بليغ حمدي: رحلة موسيقار (التكوين)

القاهرة
'نهاية المطرب ومولد الملحن'

تشكل موسيقى وألحان بليغ حمدي بستانا مزهرا بكل أنواع الجمال والحب، لا تزال خصبة بالثمار التي تحلق معها الأرواح والقلوب، متعانقة مع أصوات كوكبة فذة من الأصوات الفريدة عربيا كأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وشادية ووردة الجزائرية وميادة الحناوي ونجاة وعفاف راضي وعزيزة جلال وغيرهم.

وصعد بليغ حمدي إلى قمة عرش الموسيقي العربية وهو لا يزال شابا لم يتجاوز الثلاثين من عمره عندما لحن أغنية "تخونوه" لعبد الحليم حافظ عام 1957 و"حب إيه" لسيدة الغناء العربي أم كلثوم عام 1960، في وقت كان الرواد الكبار للتلحين ملء السمع والبصر مثل محمد عبد الوهاب وزكريا أحمد ومحمد القصبجي ومحمد الموجي ورياض السنباطي ومحمود إسماعيل ومحمد فوزي.

وفرادة ما قدمه وتأثيره في الوجدان الجمعي المصري والعربي جعله يقف على قدم المساواة مع هؤلاء الكبار، بل ويدفعهم للتعلم منه والاستفادة من تطويره.

ولا ينكر عليه أحد أنه رد الأوبريت الغنائي للوجود بعد غياب طويل منذ رحيل سيد درويش، وأنه أحدث نقلة نوعية كبيرة في غناء أم كلثوم، وتدين له موهبة عبد الحليم حافظ بنجاحها، وكذلك وردة ومحمد رشدي ونجاة وعفاف راضي وغيرهم.

وقد اعترف الموسيقار الكبير كمال الطويل بفرادة بليغ وقال إنه "نجح في تلحين جميع القوالب الموسيقية ليقدم ما يزيد على 1500 لحن لا يشبه أحدها الآخر".

وصنعت ألحان وموسيقى بليغ حمدي أكثر من جيل غنائي مصري وعربي على السواء، وأكثر الأغاني بقاء في الوجدان الشعبي العربي للمطربين الذي لحن لهم بدءا بأم كلثوم وانتهاء بسميرة سعيد وهاني شاكر وعلي الحجار هي الأغاني التي لحنها لهم، وفي هذا تأكيد لفرادة قدرته على احتواء الإيقاعات الشعبية والفلكلور الغنائي الشعبي، وتخلق موسيقاه من أرواح الناس.

وواجه هذا العملاق في حياته أزمة كادت تقضي عليه، حيث قتلت في شقته مطربة مغربية تدعى سميرة مليان، ما اضطره للاغتراب لأربع سنوات بين لندن وباريس حتى تمت تبرأته عام 1989، كما عاني من مرض الكبد، الأمر الذي ألقى بظلال قاتمة على أواخر حياته، لكنه ظل حتى رحيله في 1993 نموذجا للعطاء الفني الفذ.

وقدم بليغ من أعذب وأهم الأغاني الوطنية التي عبرت عن الوجدان المصري والعربي في أزمات شهدتها حقبتي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، خاصة عندما حدثت يوليو عام 1967 مثل أغنية "عدى النهار" و"سكت الكلام" و"فدائي" و"عاش اللي قال" و"بسم الله" و"على الربابة" و"عبرنا الهزيمة" و"يا حبيبتي يا مصر"، وهذه الأغاني التي لا تزال أصداؤها تملأ الوجدان.

وعلى الرغم من رحابة القماشة الموسيقية التي اشتغل عليها بليغ، إلا أنه للأسف الشديد يلقى تجاهلا وإهمالا كبيرين من قبل الدارسين للموسيقي العربية والمصرية، كما لم يُحتفَ به الاحتفاء الذي يتناسب مع عطائه للموسيقى العربية الذي استمر لأكثر من ثلاثين عاما.

وتمر ذكراه دون أن يتوقف أحد ليلقي الضوء على رجل رأى فيه كبار نقاد وموسيقيي عصره أنه سيد درويش الثاني في التأثير بالموسيقى العربية.

وقطع مشروع بليغ حمدي أكثر من مرحلة، ولكن أحدا لم يتوقف ليرصدها حيث تم الاكتفاء بالحكايات دون كشف ما تعنيه، ففي الكثير من الكتب التي تناولت مثلا أم كلثوم مثل كتاب المؤرخة والناقدة رتيبة الحنفي لا نجدها تذكر شيئا عن الإضافة التي أحدثتها ألحان بليغ لصوت وأغنية أم كلثوم، وتكتفي بسرد حكاية لقائهما الأول.

لذا سنحاول هنا التوقف عن المراحل التي قطعتها تجربة بليغ، مركزين على تلك اللبنات الرئيسية التي تخلقت منها موسيقاه. المرحلة الأولى ـ البدايات

للبدايات مؤشراتها ودورها في الكشف عن التكوين الخاص بموسيقى بليغ، ولكن أحدا لم يلتفت إلى أن والد بليغ عبد الحميد حمدي مرسي كان مهتما بالموسيقي وعاشقا لسيد درويش وسلامة حجازي ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم وموسيقى أنور منسي.

وعلى الرغم من تخصصه في الرياضيات ومؤلفاته في علم الذرة كان حمدي الأب يجيد العزف على البيانو والعود ويمتلك صوتا جميلا، وكان بيته قبلة رواد الموسيقيين مثل محمد القصبجي والشيخ درويش الحريري وزكريا أحمد، فضلا عن امتلاكه مكتبة موسيقية يقول عنها بليغ "مكتبة تحفة أغنى من مكتبة الإذاعة".

وقد استقدم والد بليغ أستاذا لكي يعطي شقيقتيه أسماء وصفية دروسا في العزف على البيانو لكنهما لم تتعلما وتعلم بليغ الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة، ومنذ أن تعلم شجعه والده على سماع الموسيقى الكلاسيكية، بل وفرض عليه يوما في الأسبوع يجلس إلى جانبه ليسمع معه السيمفونيات العالمية والموسيقى الشرقية.

وهكذا يتكشف لنا جزء ثري في تكوين بليغ حمدي، فهو يمتد بجذوره إلى رواد الموسيقى الشرقية والسمفونيات العالمية، وربما يفسر لنا ذلك التحاقه بالمعهد العالي للموسيقى إلى جانب كلية الحقوق وتركيز مع الموسيقى عن الحقوق.

ودرس حمدي سولفيج مع جوليو مدرس البيانو، الأمر الذي مكنه من كتابة النوتة الموسيقية وقرأتها، ودرس الصوت الهارموني على يد أستاذ الهارموني كمال إسماعيل حتى وصل إلى مرحلة "الكونتر بونيت" أي "اللحن العكسي للحن الأساسي" وهي مرحلة متقدمة من علم الهارموني مكنته من أن يوزع موسيقاه بنفسه.

وبدأ بليغ في حياته مطربا ويذكر أن والده كان سبب هذا التوجه فقد كان يمسك بالعود ويدندن ثم يقول له "غني يا بلبل".

وكانت أولى محاولاته كمطرب من خلال مسابقة لاختيار أحسن مطرب ومطربة، نظمتها مجلة الاثنين التي كانت تصدرها دار الهلال منذ منتصف القرن العشرين حتى أواخر الستينيات بالتعاون مع راديو "بلاي بوي"، وكانت لجنة التحكيم مكونة من فريد الأطرش ومحمد القصبجي ومحمد حسن الشجاعي ومحمود الشريف وأحمد صدقي، ولكنه حصل على أقل الدرجات.

ولم ييأس بليغ من صوته وشارك زملائه في المدرسة الثانوية وفي الجامعة بعد ذلك (يوسف عوف ومحمد عوض ولطفي عبد الحميد وصلاح عرام وسمير خفاجي) في تكوين فرقة "ساعة لقلبك"، حيث حاول زملاؤه ضمه ليغني لكن الإذاعة اعترضت لأن صوته غير مجاز إذاعيا.

وفي صيف 1954 كانت الفرقة تحيي موسما في الإسكندرية، واستعد بليغ بأغنيتين من تلحينه، وظهر في أول نمرة حيث عنى "ليه لأ" وسمعته المطربة فايدة كامل، وكانت تقدم نمرة مع الفرقة فأعجبها اللحن واستأذنته في غنائه.

وسجلت الإذاعة الحفل، وسمع محمد حسن الشجاعي المطرب بليغ وقرر إجازة صوته ليغني في الإذاعة بصفة رسمية، وبالفعل غنى بليغ للإذاعة عشرة ألحان لرؤوف ذهني وفؤاد حلمي وعبد العظيم محمد، لكن ما أن أذيعت أغنية "ليه لأ" حتى كان مولد الملحن ونهاية المطرب، حيث حققت الأغنية نجاحا كبيرا لتبدأ مرحلة جديدة في مشروعه الموسيقي.(يتبع)