بماذا اوصى الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين

كتب: أحمد فضل شبلول
رائد في التقريب بين المذاهب

صدرت مؤخرا الطبعة الثانية من وصايا الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، عن سلسلة "الكتاب للجميع" التي تصدرها دار المدى للثقافة والنشر بدمشق، وبيروت، وبغداد، وتوزع في مصر مجانا مع جريدة القاهرة الأسبوعية.
وقد صدرت الطبعة الأولى من هذه الوصايا عن دار النهار اللبنانية عام 2002.
وقام الكاتب الصحفي والسياسي اللبناني المخضرم غسان تويني بتقديم الطبعة الثانية، وهو يقول عن هذه الوصايا إنها دعوة إلى وحدة الأمة، نندمج فيها كلنا معا، فلبنان وطن نهائي لجميع بنيه.
أما عن الوصايا نفسها فقد سجلها الإمام الراحل على شرائط كاسيت قبل وفاته في العاشر من كانون الأول / يناير عام 2001 بعد سبعة أشهر طوال من معاناة مرض خبيث وعلاج شديد الوطأة. وقام ابنه إبراهيم بتفريغ النصوص المسجلة بصوت الشيخ وتدوينها على الورق، وكان يراجع التسجيل مرة بعد مرة ليتأكد من اللفظ والصوت والكلمة، بعد الوهن الذي أصاب الشيخ من وطأة العلاج الكيميائي، ومن تعب السهر.
يقول الابن إبراهيم عن هذه الوصايا: "إنها تنطوي على جملة من المواقف والاجتهادات والتوجيهات، حول قضايا عربية وإسلامية عامة، وقضايا لبنانية خاصة، وشيعية بوجه أخص، ولئن كان الإمام قد دأب على إعلان ذلك في غير مناسبة، إلا أنه في هذه الوصايا بالذات، إنما أراد أن يقول كلاما أخيرا، واضحا ودقيقا في بعض المسائل الحساسة الحرجة".
وقد بلغ عدد هذه الوصايا عشرا، جاءت في 54 صفحة، وفيها يتحدث الإمام الراحل إلى عموم الشيعة في مختلف الأوطان، كما يتحدث عن تجرية الشيعة اللبنانيين، وعن الفاعلية المسيحية في لبنان والشرق، وعن موضوع إلغاء الطائفية السياسية في لبنان، ويقول في هذه الوصية: "تبين لي أن إلغاء الطائفية السياسية في لبنان، يحمل مغامرة كبرى قد تهدد مصير لبنان، أو على الأقل ستهدد استقرار لبنان، وقد تخلق ظروفا للاستقواء بالخارج من هنا ومن هناك، ولتدخل القوى الأجنبية من هنا ومن هناك".
أما في وصية "عودة إلى توصية الشيعة في جميع أوطانهم" فيقول: "أوصي الشيعة في كل مجتمع من مجتمعاتهم، وفي كل قوم من أقوامهم، وفي كل دولة من دولهم، ألا يفكروا بالحس السياسي المذهبي أبدا، وألا يبنوا علاقاتهم مع أقوامهم ومع مجتمعاتهم على أساس التمايز الطائفي، وعلى أساس الحقوق السياسية والمذهبية".
وهو يؤكد على ذلك بقوله: أوصيهم بأن يندمجوا في نظام المصالح العام، وفي النظام الوطني العام، وأن يكونوا متساوين في ولائهم للنظام والقانون، وللاستقرار، وللسلطات العامة المحترمة.
وهو يعلن رأيه بكل وضوح بشأن حركات الاحتجاج الشيعية المحضة، فيقول: لا أوافق ولا أرجح أن تقوم حركات احتجاجية شيعية محضة، وأكرر وصيتي للشيعة ألا ينشئوا أية مواجهة أمنية سياسية مع أي نظام من الأنظمة، ويستثني من ذلك شيعة العراق، ويؤكد إن وصيته بالنسبة لهذا الموضوع لا تشمل العراق، حيث يرى الشيخ أن العراق حالة شاذة، والحركة السياسية المطلبية الموجودة فيه ليست في الحقيقة حركة الشيعة، إنما هي حركة الشعب العراقي.
وعودة إلى موضوع إلغاء الطائفية السياسية في لبنان، يرى الشيخ أن المطلوب هو إصلاح نظام الطائفية السياسية، وليس إلغاء نظام الطائفية السياسية، ويرى أن اتفاق الطائف يعد صيغة نموذجية ينبغي تنفيذها تنفيذا أمينا لتحقق غاياتها المرجوة منها.
وفي وصية بعنوان "الأمانة العامة للقمة الروحية الإسلامية" يؤكد الشيخ أن على الشيعة اللبنانيين أن يندمجوا في محيطهم الإسلامي اللبناني اندماجا كاملا، وألا يقوموا بأية خطوة تمايزهم عن غيرهم من إخوانهم المسلمين اللبنانيين، وفي نفس الوقت يرى أن هذا الاندماج لا يكون على قاعدة طائفية مذهبية، وإنما يكون منسجما مع الاندماج العام في الوطن، مع الشعب اللبناني كله، وعلى قواعد الثوابت الميثاقية للشعب اللبناني التي تؤكد بالدرجة الأولى على أن المسيحية في لبنان جزء مقوم للبنان، كالإسلامية في لبنان، وأن لبنان لا يقوم إلا بالتكامل، وإلا بالعيش الواحد، وليس العيش المشترك فقط.
ثم يتحدث الشيخ الإمام محمد مهدي شمس الدين في وصاياه عن الجامعة الإسلامية في لبنان، وعن الشيعة ومقولة الأقلية في الشرق، محذرا من وقوع الشيعة في لبنان في فخ الأقلية، وأن يرفضوا أية دعوة لاعتبار أنفسهم أقلية، وتحت أي إغراء من الإغراءات أو سمة من السمات، وهو يضرب مثلا بتجربة شيطانية نحاربها وتحاربنا، حيث نرى كيف تعمل إسرائيل لتندمج مع محيطها، ولتكون جزءا منه، ولئلا تكون شاذة عنه.
ويختتم الشيخ الإمام وصاياه بالتحذير من مقولة الأقلية، فهو يرى أنه لا توجد أقليات مسلمة، ولا توجد أقليات مسيحية، وإنما توجد أكثريتان كبيرتان: إحداهما أكثرية كبيرة هي الأكثرية العربية التي تضم مسلمين وغير مسلمين، والأخرى هي الأكثرية الأكبر وهي الأكثرية المسلمة التي تضم عربا وغير عرب، والشيعة مندمجون في هاتين الأكثريتين، وهم تارة من الأكثرية العربية، وتارة جزء من الأكثرية الإسلامية، وكل شيء دون هذا فهو مشروع فتنة، وفخ لاستخدام الشيعة في مصالح غربية أجنبية مخالفة لمصالحهم هم كشيعة.
***
هذه بعض وصايا الإمام الشيخ الراحل محمد مهدي شمس الدين، أحد كبار المراجع الشيعية في لبنان، والرئيس السابق للمجلس الأعلى الشيعي في لبنان. وهو مؤسس المدرسة العربية في التشيع ـ التي تواجه المدرسة الإيرانية في مدينة "قم" وصاحب فتوى حرمة دعوة الشيعي إلى مذهبه وسط البلاد السنية والعكس. وقد أسهم الشيخ الإمام الراحل في الدعوة للتقريب بين المذاهب، وعين عضوا بالمجلس الأعلى للبحوث بالأزهر، وعارض نظرية ولاية الفقيه الخمينية داعيا لأن تكون الأمة ولية على نفسها. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية