بنت بطوطة في باريس

مراجعة: أحمد فضل شبلول
باريس وبنت بطوطة قبل الصعود إلى الهوفركرافت في رحلتها من فرنسا إلى إنجلترا عبر المانش

لو كان الكاتب أحمد الصاوي محمد، حيًّا، وأصدر طبعة جديدة من كتابه "باريس" لكان أَلحقَ به مقال أميرة خواسك "باريس .. وجولة في مدينة النور"، المنشور في كتابها الجميل "رحلات بنت بطوطة". فالصاوي جمع في كتابه ـ الصادر عام 1933 والذي جاء في أكثر من أربعمائة صفحة ـ أجمل ما كُتب عن باريس بأقلام الكتَّاب العرب والأجانب، قبل وضع الكتاب.
تُرى كم من المقالات، بل الكتب، التي كُتبت عن باريس، بعد هذا التاريخ؟
وهل يا تُرى ستكون باريس، هي باريس، خلال السبعين عاما التي تفصلنا عن كتاب أحمد الصاوي محمد؟
لعلنا نجد شيئا من الإجابة عند أميرة خواسك التي زارت فرنسا وباريس أكثر من مرة في السنوات السابقة، وكتبت عنها سبعا وعشرين صفحة، في كتابها السابق الإشارة إليه، والبالغ 224 صفحة، فضلا عن ملحق الصور الملونة.
ولعل أهم ما نجده عند أميرة، ولم نجده في كثير من الكتب التي صدرت عن باريس في مصر، رأيها في المرأة الفرنسية.
تقول أميرة: "المرأة الفرنسية ليست جميلة، وليست أنيقة، بل هي من حيث الملامح حلوة، أو عادية جدا، رغم العيون الملونة والشعر الفاتح، كما أن ملابسها عملية، ترتدي ما يناسب تحركاتها، وليس مع ما يتفق وأحدث خطوط الموضة، كما يتصور الكثيرون".
هل هي غيرة الفتاة الشرقية من بنات جنسها الأوربيات الجميلات، أم نظرة واقعية من خلال الملاحظة المعمَّقة للمرأة الفرنسية في شوارع باريس؟
الشيء الجديد أيضا عند أميرة خواسك، ولم نجد مثله بطبيعة الحال في المقالات التي جمعها أحمد الصاوي محمد عن باريس، تعرض الكاتبة لأزمة الجزائريين في باريس في اب/أغسطس 1994 بعد مقتل خمسة فرنسيين في الجزائر قبل عدة أسابيع من التاريخ السالف الذكر، فالجزائريون يملأون باريس، ويمكن تمييزهم بسهولة بلكنتهم الخاصة وملامحهم العربية، ومن هنا فقد كانت الكاتبة شاهدة عيان لما يحدث لهم في باريس. فقد أخذت الحكومة الفرنسية خطوات جادة ومكثفة للرد على ما حدث، وقد بدأت بترحيل عشرين جزائريا بأسرهم خارج البلاد، وقامت بعدة حملات اعتقال للمشتبه فيهم، تعدت الخمسين معتقلا، بسبب ما نبهت إليه إحدى الصحف الفرنسية عن تقرير لمخابرات إحدى الدول العربية المجاورة للجزائر، يشير إلى اتصال هؤلاء المرحَّلين بشكل ما، بجبهة الإنقاذ بالجزائر التي ترفع شعار قتل الأجانب، وأن ثورة الخميني التي احتضنتها فرنسا، هي التي تسيطر على ما يسمى بجبهة الإنقاذ الجزائرية!.
ولعل مقال خواسك عن باريس في هذه الجزئية على وجه التحديد، يذكرنا بكتاب "باريس عاصمة عربية" لمؤلفه نيكولاس بو، وترجمة حسين حيدر، والصادر عن مكتبة مدبولي بالقاهرة، "حيث أصبحت باريس ـ منذ عام 1985 ـ بالنسبة للسلطة الجزائرية مصدرا لجميع المخاطر، حيث عقد آية أحمد اتفاقا مع الرئيس السابق بن بيلا".
***
ونترك أزمة الجزائريين، لنجلس على مقاهي باريس التي تقدم جانبا آخر من الحياة، فالمقاهي والمطاعم الباريسية تعد معلما من أهم معالم باريس، ومن أشهرها المقاهي الموجودة في شارع الشانزليزيه، وحول مبنى الأوبرا، وفي الحي اللاتيني، وهي تقدم إلى جانب المشروبات بعض الوجبات الخفيفة والسندوتشات. وقد ذكر الكاتب الأمريكي إرنست هنمجواي في كتابه "ليالي باريس" الكثير عن مقاهي باريس أثناء إقامته بها خلال السنوات 1921 ـ 1926. وكيف أنه كان يمارس الكتابة ـ خاصة في الصباح ـ على طاولاتها.
ونمضي مع الرحَّالة بنت بطوطة (أميرة خواسك) في رحلتها إلى باريس، وتحت عنوان "المدينة الخالدة" نقرأ إن باريس من المدن التي أبدعها العقل الإنساني لتكون مدينة خالدة، وتكون رائدة للفنون والثقافة، والتي عانت على مدى تاريخها من الغارات والتخريب، على يد الإنجليز والألمان، خاصة في الحرب العالمية الثانية، حيث دخلت جيوش هتلر باريس، ومكثت بها حتى أغسطس 1944، وكانت معظم أحيائها الصناعية قد خُربت. ولكنها باريس التي قامت من الدمار مثل طائر الفينيق، لتصبح مرة أخرى عروس العالم. ولتظل معالم باريس في الذاكرة الإنسانية مدى الحياة، ومن أهمها متحف اللوفر، وقوس النصر الذي يمثل نقطة التقاء اثني عشر شارعا مستقيما، مكونة ما يشبه النجمة، من خلال ميدان نجمة شارل ديجول، وكنيسة الساكركير أو القلب المقدس، والذي يقع أسفل منه تماما أحد أحياء البغاء في باريس، وهو شارع بيجال الذي غالبية رواده من الرجال.
أيضا هناك نهر السين الذي يقسم باريس على شكل هلال، ويصل عدد جسوره إلى ثلاثين جسرا، ويعد كل منها عملا معماريا رائعا، ليس من فوقه فحسب، ولكن من أسفله أيضا حيث بنيت القواعد كأقواس نصف دائرية تزينها التماثيل. * الإسكندرية في باريس ويبدو أن هناك ولعا باريسيا بالإسكندرية، مثلما هناك ولع سكندري بباريس، وولع فرنسي بمصر، فتحت عنوان "الإسكندرية في باريس" تقول الكاتبة: "في قلب باريس وفي منطقة ستراسبورج سان دنيس، تجد نفسك فجأة في الإسكندرية من ناحية الشكل الخارجي للشوارع وحتى أسمائها! فهناك شارع الإسكندرية، وشارع أبي قير، وهذا الأخير أصبح مقصد الكثير ممن يجيدون التسوق والشراء والفصال في الأسعار على الطريقة المصرية".
وتشير الكاتبة إلى رحلة النفق الأوربي الذي يربط فرنسا بإنجلترا أسفل بحر المانش الذي يوفر الكثير من الوقت والمتاعب، ويحقق مصالح كبيرة للدول الأوربية، حيث تستغرق الرحلة 25 دقيقة بالقطار داخل النفق بين ميناء كاليه الفرنسي، ودوفر الإنجليزي.
وفي نهاية مقالها عن مدينة النور، تحذر الكاتبة من النشالين في باريس، حيث تعدد السرقات هناك أصبح ظاهرة جديدة تشوه وجه باريس الجميل، وكلها تتم بسرعة البرق حتى تكاد تسبب الجنون لأصحابها. وهذا وجه آخر من وجوه باريس المتعددة، ففرص العمل النادرة جدا والأسعار المرتفعة جدا، والحياة شديدة القسوة بالإضافة إلى النظرة المتدنية من المجتمع للأجانب، شجع على ظاهرة السرقة خاصة من جانب الزنوج والجزائريين.
ومع ذلك تظل باريس حلم الملايين، وأجمل عواصم العالم على الإطلاق، وبلد الجن والملائكة، كما قال عنها توفيق الحكيم. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية