليهم، ثم في من يليهم من الأسر العلوية، لتكون المناصب العليا في الدولة حكرا عليهم وحدهم".

وواقع الحال فلا يصح ذلك تاريخا، كما لا يمت إلى الحقيقة بطرف، حيث وبالنظر إلى كتب الفهارس العلمية (الببلوغرافيا)، وإلى فهارس أسماء العلماء في عدد من الكتب المنشورة، يتضح مدى بعد مثل تلك المقولات عن مطابقتها للواقع. لكون معظم علماء اليمن الزيدي والشافعي من أبناء الشرائح الاجتماعية المتنوعة، وبخاصة من طبقة القضاة، الذين شكلوا لبنة الحياة العلمية في اليمن.

وكمثال على ذلك فقد بلغ تعداد العلماء مثلا من طبقة القضاة والفقهاء المنحدرين من أصول قبلية في وادي السر باليمن في القرن العاشر فقط، ما يزيد على 195 عالماً مجتهداً وطالب علم، مقابل 75 عالما من أهل البيت (السادة) .

كما لم يقتصر ذلك على مراحل متقدمة من الحقب التاريخية، بل امتد ليشمل عهد القاضي إسماعيل الأكوع، الذي يعد نتاجا أساسيا لعهد الأئمة، الذين استهدفهم بمقالته. علاوة على أن أسرته وغيرها من الأسر المنتمية لطبقة القضاة الاجتماعية في اليمن، وطوال فترات عهود دولة الأئمة وصولا إلى حكم المملكة المتوكلية اليمنية، قد مثلت الركيزة الأساسية في حكم اليمن وإدارة مؤسساته الشرعية والتنفيذية، بحسب ما تثبته الوثائق والمصنفات التاريخية.

وفي عهد المملكة المتوكلية اليمنية تشكلت البعثات العلمية إلى بلدان مصر والعراق ولبنان من عدد غير قليل من الفئات الاجتماعية المتنوعة والشرائح المختلفة، حيث تألفت البعثة العسكرية الأولى إلى العراق سنة 1936م من جملة واسعة من القضاة والقبائل وغيرها.

كما إن أبرز ضباط الدفعة العسكرية الأولى والثانية التي تخرجت سنة 1941م وسنة 1944م كانوا من الفئات الغير الهاشمية إجمالاً. والأمر كذلك في المجال الشرعي والأدبي وفقا لدلائل الأسماء وانتماءاتها الاجتماعية.

وواقع الحال فإن شريحة الهاشميين قد انخرطت ضمن سياقات المجتمع اليمني، مؤثرة ومتأثرة في مجمل تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، فكان منهم القوي والضعيف، الغني والفقير، العالم والجاهل، متوافقين في ذلك مع مختلف الشرائح الاجتماعية اليمنية، التي تميزت كل واحدة منها بامتيازات خاصة، تتوافق وتتقاطع مع غيرها من الامتيازات الاجتماعية للشرائح الأخرى في عديد من الأحوال السلوكية، وبخاصة مع شريحة القضاة، التي تتطابق معها في كثير من الصفات المظهرية والعادات والتقاليد الاجتماعية، نتيجة توافقهما المعرفي، وبالتالي اتحادهما الوظيفي الكامن في تعليم الناس وتفقيههم أمور دينهم ودنياهم، والتزام الفصل بينهم بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

**خصائص القوة والنفوذ في العهد المتوكلي

في مقابل ذلك ينتفي مع تطبيق نظام الحكم الإمامي الشوري في اليمن أي تكريس لجوانب التفوق العرقي لشريحة السادة بحسب ما يشير إليه البعض حين القول بأن الهاشميين قد هدفوا "إلى تكريس النفوذ وبسط السيطرة على مجالات القوة السياسية والقوة الاجتماعية في المجتمع، حتى أصبح وجودهم (أي الهاشميين) مقرونا نظريا وعمليا بالسلطة السياسية الشرعية، وبالسيطرة المباشرة على الدولة وأدواتها المختلفة".

ذلك أن نظام الحكم الإمامي في اليمن لم يكن في تكوينه متعارضا مع ما هو مقرر في أحكام السياسة الشرعية عند أكثر الفقهاء المسلمين، الذين يقررون بدءا أهمية تحقيق شرط القرشية في النسب لصحة الخلافة الشرعية.

وهو ما انطلق منه فقهاء السياسة الشرعية في الفقه الزيدي، مضيفين مسألة أن يكون الإمام الحاكم من آل البيت كشرط أفضلية لا شرط وجوب، مؤكدين على رفض مبدأ التوارث في الحكم، باعتبار أن تولي الإمامة يكون بالفضل والاستحقاق وليس بالنسب والوراثة، منطلقين في ذلك من معطيات مادية ومعنوية عديدة مبينة في مجمل كتبهم الشرعية.

كما يتعارض ذلك مع طبيعة حالة التوافق في القوة والنفوذ الكامنة بين شريحتي السادة والقبائل الذين شكلوا عصب الدولة التنفيذي العسكري من جهة، وشريحتي السادة والقضاة الذين شكلوا عصب الدولة الاستشاري التشريعي من جهة أخرى.

غير أنه ومع تغير نظام وآلية الحكم في دولة الأئمة وانحراف مسارها عن منهج الشورى، وتسويغها لفكرة توارث السلطة على عهد الإمام يحيى مؤسس الدولة اليمنية الحديثة، أخذت قواعد وأطر الحياة الاجتماعية في التغير تدريجيا لصالح فئة محددة داخل كل شريحة.

حيث تحول النظام الإمامي الحاكم في حينه من نظام يهدف إلى تكريس مبادئ الحق والمساواة، إلى نظام يكرس مبدأ الحق المقدس لطبقة الحكم دون غيرها تحت طائلة الخصوصية الدينية، ودون النظر إلى طبيعة العلاقات الواحدة داخل جنبات كل شريحة، لتتشكل في حينه موازين القوة ضمن نطاق مختلف الشرائح الاجتماعية الرئيسة بحسب تحقق المصلحة بين فئات محددة داخل كل شريحة منها.

ويتجلى ذلك بوضوح خلال عهد المملكة المتوكلية اليمنية، حيث تشكلت موازين القوة للطبقة الحاكمة من بعض شريحة الهاشميين ممثلة بالملك الإمام يحيى حميد الدين وباقي أفراد أسرته، بالتحالف مع بعض شريحة القضاة ممثلة بطبقة الوزراء والمستشارين الذين يسوغون للحاكم مختلف قراراته وتشريعاته الإدارية، ويقومون بتسيير دفة الحكم الاستشاري والتشريعي في البلاد، كما هو ملاحظ في دور عدد من القضاة الذين كان على رأسهم القاضي عبد الله العمري والقاضي عبد الكريم مطهر وآخرون.

يدعمهم جميعا بعض من شريحة القبائل المشكلين لب القوة التنفيذية العسكرية لنظام الحكم، التي تتناغم مع السلطة الحاكمة بحسب مقدار العطايا الممنوحة لها، الآخذة في بعض الفترات شكل هبات إقطاعية في المناطق اليمنية الأضعف كالمنطقة الوسطى، يهبها الملك الإمام لهم جراء دعمهم له ومساندتهم إياه، أو تأخذ شكل مزايا سياسية خاصة كما حدث مع الشيخ ناصر بن مبخوت الأحمر أحد كبار مشايخ قبيلة حاشد، الذي ساند الإمام يحيى لتولي مقاليد الحكم بعد وفاة والده.

وبذلك ينتفي تسلط شريحة الهاشميين على باقي شرائح المجتمع بحجة تمحور مقاليد السلطة العليا وهي الإمامة في نطاقهم السلالي، أو لكونهم فقط يلقبون بلقب السادة ، إذ يتساوون في هذه الحالة مع غيرهم من الشرائح الاجتماعية البائسة والمنكوبة بحسب تعبير الصائدي، الذي يشير إلى أن أسرة آل حميد الدين هي التي كانت تتمتع بالامتيازات السياسية والاقتصادية في وقت سيطرة الحكم الملكي، لكونها كانت تتربع على قمة الهيكل الطبقي ضمن جنبات شريحة السادة، الذين كان أغلبهم بحسب وصفه "يعيشون حياة شبيهة بحياة أفراد الشعب الآخرين" ، وانطلاقا من ذلك فقد شارك عديد من أفراد تلك الأسر الهاشمية اليمنية نظرائهم من شرائح المجتمع اليمني الأخرى في امتهان مهنة الزراعة والتجارة .

من جانب آخر تفاوت الهاشميون من حيث كم وكيف المعرفة الثقافية متسقين في ذلك مع مختلف الشرائح الاجتماعية في اليمن، وإن كانوا في المطلق العام قد احتفظوا بالحد الأدنى من المعرفة باعتبار أصل مرجعيتهم العلمية.

كما لم يتشكلوا مذهبياً ضمن نطاق واحد، حيث تماوج أفرادهم بين المذهب الشافعي في المناطق الوسطى والغربية التهامية والمنطقة الجنوبية، فيما انضوى أغلبهم ضمن نطاق المذهب الزيدي في المناطق الشمالية والشمالية الغربية علاوة على المنطقة الشرقية من اليمن ، الذين شكلوا مع شريحة القضاة والقبائل من المناطق نفسها، وإلى وقت قريب، عصب الحياة السياسية، جراء تضافر جملة من الأسباب الدينية والاجتماعية والعسكرية.

ذلك أن قوة اليمن العسكرية وبالتالي الاجتماعية قد تمركزت في المناطق الزيدية حيث قبيلة همدان الكبرى بجناحيها الرئيسيين قبيلتي حاشد وبكيل، علاوة على قبيلة مذحج وبعض فصائل قبيلة حمير، مما حصر تولي الإمامة في العديد من الأسر الهاشمية الزيدية دونا عن غيرها من الأسر الشافعية، وحصر كذلك معظم الوظائف الأخرى في نطاق الشرائح الاجتماعية الزيدية دونا عن غيرها من الشرائح الشافعية.

لكن وعلى الرغم من ذلك فقد سنحت الفرصة لعدد من الشخصيات الاجتماعية الشافعية المذهب، الحضرية النطاق، من تبوؤ عدد من المناصب الرئيسة في دولة الإمامة وخلال عهد المملكة المتوكلية اليمنية نتيجة لتفوقهم المعرفي، ولمكانتهم الاجتماعية ضمن نطاق حدودهم الجغرافي، كالمشايخ من آل نعمان في منطقة تعز، وآل باسلامة في منطقة إب، وغيرهم من وجهاء مدينة زبيد والعديد من المدن التهامية.

ويخرج عن ذلك إجمالا سكان منطقة حضرموت وغيرها من المحافظات الجنوبية التي كانت لفترات طويلة خارج نطاق سيطرة دولة الأئمة المباشر وصولا إلى فترة حكم المملكة المتوكلية اليمنية.

وفي السياق ذاته تفاوت أفراد شريحة السادة المنتمين للمذهب الزيدي من حيث تطور الإطار المعرفي، إذ انقسموا في هذا الجانب إلى فئتين أحدهما تقليدية سلفية ترتكز على كم غير قليل من التراث المعرفي، الذي بمرور الزمن اكتسب طابع القداسة من وجهة نظرهم، ليصعب على أحد مناقشتهم فيه، أو محاولة إعادة قراءته بصورة تأملية ناقدة، وقد تمثلت عناصر هذه الفئة في كثير من العلماء المساجديين وبخاصة في المناطق الشمالية والشمالية الغربية من اليمن حيث مدينة صعدة وعدد من الهجر العلمية المجاورة لها.

والأخرى تنويرية عصرية لم يمنعها إيمانها بالتراث المعرفي من الانطلاق في عوالم جديدة من العلوم والمعرفة، مكنها من إعادة قراءة التراث برؤية علمية مستقبلية، وحفزها على إيجاد فعل التغيير الثقافي والاقتصادي وصولا إلى الجانب السياسي، وهو ما يتراءى في عناوين كثير من الكتب، وأسماء عديد من المؤلفين العرب من أمثال مصطفى صادق الرافعي وأحمد حسن الزيات وجبران خليل جبران وسائر أدباء العرب وشعرائهم قدامى ومحدثين، ومن أسماء عدد من المفكرين والروائيين الغربيين من أمثال تولستوي ونيتشه وكانت وروسو وهوجو وغيرهم، التي تداول قراءتها المثقفون العصريون من شريحة السادة من أمثال السيد أحمد الوريث والسيد أحمد المطاع والسيد أحمد بن محمد الشامي والسيد عبد الكريم الأمير علاوة على عدد من العلماء الزيديين من أمثال السيد حسين بن عبد القادر شرف الدين والسيد حسين الكبسي وغيرهم.

وبذلك يتبين مدى تساوي شريحة السادة من حيث القوة البنائية في المجتمع اليمني مع غيرهم من شرائح المجتمع اليمني الأخرى، واقتصار تأثيرهم على جوانب دينية شاركهم فيها قرناؤهم من شريحة القضاة، كما يمكن تلمس حجم الغبن الجاري عليهم مثل غيرهم مع تقلد أسرة آل حميد الدين سدة الحكم في اليمن ومخالفتهم لقواعد وأسس النظام السياسي في المذهب الزيدي، بتسويغهم لمبدأ التوارث، والاستئثار بالسلطة العليا، وتعطيل آليات العمل بالشورى، إلى غير ذلك، مما حفز كثير منهم إلى تبني دعوات التغيير والإصلاح خلال فترة حكم مؤسس المملكة المتوكلية اليمنية الإمام يحيى حميد الدين.

**ملامح القوة والنفوذ في شرائح اليمن الاجتماعية الأخرى خلال العهد المتوكلي

شريحة القضاة

يرجع تكوين هذه الشريحة إلى عصور متقدمة من التاريخ الإسلامي في اليمن حيث نُعِت العالم اللغوي نشوان الحميري (ت 573هـ 1178م) وأبناءه من بعده بلقب القاضي ، وتوسع ذلك مع ازدياد الحركة العلمية في اليمن، حيث برز الكثير من الفقهاء ذوو الأصول السالفة ضمن أروقة المجتمع اليمني، التي أخذت على كاهلها مشاركة شريحة السادة في تعليم الناس أمور دينهم.

وبمرور الزمن اكتسب أولئك الفقهاء مكانة خاصة داخل أروقة المجتمع اليمني، أهلتهم لتشكيل شريحة اجتماعية مستقلة، يحمل إنسانها لقب الفقيه الذي تطور مع مرور الوقت إلى لقب القاضي جراء اشتغال كثير من أفراد هذه الطبقة بالفصل بين المتخاصمين، فأصبحوا شركاء لشريحة السادة في أصلهم العلمي وخصائصهم المعرفية، كما يشترك أغلبهم مع شريحة القبائل في أصلهم العرقي وانتمائهم الاجتماعي، ليصبح من حينه اللقب المطلق عليهم دالا على الهوية الاجتماعية لأفرادها حتى وإن امتهن أحدهم مهنة طبية أو هندسية أو اقتصادية أو سياسية.

ولا أدل على أهمية هذا المسمى وهذه الشريحة ضمن خصائص المجتمع اليمني من موقف الإمام يحيى حميد الدين الذي أنعم على محمد راغب بيك العثماني الأصل صفة القاضي، ليكون أحد أفراد هذه الشريحة مكانة وهيئة، وينادى بلقب القاضي محمد راغب، ويصبح أحد أقطاب الحكومة الإمامية بتوليه مسؤولية العلاقات الخارجية برعاية مباشرة من الإمام.

وقد احتلت هذه الشريحة مكانة رفيعة في الجهاز الإداري التنفيذي والسياسي لدولة الأئمة في اليمن خلال مختلف مراحلها التاريخية، حيث يذكر الدكتور حسين العمري أن القاضي محمد بن علي الشوكاني قد لعب دورا هاما في مجال القضاء وفي الحياة السياسية والفكرية طوال حكم الإمام المنصور بالله علي، وحكم ولده الإمام المتوكل على الله أحمد، وحكم حفيده الإمام المهدي لدين الله عبد الله ، بل برز في الإطار ذاته عدد من الأسر التي تولى أفرادها أعلى مقاليد السلطة الإدارية والسياسية ضمن هيكل الحكم الإمامي وصولا إلى فترة حكم الإمام يحيى حميد الدين ملك المملكة المتوكلية اليمنية.

ونتيجة لثقافتهم الدينية وامتهانهم مهنة التعليم الشرعي ووظيفة فك المنازعات بين الناس وإعداد عقود البيع والشراء وعقود الأنكحة إلى غير ذلك من الوظائف ذات السمات الشرعية، فقد أهلهم ذلك للتمتع بمكانة اجتماعية مساوية لمكانة شريحة السادة في اليمن إجمالا، كما لم يقتصر ذلك على الجوانب المعنوية بل تعداه إلى جوانب مختلفة من الشكل المادي، حيث اتحدت الشريحتين بشكل كلي في الصفات الاجتماعية والكنى والملابس بحسب ما تقتضيه آليات العرف والتقاليد اليمنية، إلى الدرجة التي ينعدم خلالها التفريق بينهما سوى بالتعرف على الهوية الاجتماعية.

وقد انقسمت هذه الشريحة من حيث التكوين المذهبي في اليمن إلى فئتين أحدها اتخذ المذهب الشافعي مرجعا له، في حين تمذهب الفريق الآخر الذين شكلوا غالبية هذه الشريحة بالمذهب الزيدي، وبرز منهم في الإطار الزيدي الكثير من العلماء المحققين في مختلف المراحل التاريخية الذين كانت لإسهاماتهم المعرفية الأثر البارز في تكوين الإطار العقائدي والفقهي للمذهب.

كما تفاوت أصحاب هذه الشريحة من حيث حجم الإطار المعرفي إجمالا والبعد التنويري خصوصا، إذ قد تواجد منهم العالم المتمسك بأهداب التراث على أية حال كان، وظهر منهم أيضا الباحث المتطور الراغب في إدراك معالم جديدة من المعرفة والفلسفة الحديثة أسوة في كلا الحالتين بقرنائهم من شريحة السادة.وكان ذلك مدعاة لأن يكونوا شركاء مع غيرهم من رواد حركة النهضة الثقافية في تبني الدعوة إلى التغيير والإصلاح خلال حكم الإمام يحيى حميد الدين.

**شريحة القبائل 

يمثل اليمن تاريخيا المنبع النفيس لجميع القبائل العربية القحطانية التي هاجرت تباعا ولظروف متغايرة إلى أقطار شبه الجزيرة العربية وغيرها في فترات تاريخية مختلفة، تعود بواكيرها إلى الألف الأول قبل الميلاد، وهو ما يدل على عراقة وأصالة النظام القبلي في اليمن الذي يتكون حاليا من عدة قبائل رئيسة، وهي قبيلة همدان بن زيد المعروفة بهمدان الكبرى، المنقسمة بدورها إلى جناحين كبيرين هما قبيلتا حاشد وبكيل، المتفرعتين بدورهما إلى عدة قبائل رئيسة، علاوة على قبيلة مذحج التي تتكون من قبائل عنس ومراد والحدا علاوة على المصعبين وقيفة وغيرها، وكذلك قبيلة حمير.

ويبلغ تعداد أقسامها جميعا حوالي مائة وستين قبيلة تقريبا (160قبيلة) يقطن معظمها في المناطق الجبلية التابعة سياسيا وإداريا في أغلب الفترات لدولة الأئمة، وهي التي شكلت أس الجماعات القتالية القوية ، وتمثل جميعا وفقا لبعض التقديرات ما بين 80% – 85% من مجموع السكان الرئيسي لليمن .

كما يتميز أغلبها بتماسك مكوناتها البنائية القرابية، وبتعدد مكوناتها السياسية، وبنزعتها الاستقلالية، وهو ما أدى في كثير من الأوقات إلى عدم الخضوع التام لأي سلطة مركزية خارجية، إلا أن يكون ذلك برغبة منها .

ولم يقتصر تمردها ذلك على الشق الخارجي فحسب، بل تعداه في كثير من الأوقات إلى توتير طبيعة العلاقات الداخلية بين مشايخ القبيلة الواحدة مع شيوخ مشايخ القبائل الرئيسة ذاتها، الذين يرفضون القبول بالسيادة العليا لأي إنسان من طبقتهم الاجتماعية، باعتبار حالة الكبرياء والاعتزاز والفخر المكتنزة في نفوسهم، المانعة إياهم من الرضوخ لبعضهم البعض.

وهو ما يفسر حالة انضوائهم ووحدتهم ولفترات تاريخية طويلة تحت زعامة دولة الأئمة الهاشمية، التي يمثل أئمتها الامتداد النسبي للرسول عليه الصلاة والسلام من جانب، ويعكس نظامها السياسي الحكم الشرعي للدولة الإسلامية من جانب آخر.

وفي السياق ذاته لم تتسم العلاقة بين شريحة القبائل والمجتمع المدني بالتآلف والانسجام، بسبب نفور المجتمع القبلي من مركزية السلطة ومحورية قرارها الهرمي، على الرغم من تغذيتهم المتواصلة له بكثير من الأفراد المهاجرين.

تجدر الإشارة إلى أن بداية تكون العلاقات الثنائية بين شريحة القبائل وشريحة السادة بعود إلى أواخر القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، حين طلب وفد من قبيلة بني فطيمة الهمدانية من الإمام الهادي يحيى بن الحسين ابن الإمام القاسم الرسي، الهجرة إليهم لسياستهم ورعاية أمورهم، وبخاصة من بعد أن استشرى النزاع فيما بينهم.

ومن حينه توالى الأئمة من آل البيت على حكم منطقة اليمن إجمالا بين مد وجزر، متغايرين بين إمام شرعي تتوافر فيه مختلف الشروط وفقا للنظرية الزيدية، تسانده مجموعات متنوعة من شريحة القبائل، أو إمام متغلب لا تتوافر فيه كامل الشروط المستحقة لتولي الإمامة، فيعمد إلى إعمال السيطرة على مقاليد الحكم بالقوة، عبر تحالفاته القبلية من جهة، واستقطابه لها بمنح الامتيازات المتنوعة إلى غير ذلك.

الأمر الذي يتأكد معه سواد مفهوم النظرية التعددية لمناحي القوة والنفوذ ضمن جنبات الحكم إبان عهد دولة الأئمة سواء في إطارها الاختياري الشرعي أو في إطارها القائم على التغلب والقسر.

وفي النصف الأول من القرن العشرين / الرابع عشر الهجري كان للقبائل دور مهم في مساندة الإمام يحيى حميد الدين (1904 – 1948م) على تولي مقاليد السلطة وتثبيت أركان دولته عبر مساندة شيخ مشايخ قبيلة حاشد الشيخ ناصر بن مبخوت الأحمر له، وتحالف القبائل معه في عديد من الأحداث، وانضواء معظمها ضمن لواء الإمامة في حال السلم والحرب، التي وضحت معالمها في الكثير من الأشعار الشعبية المعروفة بالزوامل.

مثل قول شاعرهم

يا من يخالف أمر مولانا ويعصيه لا بـــد مــــن يـــوم يراه

يــــوم تـغــيــب الشــمــس فــيـــه والطير يرسي في سماه

غير أن تلك الحالة الوفاقية لم تستمر لمدة طويلة، إذ ورغبة من الإمام يحيى في تثبيت سلطته الأحادية على حكم اليمن، فقد عمد إلى حبس بعض مشايخ القبائل الرئيسيين بحجج متنوعة، وهو ما يتراءى من فحوى زامل قبيلة جُماعَة الهمدانية حين وفد بعض رجالهم إلى صنعاء مطالبين الإمام يحيى بإطلاق سراح شيخهم ابن مقيت بقولهم

مِقدامنا ابن مقيت متضنَّك وفي حبس الدول وِشْ باتقولوا في خروجه ياجماعة

الشهر الأول زلّ والثاني يـقـولـوا إنِّه دخــل والثـالث أقــْبـَل ما لـقـيـنا به نفاعة

إن جـاد مولانا وهوْ بايـطـلـقه ساعة نِـصَل والاّ دخـلنا نِخْرجه والموت ساعة

وعمل في شق آخر على إقامة ومساندة منافسين لهم من ذويهم ومن عشائرهم ، الأمر الذي زاد من توتر العلاقة بين الطرفين في مجمل الفترات، مما حفز البعض إلى مبادرة إعلان الخروج عليه، كما حدث مع الشيخ ناصر بن مبخوت الأحمر الذي كان له الفضل في مساندته لتولي مقاليد الحكم في بداية أمره، والشيخ أحمد الزيحي بمنطقة الشرفين، والشيخ علي بن مطلق بهمدان صنعاء، وثورة قبائل الزرانيق بتهامة .

بل جعل البعض منهم بعد ذلك على تماس دائم مع طليعة المثقفين التنويريين من شريحة السادة والقضاة، فعملوا جاهدين على مواجهة حالة الركود خلال عهد الإمام يحيى بمختلف السبل الممكنة، على الرغم من تدني مستوى الحالة الثقافية بينهم.

ومع ذلك فقد شارك عديد من وجهائهم وبخاصة في المناطق الوسطى من اليمن في تسيير دفة الحركة الإصلاحية خلال تلك الفترة بمختلف الوسائل المتاحة، ويأتي في مقدمة أولئك الشيخ حسن الدعيس، والمشايخ من آل نعمان، وصولا إلى الشيخ علي ناصر القردعي ورفاقه من قبيلة مراد المَذحَجيَّة، الذين باشروا تنفيذ قتل الإمام يحيى حميد الدين إيذانا باندلاع ثورة الدستور سنة 1367هـ/1948م.

تلك الثورة التي برز فيها جليا مدى مشاركتهم في صناعة وتنفيذ القرار، بحسب ما تقرره لوائح أسماء أعضاء السلطة التشريعية "مجلس الشورى" والسلطة التنفيذية "مجلس الوزراء".

حيث بلغ عدد العناصر من شريحة القبائل في مجلس الشورى ثمانية أعضاء من أصل تسعة وعشرين نائبا، وبلغ عدد العناصر منهم في مجلس الوزراء خمسة من أصل تسعة عشر وزيرا، وبلغ عدد مدراء الوزارات منهم ثمانية مدراء من أصل اثنا عشر مديراً.

وبذلك يتبين مدى تساوي شريحة القبائل من حيث القوة البنائية في المجتمع اليمني مع غيرهم من شرائح المجتمع اليمني الأخرى في مطالبهم واحتياجاتهم ومشاركتهم في فعاليات الدولة بوجه عام.

**شريحة التجار وأصحاب المهن

صنف بعض الباحثين في الدراسات الاجتماعية اليمنية شريحة التجار على وجه الخصوص كشريحة اجتماعية مستقلة ضمن هيكل المجتمع اليمني، جاعلين لهم دورا محوريا في حركة بناء النظام الحركي على الصعيد السياسي بوجه خاص خلال الفترات السالفة.

ومع أهمية هذه الفئة ضمن سياقات المجتمع بشكل عام، إلا أن فعلها الحركي وتأثيرها السياسي أو الاقتصادي في اليمن يكاد يكون معدوما، نتيجة لتغير ملامح وسمات القوة في النظام البنائي للمجتمع اليمني القائم على أسس تقليدية، يدعمها نظام اقتصادي قائم على الإقطاع، الذي تتكرس عبره قوى المجتمع التقليدية بمختلف أشكالها.

وهو ما لا يسمح بأن يكون للطبقة البرجوازية ولثقافة اقتصاديات السوق أي تأثير فعلي على المجتمع، التي يشكل المهنيون والحرفيون علاوة على فصائل التجار بأنواعهم جزءاً من تركيبتها، لاسيما إذا ما أدركنا حقيقة نظرة المجتمع اليمني لتلك الحرف إجمالا، التي يتصف ممتهنو بعضها في العرف الاجتماعي العام بالاحتقار والدونية.

الأمر الذي منع كثيرا من أفراد القبائل عن ممارسة امتهان الفعل الحرفي حتى ولو كان ذلك في أحلك الظروف وأشدها سوءاً، على الرغم من تمتع تجار السوق بحماية القبيلة التي يمارسون نشاطاتهم على أرضها، وبالتالي فإن أي انتهاك لحرمتهم يعد اعتداء على شرف القبيلة.

وبالنسبة لمدينة صنعاء فينخرط أهل السوق ضمن نظام تراتبي يكفل بحمايتهم من أي اعتداء سافر عليهم، يكون على رأسه شيخ مشايخ السوق المسؤول عن رعاية الأحياء والأسواق، ويجيء من بعده شيخ الربع أو شيخ القطاعات وهو مسؤول عن ربع محدد وقطاع معين في المدينة، ومن بعدهم عقال الأسواق والحارات الذين يمثلون وظيفة المختار أو العمدة بحسب التعبير الاجتماعي في بعض المناطق الإسلامية، ثم شيخ الليل الذي يوفر الحراسة الليلية للأسواق ويقع تحت سلطته طائفة من الحراس.

وعلى الرغم من الصفة الدونية العامة التي صاحبت عديدا من المهن والحرف التجارية التي بحسب العرف الاجتماعي لا تنفك تلازم أصحابها، إلا أن سوق صنعاء بوجه خاص كان يتميز بتمازج اجتماعي خاص به، حيث مارس عدد من أفراد شريحة السادة والقضاة والقبائل بعض الأعمال التجارية المحدودة كتجارة العطارة والأقمشة وصناعة الكوافي وصقالة العقيق.

كما اختلفت نظرة بعض القبائل لبعض المهن، حيث اعتبرت الحدادة في قبيلة أرحب من المهن الدونية وصُنف أصحابها من بني الخمس، لكون العاملين بها بالدرجة الرئيسة من اليهود، على حين لم ُينظر إلى ذلك في منطقة بني حِشَيش ورازح وحُفاش التي يمارس العمل بها فئات من شريحة القبائل المنتمين إلى فئة الأبناء بوجه عام ، كما لا يصنفها أهل صنعاء ضمن مجموعة المهن الوضيعة، وهكذا الحال مع مهنة النجارة التي ينظر إليها العوالق بنظرة احتقار، في حين أنها في المناطق الشمالية من المهن الجيدة.

وهكذا يمكن ملاحظة مدى التضارب في نظرة المجتمع اليمني إجمالا لأصحاب المهن والحرف التي لا ترتفع بأي حال إلى مرتبة عليا ضمن تركيبة النظام البنائي داخل منظومة الحراك الاجتماعي اليمني، وهو ما أفقدها التأثير الكبير على مختلف التغييرات السياسية خلال العهد المتوكلي إجمالا.

الأمر الذي انعكس على مجمل الترشيحات الوزارية والشورية والتنفيذية في حكومة الدستور التي لم تتمثل فيها هذه الشريحة بصفتها الاعتبارية بشكل أو بأخر، على الرغم من مشاركة بعض أبنائها في مسيرة تبني الدعوة إلى التغيير والإصلاح، وتهيئة المجتمع للقبول بذلك، كما هو الحال مع الحاج عبد الله المحلوي الذي امتهن صناعة الحلوى، والحاج العزي صالح السنيدار الذي امتهن حرفة الخياطة

هكذا يمكن ملاحظة حالة التوازن التي حكمت اليمن خلال العهد المتوكلي والإمامي إجمالا بين مختلف شرائحه الاجتماعية وفقا لمفهوم النظرية التعددية لتحديد خصائص القوة والنفوذ..

ملامح أزمة الخطاب الإقصائي خلال أزمة الحوثيين في اليمن مع اندلاع الحرب بين السيد حسين بن بدر الدين الحوثي والجيش اليمني عام 2004م جراء تفاقم الأزمة السياسية بين السيد حسين والرئيس علي عبد الله صالح في حينه، ومع تكبد الجيش لخسائر كبيرة في العدة والعتاد خلال أحداث الحرب الأولى وصولا إلى الحرب السادسة مع الحوثيين، أفرزت الساحة الرسمية خطابا إعلاميا مليئا بتلك الإيماءات والتصريحات الإقصائية، التي تبناها الإعلام الرسمي من جهة، وحمل لواءها عديد من الكتاب المختلفين سياسيا واجتماعيا وأيدولوجيا مع الحوثيين (حركة أنصار الله فيما بعد).

وكان من جراء ذلك أن أخذ البعض في إعادة تأجيج وتيرة الحياة الاجتماعية والفكرية بصورة سلبية، من خلال إثارة النقاش بشكل غير عقلاني في بعض العناوين الرئيسة كالانتماء الهاشمي، أو ما يعبر عنه بالسلالية في الجانب العرقي، والإمامة الكهنوتية الرجعية في الإطار السياسي، والمذهب الزيدي الذي تم النظر إليه في بعض تلك الكتابات التأجيجية بوصفه مذهبا دخيلا على اليمن في الإطار الفكري.

وكان أن عملت نلك الكتابات على تعميق الرابط الطائفي من جانب، والعصبي من جانب آخر، بين القديم والحديث، في وعي الشارع اليمني، بحيث ارتبطت الإمامة كنظام سياسي بالهاشميين، في حين تم ربط النظام الجمهوري بعصبية القبيلة، ثم ما لبث الأمر أن أدخلت الزيدية كمذهب فكري فقهي في دائرة الصراع السياسي باعتباره كان ملازما لبنية النظام الإمامي خلال العهد المتوكلي والإمامي بوجه عام.

وبالتالي لم يتعامل الإعلام الرسمي ومؤيدوه خلال أحداث الحرب مع السيد حسين ومن جاء بعده على أساس مواطنته المدنية البحتة، بل تم النظر إليه بمنظار تاريخي سياسي باعتبار مرجعيته التاريخية لنظام الإمامة، وكأن المرجعية التاريخية قيد يصعب على الفرد التخلص منه بغض النظر عن ماهيته وكنهه.

وكان بذلك أن تعمقت الأزمة في اليمن، جراء حالة التأجيج والتصنيف الطائفي، الذي ترسخ في العقول بسبب تعدد القراءات المتشنجة ذات الطابع الإعلامي للفترة السياسية السابقة لقيام النظام الجمهوري.

فكان أن أسدل الستار معرفيا على حقبة الإمامة التي دامت قرابة الألف ومائة سنة، وأصبح الحديث عن إيجابياتها، بل وحتى الحديث عنها بشكل إجمالي، من المحرمات التي يعاقب عليها القانون الوجداني لبعض منظري الحقبة الحديثة.

وترسخ في الأذهان أن الإمامة بخصائصها التاريخية تعني النقيض الكلي للجمهورية، بل والأدهى من ذلك أنها ارتبطت حصريا بالأسرة الهاشمية، لتكون بمثابة اللعنة التاريخية عليهم، دون النظر إلى مختلف التراكيب الاجتماعية اليمنية التي شكلت العمود الفقري لنظام الإمامة منذ نشأتها أواخر القرن الثالث الهجري وحتى سقوطها الفكري أوائل عهد الإمام يحيى حميد الدين (1904 – 1948م)، ومن ثم سقوطها السياسي سنة 1962م بقيام النظام الجمهوري الذي شارك في صنعه وتثبيته عناصر متعددة من الضباط الهاشميين كذلك.

لقد كان من جراء تلك القراءات المتشنجة التي وضحت في الخطاب الإعلامي العام، وفي بعض القراءات التاريخية والفكرية، التي انساقت لتربط بين النظام السياسي من جهة، والفكر الزيدي من جهة أخرى، أن تأزمت الأحوال السياسية في اليمن، وبخاصة وأن الزيديين قد تعرضوا لهجمة فكرية مناهضة، في ظل تأزم العلاقة بين السنة والشيعة خلال المرحلة السالفة، وهو ما جعل البعض منهم ينكفئ على نفسه، فيما حاول البعض الآخر مد جسور التعاون مع مختلف الجهات الفكرية ذات المرجعية الشيعية للحيلولة دون التلاشي.

وبمراجعة عدد من العناوين واللقاءات والكتابات التي أنتجت خلال المرحلة السالفة يتبين جانبا من عمق المشكلة المشار إليها، ويظهر بوضوح طبيعة النفس الإقصائي الذي حاول من خلاله البعض تحجيم المد الحوثي (حركة أنصار الله) في اليمن، وعالجت المؤسسات الرسمية أزمتها مع شريحة واسعة من اليمنيين سواء على النطاق الفكري أو الاجتماعي.

وفي ذلك يشير أحدهم في محضر إجاباته لمحرر صحيفة الجمهورية إلى أن الحوثية جماعة متمردة وثقافة عنصرية نازية ، مؤكدا في محضر توضيحه بأنهم ينطلقون من ثقافة منحرفة بقوله "ثقافتهم سلالية طائفية، عندما تأتي جماعة وتقول إنها أفضل من الناس كلها وأن لهم حق السيادة وحق القيادة وأنهم متميزون عن الآخرين وإضافة إلى هذا تجدهم يحطون من شأن الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين.

ثقافتهم عنصرية نازية إقصائية، وهذه ثقافة منحرفة مغشوشة، هناك طعن في الصحابة، طعن في السنة، هناك تمايز عن الأمة كاملة، هي تعتبر نفسها لوحدها على حق وغيرهم على باطل، هم أيضا يتبعون المد الشيعي الإيراني الذي يقوم على الاصطفاء السلالي، بالنظرية الإمامية المحنطة، وبالتالي جمعوا بين عدد من الأخطاء والسلبيات التي تتحول إلى ثقافة منحرفة".

وفي محضر جوابه على موضوع انتمائهم للذرية الهاشمية يجيب في ذات الحوار بقوله "ليس هناك نصوص دينية صحيحة في هذا الشأن، الله سبحانه وتعالى يقول ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، والرسول يقول الناس سواسية كأسنان المشط، وأهل البيت هم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وآل محمد هم أتباعه، نعترف أن هناك قرابة ولكن لمن كان في عصر الرسول، من عمومته وأبناء عمومته وأسباطه، أما أن تستمر القرابة بين السلالة والذرية، فاليهود من أبناء أنبياء إذا افتخرنا بالسلالات، لأن اليهود سلالة أنبياء أبناء أنبياء مباشرة كأحفاد لا أسباط، لكن لما غضب الله عليهم لأعمالهم لم يعد لهم أي شرف من الانتساب، النسب في الأصل هو نسب الدين لا نسب الطين".

هكذا وبجرة قلم ينفي أحد الكوادر الباحثة انتساب الهاشميين بأكملهم في اليمن وخارجه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، بسبب محاربته للحوثيين، ولا يكتفي بذلك بل يعمد إلى تقديم معلومات خاطئة، في منحى تأجيجي، القصد منه خلق حالة عدائية بينهم وبين فئات الشعب الأخرى، وبناء حاجز يمنع أي تمدد لهم مستقبلي.

وفي محضر خطاب آخر يقدم الأستاذ عبد الفتاح البتول بمباركة من عدد من كوادر السلطة الثقافية في النظام الجمهوري، نموذجا آخر من نماذج الكتابة الإقصائية لطائفة الزيدية وشريحة الهاشميين الاجتماعية.

حيث أبان في كتابه الذي وسمه بـ"خيوط الظلام ـ عصر الإمامة الزيدية في اليمن" وقدم له الأستاذ نصر طه مصطفى، عن حالة متقدمة من التأجيج المبني على قراءة منهجية خاطئة، لا تعتمد القياس العلمي سندا، ولا ترتكز على قواعد البحث التحليلي أو غيره من قواعد البحث العلمي.

وبنظرة إلى عنوان كتبه الموسوم بـ"خيوط الظلام – عصر الإمامة الزيدية في اليمن" نجد أنه قد أصدر حكمه وانتهى، فاليمن خلال عصر الأئمة الذين عبدوا الله وفق المنهج الزيدي طوال ألف ومائة عام، كان يعيش ظلاما حالكا وفق مدلول عنوان كتابه.

وحتما فذلك منهجيا لا يصح، كما أن مدلول العنوان لا يتفق مع قواعد البحث العلمي بقدر ما يتسق مع طبيعة الخطاب الإعلامي الرسمي الذي ما فتئ يطلق صفات الكهنوتية والرجعية على نظام الحكم الإمامي رغبة في الهروب إلى الأمام من جهة، وتلبية لمنهج إقصائي وضحت معالمه في ثنايا خطابات بعض مؤسسي النظام الجمهوري.

على أن الإشكال لم يتوقف عند طبيعة العنوان ومدلوله، بل يمتد إلى حد غير منطقي من التعدي والاتهام الشخصي لأئمة الدولة الزيدية في اليمن، الذين يعلنون انتسابهم إلى رسول الله ابتداء، كما ينطلقون في حكمهم من مشروعية دينية بالدرجة الرئيسة، حيث يقول في مبتدئ كتابه

"لقد بنى الأئمة دعايتهم الكاذبة وادعاءهم الباطل لحق الحكم والتحكم في رقاب المسلمين وحق السيطرة لهم وحدهم، بنو ذلك على الدجل والخداع والتضليل، وتحريف الشريعة الإسلامية، وتشويه مبادئها العادلة، ولم يترددوا عن الكذب باصطناع الأحاديث المختلفة على رسول الله لتثبيت حق الملك لهم دون المسلمين".

وفي مكان آخر يؤكد مقولة عدد من أركان السلطة الثقافية في النظام الجمهوري بإعادة تبني مقولتهم التي تنص دون منهجية وعقلانية على الآتي "لقد دمرت الإمامة كل قيم الخير والمعاني الحضارية في النفسية اليمنية، حيث عادت بها إلى ظلمة الجهل والاستبداد والفتن والدماء، فلم تترك الإمامة طوال حكمها وفي كل مراحلها سوى ذكريات سوداء ملطخة بالدماء"

وفي هذا السياق والتوجه يصف الدكتور زياد الشميري الهاشميين في أحمد كقالاته المنشورة مؤخرا بأنهم "شذاذ أفاق مجهولوا الهوية، سمر البشرة، يشبهون كثيرا في سمات وجوههم شذاذ الأفاق ومجهولي الهوية في منطق الفرات الأوسط بالعراق ورافضة الخليج العربي، وهؤلاء (يقصد الهاشميين) يمتهن كثير منهم أعمال السحر والشعوذة والتجارة والطب الشعبي وصناعة الخبز عبر التاريخ".

بهكذا خطاب وبروح تأجيجية إقصائية، قدم الخطاب الرسمي والموالي له نموذجا لمنهجهم في تنحية وإلغاء الهوية التاريخية لليمن المرتبطة بالحكم الإمامي، وتشويههم لحقبتها في أذهان العامة بوجه عام.وبذل جهده الدؤوب لربط الهاشميين كعرق والزيدية كمذهب بالحكم الإمامي، وعمل على إثارة النقاش حولهما من منظور نسبي يقوم على ثنائية الأكثرية والأقلية، وبالتالي فمن الطبيعي أن يعود النصاب لأصحابه وهم الأكثرية، وبذلك يصبح من السهل إقصاء الهاشميين والمذهب الزيدي عن سدة الحياة السياسية والاجتماعية في اليمن، كما يتيسر أمر إلغائهم وجوديا على الصعيد الجمعي ضمن إطارات المجتمع.

على أن النظر إلى الصراع من محور الأكثرية والأقلية لهو من أكبر الأخطاء التحليلية، على اعتبار أن اليمن الشمالي (الأعلى) بأكمله وطوال فترات التاريخ السالفة قد تشكل مذهبيا ضمن دوائر الفقه الزيدي بانتماء قبائله تاريخيا له.كما أن عمق الوجود الهاشمي في اليمن يعود إلى ألف ومائتي عام، وهو ما لا يتحقق لعديد من الأسر والشخصيات اليمنية اليوم.

وأخيرا فالباحث لا يستهدف من هذه الورقة تكريس أي منحى عنصري أو طائفي، بقدر ما يريد تسليط الضوء على جانب من إشكال اليمن السياسي خلال المرحلة المعاشة، مع الإيمان بأن النظام الجمهوري بصيغته المدنية الديمقراطية العادلة، الذي يكفل الحقوق وفق معيار الكفاءة العلمية والجدارة الوظيفية، ويحقق السلام المجتمعي، هو الخيار الأمثل لبناء وطن يعيش في كنفه الجميع بأمن وآمان.