'بنات أحلامي' بين الوهم والحقيقة

مجموعة العذابات الروحية والمادية

في "بنات أحلامي" تكتب المصرية عزة رشاد مجموعة قصصية تتسم بدقة التفاصيل وبسرد جاذب وتقوم على وقائع ملتبسة تراوح بين الوهم أو الحلم وبين الحقيقة.

ولعل الحقيقة في القصص تأتي محاطة بأجواء غامضة وبشعور من عالم اللاوعي يجعلها اقرب إلى الوهم والخيال ويكون للخيالي فيها صورة مشتهاة حينا أو صورة تهرب من الحياة الحقيقية حينا آخر. في كثير من القصص رغم بساطة طريقة العرض والوصف أجواء سريالية تتردد في حالات كثيرة فضلا عن تفاصيل شبه كابوسية في عدة مجالات.

في القصص تجعلنا المؤلفة نعيش أحيانا مع النوازع البشرية المختلفة وقد لا تأتي بهذه النوازع جلية بل هي عندها خبيئة تحتاج إلى جهد للكشف عنها او التكهن بها. وفي أحيان أخري اقل غموضا نجدها ضبابية غائمة إلا ان ذلك يزيد من فضول القارئ ويقوي عامل التشويق.

مجموعة الأديبة عزة رشاد التي اشتملت على 11 قصة جاءت في 111 صفحة صغيرة القطع مع لوحة غلاف للفنان مصطفى حسين. والكتاب صدر عن مؤسسة كتاب اليوم في نطاق السلسلة الثقافية التي تصدر عن دار أخبار اليوم في القاهرة.

الكاتب احمد الخميسي كتب مقدمة قيمة للمجموعة القصصية التي هي الكتاب الرابع للمؤلفة تناولت أمورا عامة وتفاصيل بارزة في عدد من هذه القصص.

يبدأ بتناول قصة معينة في مجموعة "بنات أحلامي" فيقول ان عزة رشاد "تقدم لنا عظمة ومأساة توارث الحب والكراهية والغيرة وتلقي الضوء كما في القصص الاخرى على حياة البشر المتنوعة والثرية ومغزى وجودهم والعلاقات المرهفة والمعقدة بينهم والذكريات التي تشكل أحيانا كل وجودهم وأحلامهم بمجتمع أكثر رأفة وعدالة والعذابات الروحية والمادية.

"ولن تجد عند عزة رشاد موضوعا زاعقا او صاخبا أو لافتا للنظر. إن موضوعها هو الحياة البسيطة اليومية التي تمضي دون انتصارات استثنائية او انكسارات مدوية. موضوعها هو حياتنا الاعتيادية التي يعد استمرارنا فيها عملا بطوليا. خلال ذلك تمسح عزة رشاد عن ارواحنا غبار الحياة اليومية لنواجه انفسنا بالسؤال اهذه هي الحياة التي ينبغي ان نحياها؟! او ان نسأل ما قيمة ان امشي بدون جناحين يحملانني الى عوالم تعجز قدماي عن الوصول اليها؟! كما تساءلت بطلة قصتها المسماة (قطوف دانية)".

ويقول الخميسي ان ابداع الكاتبة يتسم "بالنبرة الخفيضة التي تشبه طفلة مختبئة خلف شجرة وارفة الظلال وتحاول ان تهمس اليك بالحقيقة بينما انت تعبر الطريق".

وقال ان الطبيبة عزة رشاد تثبت بروايتها الاولى "ذاكرة التيه" وبمجموعاتها القصصية "وخاصة بنات أحلامي قدرتها على السرد بكل أساليبه بروح شاعرية تنير بخفوت مواقع الاحداث ونفوس الشخصيات وتأسى لاحوالها بعطف جميل يمتاز به كل كاتب كبير حقا".

في قصة (الياسمين الشائك) تتحدث الكاتبة بهدوء حازم. ومع ان كلامها احيانا يفيض دعابة وسخرية فهو لا يهدر ساعة الغضب ولا يميل الى الانطفاء عند وصف الخيبات والآلام. انها قصة عائلة تعاني بعد ان فقدت الاب والزوج المعيل وتسلط شقيقه العم على قسم كبير من دخل العائلة من دكان مشترك. البنت الكبرى هند يأتيها خطاب وسرعان ما يخفق الامر لان الام تطلب شقة سكنية بناء على طلب الزوج الراحل ذلك منها في الحلم ونتيجة اختلاف على "الشبكة" وغيرها من الذهب الذي يقدم الى الفتاة كل مرة.

الجو في المنزل يختصر في قول البنت الصغرى "أراقب هند تتقلب في فراشها صامتة واصغي لوقع خطوات ماما الهامس في الصالة فاشعر باننا شركاء في لعبة تتظاهر كل منا بان كل شيء على ما يرام".

في قصة (عن ترميم الاحلام) تصوير للظلم والاعتداء. السعي الى الانتقام يترجح بين التمني والفعل. وفي حال المعتدى عليها جنسيا يبدو ان الشعور بالعدالة -نتيجة انتقام- هو عامل شفاء جسديا ونفسيا.

في قصة (عن النجوم البعيدة) كلام عن سوء الفهم والاوهام التي تسيطر على عقل الانسان خاصة عند وقوع موت في العائلة. العالم هنا وفي قصص الكاتبة دائم المراوحة بين عتمة المجهول وأضواء الواقع.. وبين هذه وتلك تتحرك الحياة.

في قصة (غزوة الازرق) وصف دقيق وناجح وظريف لحالة كثيرا ما يتعرض الانسان لمثلها. صراع بين ذبابة زرقاء وبين بطلة القصة ادى الى تحطم كثير من الاشياء القيمة في البيت انتهاء الى ابتلاع الذبابة عن طريق خطأ بعد دخولها الفم المفتوح. حديث عن محاولات البطلة "تطهير" داخلها بزيت الخروع وغيره قبل وصول الضيف المهم لعمل زوجها.

وعند مجيء الضيف وزوجته لم تستطع البطلة لضعفها الناتج عن شرب زيت الخروع ان تفتح الباب لهما فانصرفا حانقين. ثم ان الزوج تأخر أيضا بعد ان ادت ذبابة زرقاء حطت على زجاج سيارته الامامي الى اصطدامه بسيارة اخرى.

في القصة وصف دقيق وصريح وظريف لعبثية الجهد الانساني احيانا ازاء امور تبدو لنا تافهة بل مقرفة. انها حال تنتهي بالضحك كما حدث للمرأة عند وصول زوجها ومعرفة ما جرى لهما معا. تقول واصفة صراعها مع الذبابة "صفعت ذراعي بقسوة آملة في قتل الحقيرة. أمل لم يتحقق لسوء الحظ بل يبدو انه استثارها واستفز همتها اذ عمدت الى مهاجمتي بشراسة. حتى قفاي لم تعتقه! ادركت انني تسرعت في تقديرها وفي نعتها بالغباء. يجب ان نعطي كل ذي حق حقه وان... نعدل استراتيجياتنا مع كل اكتشاف".

في قصة (لو انك وردة) لعب على حدود الاثنين: الحلم والواقع يصل الى نتائج ملتبسة. الابنة العزيزة غير القادرة على القيام بشيء بنفسها تتحول في الحلم الى سارقة ناجحة سرقت خزنة والدها ووضعت محتوياتها في حقيبة حمراء. سرقت مال ابيها الذي لا يبخل عليها بشيء وهو في النتيجة مال سيكون لها وليست بحاجة الى السرقة. العلاقة بين امها وابيها -كما اكتشفت- هي غير ما كانت تعرف. وفي اليقظة تعثر على حقيبة امها الحمراء وتجدها محشوة بمال ابيها.

في قصة (ديوان المظالم) عالم حلم وفيه كما في قصص أخرى يبرز جو من الفقد.. الام الغائبة مثلا والولد الباحث عنها.. او الاب الغائب الذي يخلف وراءه حزنا ولوعة. يبرز هذا الفقد في الواقع وفي الاحلام. ويشكل الهرب من عالم الواقع الى الحلم عودة الى فردوس مفققود هو عالم الجد والجدة وايام الصغر. في القصة اجواء كابوسية وسريالية في أكثر من مجال كأن نشهد في الحلم كائنا معدنيا مخيفا.