بنية التحولات في 'ليالي ألف ليلة' لنجيب محفوظ (6 / 6)

إشارات زمنية

إن التجلي السردي في رواية ليالي ألف ليلة يخضع إلى بنية التحولات سواء كان ذلك في القصة الإطار (الإطار الكلي للحكي) أو في سلسلة القصص المضمنة التي تحدث في مدينة شهريار أو في القصص المطمورة داخل القصص المضمنة مثل: قصة "قمقام"، وقصة "سنجام"، وقصص السندباد المطمورة داخل حكاية السندباد.

لكن تبقي نقطة أخيرة في هذه الدراسة، وهي تتعلق بزمن الحكي في نص الليالي. فمن خلال رصد المؤشرات الزمنية التي يخبرنا بها الراوي، نجد أن زمن الحكي يخضع إلى بنية التحولات أيضاً، فعلى الرغم من تداخل الحكايات أحياناً فإن زمن الحكي يتحول من حكاية إلى أخري:

* فحكاية صنعان الجمالي تحدث في فصل الصيف:

- الشمس حارة غليظة.

- استقبله على السلولي في جوسقه الصيفي بحديقة الإمارة.

- ليلة صيف لطيفة، أتحب الصيف؟

* وحكاية جمصة البلطي تحدث في فصل الخريف:

- في جو المقهى الملطف بطلائع الخريف.

- اليوم طاب الجو وهامت في السماء سحائب خريفية صافية.

- اختفت بروق الآمال في سماء الخريف.

* وحكاية الحمال تحدث في فصل الشتاء:

- ربض السلطان في مجلسه بالشرفة الخلفية رغم أن الخريف كان ينسحب أمام طلائع الشتاء.

- في جلسة مفعمة بالهدوء، مترعة ببرد الشتاء.

- أقبل الليل وتجلت النجوم متواضعة واشتد البرد.

* وحكاية نور الدين ودنيازاد تحدث في فصل الربيع:

- في ليلة مازجت فيها أنفاس الشتاء المودع بأنفاس الربيع المتحفز.

- لكنه بدا في ذلك الصباح الربيعي شارد اللب حائر الطرف.

- في خلوة ناعمة بأنفاس الربيع.

* ومغامرات عجر الحلاق تحدث في أوائل فصل الصيف:

- عقب صيف حار جاد الليل بنسمة طيبة.

- الجو حار نريد مكاناً خارج الدور.

* وحكاية أنيس الجليس تحدث في أواخر الصيف:

- وخفت حرارة الصيف.

* وحكاية قوت القلوب تحدث في أوائل فصل الخريف:

- كان المجنون يترنم بأوراد الفجر في مطلع الخريف.

- وتحت دار قوت القلوب نادتهم أوتار عود وصوت شجي تهادي إليهم يناجي رطوبة الخريف.

* وحكاية علاء الدين أبو الشامات تحدث في أواخر فصل الخريف:

- سبح في الظلام تحت ضوء النجوم الخافت ونسمة الخريف تلاطفه.

- وفي صباح يوم بارد من أيام الخريف.

* وحكاية السلطان تحدث في فصل الربيع وأوائل فصل الصيف:

- تجار غرباء يتداوون من الضجر بأنسام الربيع.

- وأقلعت السفينة في جو ربيعي تحت بسمات النجوم الساهرة.

- قص إبراهيم السقاء قصته على السلطان بمجلسه الصيفي بالقصر.

* وحكاية طاقية الإخفاء تحدث في فصل الصيف:

- كان فاضل صنعان يخلد إلى الراحة على سلم السبيل في أعقاب نهار حار في فصل الصيف.

* وحكاية معروف الاسكافي تحدث في فصل الشتاء:

- ارتفع حتى اختفي في ظلمة ليل الشتاء.

- استقبله السلطان في مثواه الشتوي المعروف ببهو المرجان.

- كان جالساً في حديقة داره يتشمس عندما طلب مقابلته رجل غريب.

* وحكاية السندباد تحدث في فصل الربيع:

- أنفاس الربيع تنفذ في أعماقه أخلاطاً من روائح الزهور.

إن هذه الإشارات الزمنية التي يخبرنا بها الراوي تتبدل مع كل حكاية من الحكايات؛ أو بعبارة أخري: إن زمن الحكي يتغير ويتحول مع كل حكاية. هذا التحول يرتبط، بطريقة أو بأخرى، بتوقف الحكي عند توقف الشر وتحوله إلى الخير، ويبدأ الحكي مع الشر في حكاية أخرى مما يقتضي تحولاً في زمن الحكي نفسه.

***

لقد حاولت من خلال هذه الدراسة الكشف عن البنية أو النظام الذي يكمن خلف التجلي السردي لرواية ليالي ألف ليلة، وتوصلت إلى أن هذه الرواية قد حصلت على تحققها السردي من خلال بنية التحولات، هذه البنية تجلت في القصة الإطار أو الإطار الكلي للحكي، كما تجلت أيضاً في سلسلة القصص أو الحكايات المضمنة وزمن حكيها، بالإضافة إلى تجليها في القصص المطمورة داخل القصص.

لكن تبقي كلمة أخيرة؛ وهي أن هذه الرواية تبصرنا بحقيقة الإنسان الذي تتوزعه نوازع الشر ونوازع الخير، تأرجحه الدائم بين الشك واليقين، بين الضلالة والهدى، بين الآثام والتوبة، سواء كان هذه الإنسان سلطاناً أو وزيراً أو تاجراً أو كبيراً للشرطة أو حلاقاً أو اسكافياً أو بحاراً أو سقاءً.

إنها الحقيقة الأبدية للنفس الإنسانية التي تمتلك قوى الفجور وقوى التقوى في آن، قوى الظلم وقوى العدل، قوى الفساد وقوى الصلاح، قوى الشرور والآثام وقوى الخير والتوبة. إن الرواية تدعو الإنسان إلى تأمل تلك الحقيقة عله يصل إلى الحكمة/ الخلاص.

د. مصطفي بيومي عبدالسلام - أستاذ النقد الأدبي المشارك (كلية دار العلوم- جامعة المنيا)