بنية التحولات في 'ليالي ألف ليلة' لنجيب محفوظ (5 / 6)

لم يصب غضبي إلا الطغمة المستغلة للعباد

إذا كانت بنية التحولات قد تجلت في الإطار الكلي للحكي أو القصة الإطار من حيث أداء الشخصية المحورية لدورها وتحولها من الشر إلى الخير، من الآثام إلى التوبة الصادقة، فإن هذه البنية ينتظم داخلها بنيات صغرى للتحولات تجلت في سلسلة القصص المضمنة، كما أشرت سلفاً، من خلال نظيرة الشر والخير المتكررة في جميع الحكايات، فالحكي في تلك القصص يبدأ بالشر ويستمر في التحول عنه، ويتوقف عندما يتحول الشر إلى نقيضه الخير.

صنعان الجمالي ليس به من الفروسية ذرة، هو تاجر كبير لا يجيد إلا البيع والشراء والمساومة، يعترضه "قمقام" وهو من عفاريت الجن المؤمنة ويطلب منه، بعد أن يتوسل إليه صنعان، أن يقتل حاكم الحي على السلولي.

تلقي "صنعان" الخبر كما يتلقى "سلعة وردت بعد أهوال من وراء البحار ثم تبين عند الفحص فسادها". حاول صنعان أن يتهرب من هذه المهمة بقوله: "لكنه حاكم ويقيم في دار السعادة المحروسة وما أنا إلا تاجر"؛ أعاد "قمقام" تهديده مرة أخري، فنطق اليأس بصنعان قائلاً : "إني طوع أمرك".

استيقظ صنعان من نومه متأخراً فظن أنه حلم فظيع، نظر في كل ما حوله ورد العالم "إلى نظامه بعد خراب شامل"، لكنه يكتشف أثناء الوضوء جرحاً كالعضة فليس ما رآه وهماً. دار برأسه مخاوف يدرك سرها:

"إذا جرى ذكر العفريت فلا يدري ماذا يحيق بسمعته كتاجر غداً، ولا ماذا تتعرض له سمعة كريمته حسنية وابنه فاضل، قد يلد الحلم خراباً شاملاً".

يطرد صنعان عن عقله فكرة العفريت الذي اعترضه، ويعتقد أو يوهم نفسه بأنه حلم قبيح، أما العضة التي تركت جرحاً فالله يعلم وحده السر.

خرج من غير صلاة، وذهب إلى صديقه إبراهيم العطار لعلاج جرحه، لكنه أرهقه القلق فكيف يمكن له أن يهتدي إلى الحقيقة. والراوي يخبرنا بأنه "توغل في حال يتعذر الهيمنة عليها.. وفي ليلة التهم من المنزول قدراً مجنوناً". تخبط وساقته أخيلة معربدة، "وتذكر نساء من أهله شبعن موتاً، فمثلن له عاريات في أوضاع جنسية تطفح بالإغراء، فأسف على أنه لم ينل من إحداهن وتراً". قادته أقداره إلى بنت في العاشرة من عمرها، "ندت عنها صرخة باكية... وزحف اليأس حتى قوض أركان العالم". ذلت قدماه في الهاوية كوحش كاسر أدرك أنه انتهي، "دفعته رغبته للخروج حاملاً الجثة". وإذا بالوجود الثقيل يقتحم وجوده، فأدرك الحلم وسمع الصوت:

- أهذا ما تعاهدنا عليه؟

قال مستسلماً:

- أنت حقيقة ولست حلماً!

- أنت مجنون ولا ريب...

- أوافق على ذلك ولكنك أنت السبب! فقال الصوت بغيظ:

- ما طالبتك بشر قط.

فقال بحرارة:

- ولا وقت للمناقشة، أنقذني لأفي لك بما تعاهدنا عليه.

مارس صنعان الشر، وبدت آثامه عارية مكشوفة أمام نفسه. هو رجل، كما وصفه "قمقام"، "خيره أكثر من شره، أجل له علاقات مريبة مع كبير الشرطة، ولم يتورع عن الاستغلال أيام الغلاء، ولكنه أشرف التجار، وذو صدقات وعبادة وذو رحمة بالفقراء". فلقد آثره "قمقام" بالخلاص، خلاص الحي من رأس الفساد، وخلاص نفسه الآثمة.

لكن صنعان لم يدرك الهدف، ولم يندفع إلى الخير، انهار وارتكب جريمة بشعة، يغتصب بنتاً في العاشرة ثم يقتلها. لقد دخل صنعان دائرة الشر، على الرغم من تأرجحه بين الخير والشر، لكنه ينفذ مهمته باقتدار ويقتل حاكم الحي على السلولي، يتوسل إلى "قمقام" بأن ينقذه مثلما أنقذه سلفاً: "أنقذني فلقد كرهت المكان والمنظر"، يرفض "قمقام" ويقول: "كن بطلاً يا صنعان هذا قدرك"؛ فلقد آثره بالخلاص من الفساد والآثام. إن الحكي يتوقف عندما يتوقف الفساد وتتوقف الآثام، عندما تتحول النفس من الشرور إلى الخلاص/ الخير/ الموت.

حكاية صنعان الجمالي هي تجلي لبنية التحولات، فلقد بدأ الحكي بالشر وتوقف عندما تحول إلى الخير. ذلك الموضوع يتكرر في كل حكاية من حكايات الليالي، فالتجلي السردي للقصص المضمنة يبرز من خلال نظيرة الخير والشر. جمصة البلطي (كبير الشرطة) في قلبه موضع للعواطف وموضع للقسوة والجشع، كف نفسه عن هوايته حداداً على رئيسه على السلولي حاكم الحي المقتول، وحزن على صديقه القاتل صنعان الجمالي أيضاً، فهو الذي قبض عليه، وهو الذي رماه في السجن، وهو الذي قدمه للمحاكمة، ثم ساقه للسياف شبيب رامة، وهو أيضاً من علّق رأسه بأعلى داره وصادر أموله وطرد أسرته من الدار إلى النار.

وسرعان ما تم التفاهم بينه وبين الحاكم الجديد: "خليل الهمذاني"، الذي أسفر عن وجهه في أول تجربة، والتجربة كانت أموال صنعان الجمالي المصادرة، استولى على نصيب منها لا يستهان به، وتساءل جمصة:

"من أين يجيء شهريار بهؤلاء الحكام؟.... ماذا يجري علينا لو تولي أمورنا حاكم عادل؟!".

جمصة البلطي هو رجل يستبيح أي شيء في سبيل الدفاع عن سلطته، "لقد استوعبته السلطة، وخلقته خلقاً جديداً فتناسى الكلمات الطيبة التي تلقاها على يد الشيخ في الزاوية في عهد البراءة". وكلما وقع حادث جديد في المدينة، قبض على عشرات بلا دليل أو قرينة، وعذّبهم بلا رحمة. انهزم جمصة أمام الحوادث الغريبة التي تحدث في المدينة، قطاع طرق لا يعثرون لهم على أثر، لكنه "أبى الاعتراف بالهزيمة". غلبه النوم في حجرة عمله، فاستسلم له كأسد جريح. يأتيه "سنجام"، وهو من عفاريت الجن المؤمنة، ويدور بينهما الحوار الآتي:

- ماذا دعاك للحضور.

- .............

- غباء من يدعون الذكاء.

- .............

- الآن عرفنا سر قطاع الطرق الذين لا يعثرون لهم على أثر..

- الآن فقط...

- من أين لي أن أخمن أنك صاحبهم!

- اعترف رغم غرورك بأنك غبي.

- .............

- كيف هان عليك نهب الأموال وذكر الله يتردد على لسانك؟

- لم يصب غضبي إلا الطغمة المستغلة للعباد...

- .............

- سأفقد عملي من أجل ذلك...

- إنك من الطغمة الفاسدة....

- ............

- إني مثل أعلى في أداء الواجب.

- والمال الحرام...

- ما هو إلا فتات تتساقط من موائد الكبراء.

- عذر قبيح.

- إني أعيش في دنيا البشر.

- ماذا تعرف عن الكبراء؟.

- كل كبيرة وصغيرة، ما هم إلا لصوص أوغاد!

- لكنك تحميهم بسيفك البتار وتطارد أعداءهم الشرفاء من أهل الرأي والاجتهاد...

إن الهواتف الشريفة تساور جمصة وتحاوره في سكون الليل، لكنها لا تترك أثراً في حياته. "سنجام" دفع هذه الهواتف إلى التحقق، لكنه "سيتأرجح طويلاً بين الحاكم وعبث سنجام". تأمل حياته فبدت صفحة مفتوحة أمام عينيه، شهادة غريبة ومرعبة بدأت بعهد الله في الزاوية أيام الصبا وانتهت بعهد الشيطان عندما أصبح كبيراً للشرطة، وخطر الشيخ على قلبه، فذهب إليه ليقص عليه الحكاية، فيعلن الشيخ أن:

"الحكاية حكايتك وحدك والقرار قرارك وحدك".

غادر دار الشيخ موزعاً بين الشك واليقين، بين الشر والخير، بين الضلالة والهدى، لكنه قرر أن:

"يدفن جمصة القديم ويبعث آخر جديداً".

إنه يذهب ناحية التوبة، لم يفعل مثلما فعل صنعان من قبل بأن يتورط في أفعال ممنوعة وآثمة، إنه يعرف هدفه تماماً، وهدفه كان حاكم الحي: خليل الهمذاني، رأس الفساد، "فوجه إلى عنقه ضربة قاضية فاختلطت صرخته المذعورة بخواره، واندفع الدم مثل نافورة".

تحرر جمصة من كل آثامه وشروره، فشعر بأنه يخطو فوق جلاديه وقال لنفسه:

"إن الإنسان أعظم مما تصور، وأن الدنايا التي اقترفها لم تكن جديرة به على الإطلاق، وأن الإذعان لسطوتها كان هواناً دفعه إليه السقوط والتنكر لطبيعته الإنسانية. قال أيضاً إنه يمارس الآن عبادة صافية يغسل بطهرها قذر أعوام الإنفاق الطويلة".

وقف بشجاعة أمام السلطان وقص حكايته، مولده من أبوين من عامة الشعب، تلمذته على يد الشيخ عبدالله البلخي، تعلمه مبادئ الدين والقراءة والكتابة، قوة بدنه التي أهلته للخدمة في الشرطة، واختياره كبيراً للشرطة لكفاءته النادرة، انحرافه خطوة خطوة، حتى أصبح حامياً للمنحرفين وجلاداً لأصحاب الرأي والاجتهاد، ظهور سنجام في حياته، أزماته المتتابعة، وأخيراً توبته.

إن حكاية جمصة البلطي هي تجلى لبنية التحولات، يبدأ الحكي بالشر وينتهي الحكي أو يتوقف عند التحول إلى التوبة الخير. ولم تكن حكاية جمصة البلطي أو حكاية صنعان الجمالي هي تجلي لبنية التحولات فقط، وإنما كانت الحكايات جميعاً في نص الليالي؛ ولا أريد أن أثقل الدراسة بكثرة الشواهد، وإنما أريد أن أشير سريعاً إلى تجلي هذه البنية ذاتها في القصص المطمورة داخل القصص.

في قصة "قمقام" المطمورة داخل حكاية صنعان الجمالي، نجد أنها تجلي لبنية التحولات. إن "قمقام" وهو من عفاريت الجن المؤمنة مستأنس بسحر أسود من قبل حاكم الحي علي السلولي، وهو يستعين به في قضاء مآرب لا يرضي عنها ضميره. ويتحرر من ذلك السحر الأسود عندما قضي صنعان على حاكم الحي على السلولي؛ لقد قال قمقام بمرح:

"الآن تحرر قمقام من السحر الأسود".

وعندما يطلب منه صنعان أن ينقذه، فيقول له:

"إيماني يمنعني من التدخل بعد أن ملكت حرية إرادتي".

إن قصة قمقام تبدأ بالسحر الأسود أي الشرور والآثام، وتنتهي بالإيمان وحرية الإرادة أي تنتهي إلى الخير والتوبة.

ومن تلك القصص المطمورة أيضاً قصة "سنجام" المطمورة داخل حكاية "جمصة البلطي". تبدأ قصة سنجام عندما أخرجه "جمصة" من قمقمه الذي كان مسجوناً فيه عقاباً له "على هفوة من هفوات القلب يغفر الله أكبر منها برحمته". وفي سجنه الطويل، الذي دام أكثر من ألف عام، امتلأ بالحنق والرغبة في الانتقام. ولقد أوشك على الانتقام من جمصة البلطي بقتله لولا مجيء قمقام الذي قال له:

"دعنا منه الآن، هيهات أن يفلت من يديك إذا أردته، ولكن لا تتخذ قراراً وأنت حانق، فما هلك منا عفريت إلا فريسة لغضبه، هلم بنا إلى جبل قاف نحتفل بتحريرك".

لقد فكر سنجام بهدوء فوق جبل قاف وتراجع عن قتل جمصة لأنه أدي إليه خدمة غير منكورة وإن تكن غير مقصودة، فقرر أن يرد الصنيع بمثله. لقد اقتنع سنجام بأنه عفريت مؤمن لا يتجاوز حدوده، فقرر مساعدة جمصة البلطي على التوبة والخلاص من الشرور، كما أنه خلصه من النطع ومسخه إلى عبدالله الحمّال. ويتوقف الحكي عند تحول سنجام إلى الخير، لقد زال عنه حنقه ورغبته في الانتقام.

د. مصطفي بيومي عبدالسلام - أستاذ النقد الأدبي المشارك (كلية دار العلوم- جامعة المنيا)