بل تخريف على الملأ يا سفارة إيران

بقلم: د. سالم حميد

تكفّل القسم الإعلامي لسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في أبوظبي بالرد على صحيفة الخليج الاماراتية التي تناولت التحريف الايراني المشهور لكلمة الرئيس المصري في قمة عدم الانحياز تحت عنوان "تحريف على الملأ" تناولته الصحيفة في شكل تحليل إخباري ما جعل الرد الايراني يأتي ملقيا باللائمة على الصحيفة التي لم تراعِ حرمة الجوار ولا المهنية التي كان من المفترض أن تجعل صحفييها أن يتبينوا قبل أن يصيبوها برشق موجع.

ما يدعو للسخرية حقا هو المكابرة الغريبة التي تجعل جهة سيادية تتجرأ بطلب كهذا لحادث من هذا النوع. فالأمر بيّن لا يحتاج تبيان وقد لاكته كل وسائل الاعلام الإقليمي والعالمي ولم تجد إيران من تطالبه بالتبيّن غير صحيفة الخليج الاماراتية المشهود لها بالمهنية والمصداقية. وهو ما يدلل على أن ما تم تناوله من الواقعة عبر الصحيفة كان موجعا لدرجة إقتضت الرد حتى لو كان هذا الرد يخلو من منطقية أو أن يتعمد قلب الحقائق الذي تجيد السياسة الايرانية تعاطيه بدءا بالكثير من الشئون الداخلية وانتهاء بالملف النووي الذي لازالت تراوغ فيه رغم تقارير الخبراء وجهات الاختصاص.

يقول الرد الايراني في محاولات تبريرية يائسة "ولتوضيح ما حصل ينبغي الإشارة إلى الأمور التالية:

أولاً: إن وقائع افتتاح مؤتمر قمة عدم الانحياز، نقلته وبشكل مباشر قناة “خبر” التلفزيونية، التي تتولى عادة تغطية مؤتمرات كهذه للداخل الإيراني، وكانت هناك ترجمة حية إلى اللغة الفارسية، حيث نقلت القناة بالصوت والصورة كل التفاصيل بما فيها كلمة الرئيس المصري بكل دقة واحتراف. لزاماً أن تبينوا.. قبل أن تصيبونا..

ثانياً: القناة الأولى للتلفزة الإيرانية، أيضاً قطعت برامجها ونقلت مباشرة وقائع افتتاح مؤتمر قمة عدم الانحياز وكانت الترجمة إلى اللغة الفارسية حية ومباشرة، وخلاصة ما حصل، أنه خلال كلمة الرئيس المصري محمد مرسي وتطرقه للأزمة السورية وقع المترجم سهواً في خطأ، حيث ذكر البحرين بدلاً عن سوريا، حيث تطرق الرئيس المصري للشأن السوري أكثر من مرّة وكانت الترجمة دقيقة وكاملة."

الرد، إذا، يعترف بخبرة وحرفية قنواتها التلفزيونية الناقلة، وفي ذات الوقت يقول أن الأمر وقع سهوا من مترجم! أليس حرفية القناة مرتبطة بحرفية مترجميها؟ وهل من المعقول أن يقع المترجم في سهو وهو في هذا الموقع وفي قمة بهذه الأهمية وفي أول حديث لرئيس مصري في إيران منذ عقود طويلة؟ وهل كلمة البحرين نطقا يمكن أن تكون محل سهو مقابل سوريا؟ ولماذا البحرين وسوريا بالذات خاصة في ظل التدخلات الايرانية المعقدة في الدولتين ودورها الذي استهجنته شعوبها قبل دول العالم الأخرى؟

ويناقض الرد الايراني نفسه حين يقول "الإعلام الإيراني الرسمي كان السباق لكشف هذا الإشكال، وهبّت الصحافة والقنوات الإيرانية بالاعتراض على القناة الأولى ومترجمها لعدم دقته وانضباطه."

بغض النظر عن عدم دقة وانضباط مترجم القناة المحترفة، أليس الادعاء بسبق الاعلام الايراني في اكتشاف الخطأ محض كذبة والعالم كله يدري بأن أول من اكتشف الكذبة كانت قناة تلفزة عربية اللسان؟

والمغالطة الكبرى في الرد جاءت في سبب الاستنكار "أن الضجة الإعلامية تأتي في سياق تشويه الصورة لحرف الأنظار عما تحقق في قمة طهران من إنجاز اعترف به القاصي والداني."

إيران تعتقد أنها حققت معجزة عبر استضافة المؤتمر وتولي رئاسته، وحكمها عليه بالنجاح سابقا لأوانه فالمؤتمر لم يتم تحليله التحليل الاختصاصي الدقيق حتى الآن، وانكشاف أمرها في تزوير الترجمة كان فشلا، وحتى كلمة الرئيس المصري الذي تعقد عليه آمالا كبيرة كانت صادمة لها، والموقف من القضية السورية أو البحرينية لم يكن في مصلحتها، ولا حتى استطاع المؤتمر أن يحقق أمانيها بتخفيف وتيرة ضغط العقوبات المفروضة عليها والتي جعلتها تشكو حتى من عدم وجود الأسواق التي تشتري منها النفط، وغيرها من جوانب كثيرة لو تم تناولها لأدركت إيران أن بريق الاعلام لن يتمكن من ذر الرماد في العيون التي ترى في كل يوم نتائج خيبتها غير المعلنة في تحقيق أهدافها من تنظيم المؤتمر.

ويمثّل الاعتراف بوجود الخطأ من خلال سهو المترجم أو عدم حرفيته داحضا لأسباب الرد على الصحيفة التي لم تغطي حدثا لم يقع ولا تجنّت على ايران باختلاق حادثة من بنات أفكارها.

ويأتي جنوح الرد للتذكير بحقوق التجاور مضحكا مستهجنا فأي جوار هذا الذي تمنت السفارة الايرانية من الصحيفة الاماراتية صونه في وضع أشبه بقوله تعالى "أتدعون الناس إلى البر وتنسون أنفسكم". فالدولة الفارسية الشيعية المسلمة صانت حقوق الجار بامتياز في احتلالها جزر الامارات الثلاث، وصانت تلك الحقوق المقدسة حينما هددت بدخول البحرين في ساعتين، وصانتها حين حاربت العراق ثمانية سنوات متتالية، وحين شاركت ولا تزال في صناعة الفوضى التي يعاني منها؛ وحين هددت بإغلاق مضيق هرمز الذي تعبره سفن الجيران قبل غيرهم؛ وحين هددت بقصف دول الخليج لو تعرضت لقصف الآخرين، وليس حقوق الجار وحده؛ فإيران تعودت على صيانة حقوق أشقائها وأصدقائها في كل مكان. فها هي ذا تصون حقوق تابعيها المأجورين بزرع الفتن في سوريا ولبنان وكثير من بقاع الأرض المختلفة لأن القاموس الايراني يسبح دائما عكس التيار ودائما يفهم المسميات بزاوية مضادة تماما لفهم الآخرين فما يراه الآخرون حربا تراه سلمية، وما يراه الكون خطرا تعتبره استهدافا، وما يراه الآخرون تدخلا وفتنة تراه نصرة.

حرية الصحافة في دولة الامارات العربية المتحدة لا تمنع صحيفة الخليج ولا غيرها من الصحف عن تناول الحادثة بشفافية ومصداقية ومهنية، وهي حرية ضاقت بها إيران التي فسّرتها استهدافا وانتقاصا لما تراه من نجاحات حققتها في مؤتمر عدم الانحياز الأخير الذي فاقت ولائمه توصياته والذي لم تخرج منه الدولة الايرانية وأتباعها من الحكومات المتأسلمة سوى بشرف التنظيم وأوهاما ضخّمتها الآلة الاعلامية فتغنى بمجدها جمهور الملالي.

د. سالم حميد

كاتب من الإمارات