بمناسبة اندماج الائتلافيـْن: تريدون الحق أم إبنَ عمـِه؟

بقلم: إبراهيم الزبيدي

قبل الانتخابات الأخيرة، وأثناءها وبعد إعلان نتائجها، توقعت ألا يتمكن أياد علاوي من الإمساك بكرسي رئاسة الوزارة. وقلت إن هذا غير ممكن عمليا ونظريا معا. فلا إيران، ولا الأحزاب الشيعية المرتبطة بها، ترغب أو تتحمل التضحية، فتسمح لهذا الموقع الحساس بأن يذهب لطائفة العرب السنة، على قلة مقاعدها في البرلمان القادم، في مواجهة الوحدة الحتمية والمؤكدة بين الحليفين اللصيقين، الوطني ودولة القانون، مهما أرغى التيار الصدري وأزبد في مشاكسة المالكي، خصوصا وأن مقتدى الصدر نفسَه قابع في قم ويتنفس هواء الولي الفقيه هناك.
هذا يضاف إلى التحالف الحتمي والطبيعي بين كتلة إيران، إن صحت التسمية، وبين الكتلة الكردية، بدوافع مصلحية محضة، لا علاقة لها بعمق الصداقة ولا طول أمدها، ولا بالمشاعر الأخوية التي عول وما زال يعوّل عليها علاوي كثيرا، دون جدوى.
لذلك جاء إعلان الحليفين التوأمين، الائتلاف الوطني ودولة القانون، عن اندماجهما من جديد، متوقعا، حتى قبل بداية الانتخابات.
وبهذا الإعلان صار من حقنا أن نتشفى بأؤلئك الذين راهنوا على الخيول الخسرانة، وأنفقوا أطنانا من ورق الجرائد، وسيولا من الندوات والأخبار الفضائية الملفقة، وملايين الدنانير والدراهم والريالات والدولارات، فخيب الله أحلامهم، ومنعهم من العبث بأمننا وعلاقاتنا ببعضنا وتخريب نفوسنا وتمزيق دولتنا وتحطيم وحدة عراقنا العزيز.
ورغم أن التحالف الجديد طائفي بامتياز، كما شخصه قادة "العراقية"، إلا أن المواطن العراقي المستقل الذي فقد صبره على مسخرة المهاترات حول الأصوات والمقاعد، وحول صاحب الحق القانوني بتشكيل الوزارة، والتي طالت أكثر من المعقول، لا يملك غير الترحيب بهذا الاندماج ومباركته والصلاة من أجل أن يهدي الله قادته إلى العمل بإخلاص وجد وحماس، لا من أجل تأمين حاجات المواطن العراقي، بل من أجل حماية ظهر التحالف الجديد نفسِه، وتثبيت أقدامه في السلطة، والعمل على غلق جميع الثغرات التي استثمرها أياد علاوي بجدارة، وأولها تحسين علاقة السلطة الشيعية المتهمة بالولاء الإيراني بدول الجوار العربية، وخاصة السعودية والأردن ومصر والكويت، واستقطاب من يمكن استقطابه من قادة السنة الذين تحالفوا مع علاوي، مرحليا وانتخابيا فقط، وبأوامر مشددة من وراء الحدود.
دستوريا وقانونيا وديمقراطيا، أصبح من حق التحالف الجديد أن يحتكر الحكومة لأربع سنوات قادمة. فهو صاحب الأغلبية، خصوصا إذا ما انضمت الكتلة الكردستانية إلى الأمر الواقع الجديد.
ويفرض الحق والعدل والسلوك الحضاري على أياد علاوي ورفاقه في العراقية أن يحترموا أصول الديمقراطية، وأن يتوقفوا عن حلم اليقظة العبثي بتشكيل الحكومة، وأن يبنوا جبهة متماسكة قوية تجلس في مقاعد المعارضة الوطنية العلمانية غير الطائفية، لكي يصبح لدينا تاريخ مشرف في تداول السلطة سلميا، ولكي ننضم إلى ركب الشعوب التي تحترم نفسها، فتقيم نظامها السياسي على أساس حكومة أغلبية تحكم، وأقلية تعارض وتعمق السلوك الديمقراطي الصحيح.
أربع سنوات، قد تكون عجافا كسابقاتها. هذا ممكن ومتوقع. ولكننا، في الوقت نفسه، قد نفاجأ، خلافا لتوقعاتنا، بحكم وطني نزيه وأمين يجاهد من أجل تحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من حاجات المواطنين، ويرسي الأمن وسلطة القانون، فعلا لا قولا، ويقلم أظافر الفاسدين والمفسدين، ويعيد للعراق مكانته، ويحمي كرامته التي وصلت إلى ما دون الحضيض.
لست مدافعا بهذا الكلام عن التحالف الجديد. فإن أكثر شيء أخافه، في حياتي، هو أن أرى معمما يقود وزارة دفاع أو داخلية أو ثقافة، ناهيك عن رئاسة الوزراء. ولكنني هنا أقبل السيئ لأتفادى الأسوأ. فأنا أطالب هنا وبإلحاح بأن نسمح للتحالف الجديد باحتكار السلطة، أربع سنوات، دون مشاركة مفروضة بالقوة أو بالمحاصصة. أي دون وزراء تحمي ظهورهم أحزاب ومليشيات ووطوائف وأديان وقوميات. فكثيرا ما اشتكى المالكي من أن لديه وزراء غير كفوءين، أو فاسدين أو مشاكسين، ولكنه لا يستطيع محاسبتهم، لأنهم مفروضون عليه، ولأن المكونات المتحاصصة الأخرى تحميهم، وتمنعه من طردهم، أو حتى مساءلة أي منهم. وهذا هو المردود الطبيعي والمتوقع لنظام المحاصصة الطائفية والقومية الذي اخترعوه هم، وحافظوا عليه وقدسوه. لا يهمني ولا يعنيني من سيكون رئيس الوزراء الجديد. ليكن من يكون. فكلهم لدي سواء.
دعوهم يشكلون حكومتهم بحرية كاملة، كما يحصل في دول عديدة، ولننتظر أداءهم ونراقب أعمالهم ونحصي عليهم إنجازاتهم وإخفاقاتهم، ونتقابل ونتحاسب في موسم الانتخابات القادمة.
نعم إنهم طائفيون، وهم إيرانيو العشق والهوى، ولكن خصمهم أيضا حج إلى طهران قبلهم، وغازل حكومة الولي الفقيه، ثم زار المرجعية، والتمس بركاتها، ضمن جهوده البرغماتية لكسب معركة رئاسة الوزراء.
في مطلع الشهر الماضي كتبت قائلا:
"إن المسألة ببساطة، كما يعرفها العراقيون، وهم أهل مكة وأدرى بشعابها، هي أن الذي خاض الانتخابات جبهات ثلاث لا رابع لها، رغم وجود بعض التجمعات الصغيرة المتناثرة.
الأولى جبهة شيعة إيرانية الهوى، بقيت هي الأوسع وهي الأقوى، وقد حصلت على 89 مقعدا لتحالف المالكي و70 لائتلاف الحكيم. والتحالف بين الفريقين كان ويظل حتميا ومحكوما بالرغبة الإيرانية المؤكدة في نهاية المطاف.
والثانية جبهة سنية طائفية عشائرية عنصرية بعثية، لا علاقة لها بالعلمانية ولا بالديمقراطية، مهما تنوعت التسميات والشعارات، وحـَّدت بين تياراتها العديدة أخطاء الأحزاب الشيعية التي حكمت العراق في السنين السابقة. وبرغم كل الدعم الهائل الذي حصلت عليه هذه الجبهة من دول وقوى وأحزاب وأجهزة إعلام عربية وعالمية كبرى عديدة، وبرغم كثرة تياراتها وأحزابها وعشائرها، لم تحصل سوى على 91 مقعدا مقابل 159.
أما الثالثة التي تقف بين الجبهتين العربيتين، الشيعية والسنية، فهي جبهة الحزبين الكرديين التي تعتبر بحق بيضة الميزان بينهما. وعلى أساس تحالفاتها المنتظرة سوف يتقرر مسار القطار العراقي في سنوات الضياع الأربع المقبلة. وقد صرح أحد أقطابها مؤخرا بأن تحالف الجبهة الكردستانية مع قائمة علاوي يضر بمصالح الجبهة. وفي ذلك إشارة خفية إلى عقدة كركوك ورئاسة الجمهورية وبعض المواقع السيادية، في مقدمتها وزارة الخارجية ورئاسة أركان الجيش."
وهذا ما حدث. وكنت أتمنى على علاوي أن يقرأ الأمور بعقله لا بقلبه ولا بأمنيات أتباعه ومريديه. فالسياسي الشاطر هو الذي يرى ما وراء الغيوم العابرة.
ورغم كل ما قيل وما سوف يقال عن التحالف الجديد، فالمؤكد أننا تقدمنا خطوات لا بأس بها، بفضل أزمة المقاعد البرلمانية غير الحاسمة.
فالمالكي الذي كان قد أصابه الغرور في أيامه الأخيرة، وحلم بالتفرد بالسلطة، وبَشرنا بحكم الأغلبية، بعيدا حتى عن رفاقه وأشقائه وأحبته، ناهيك عن محاصصيه الآخرين من العرب السنة والأكراد، تلقى درسا قاسيا بانت أولى نتائجه مؤخرا. فقد تخلى عن ملايين العراقيين الذين انتخبوه على أساس البعد عن الئتلاف الطائفي، وغادر خيمته الذهبية (دولة القانون)، وعاد إلى قواعده (الائتلافية) سالما.
شيء آخر مهم. عمار الحكيم أيضا قد استدار، هو الآخر، على ضوء نتائج الانتخابات التي أشعرته بالضآلة والفشل، وبقرف المواطنين من ائتلافه ومجلسه. فقد فاجأنا مؤخرا بعروبيته وتمسكه بعدم تهميش أحد، وبمعارضته الشديدة للاجتثاث والهيمنة الطائفية. ثم راح يدعو إلى توازن العلاقة بدول الجوار، وإلى تأكيد عروبة العراق وانتمائه لمحيطه.
حتى مقتدى الصدر نفسه تغير. فبعد أن كان مصرا على عدم التحالف مع المالكي، جزار تياره في البصرة والنجف، غير رأيه، فجأة، ووافق على وضع يده في يد عدوه من جديد.
على العموم، إن تصريحات الكثيرين من قياديي الائتلاف ودولة القانون تعدنا بسلوك يختلف، كليا، عما شهدناه في السنوات العجاف الماضية. نتمنى أن يصدقونا القول وأن يكونوا، كما وعدونا، رجالَ قول وفعل.
الشيء المهم والوحيد الذي نتمناه من قادة العراقية أن يصبروا مثلنا، ويجهزوا أنفسهم لخوض الانتخابات القادمة، بوجوه جديدة، ديمقراطية علمانية حقيقية، أكثرية أصحابها من غير العرب السنة الطائفيين، من ديمقراطيين حقيقيين، من جميع مكونات الشعب العراقي الأخرى، وأن يختاروا لقيادتهم شخصية جديدة نقية ليس فيها عيوب القيادة الحالية وانتهازيتها الكريهة.
هذا هو الحق، فهل تريدونه أم تريدون إبن عمه؟ إبراهيم الزبيدي