بلفور.. العربي!

بقلم: جواد البشيتي

سنوياً، وفي الثاني من تشرين الثاني، اعْتَدْنا أن نَلْعَن بلفور ووعده، فكفانا الله شرَّ لَعْن أنفسنا، فنحن "الضحية"؛ أمَّا مأساتنا التي تَعْظُم سنوياً فليست من صُنْع أيدينا في المقام الأوَّل، وقد يشتد قنوطنا ويَعْظُم، فَنَشْرَع، بَعْدَ أن نُذلِّل بأيدينا العقبات من طريق "إسرائيل الكبرى"، نَرْجُم بلفور كما نَرْجُم إبليس!

"المأساة".. مأساتنا، ومأساة "العقل" معنا، لَمْ تبدأ في الثاني من تشرين الثاني 1917. لقد بدأت إذ أصبح لبريطانيا (ولقوى دولية أخْرى) مصلحة في إقناع نفسها، وإقناع العالَم، بأنَّ ما جاء في "سِفْر التكوين"، وسِفْر الخروج"، هو الحقيقة التي لا ريب فيها، وليس بأسطورة من أساطير الأوَّلين؛ وهل غير المصالح ما يُسوِّل للمرء أن يناصِب بديهية العداء؟!

كان الكنعانيون هناك إذ ظَهَرَ "الرَّبُّ" لأبْرام العبراني، على ما جاء في "سِفْر التكوين"، ليُخاطبه قائلاً: "لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الأَرْضَ مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ".

ثمَّ ظَهَرَ بلفور لعزيزه البارون روتشيلد ليخاطبه قائلاً: "إنَّ حكومة صاحب الجلالة تَنْظُر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين..".

ثمَّ ظَهَرَ كليم الرَّب، في القرن الحادي والعشرين، جورج بوش، لآخر أنبياء بني إسرائيل (شارون) ليخاطبه قائلاً: إنَّ "الحقائق الجديدة" تَذْهَب بكثير مِمَّا يَنْظُر إليه الفلسطينيون على أنَّه "حقوق قومية" لهم، فإنَّ إسرائيل، بوصفها "دولة يهودية"، أو "دولة الوعد الربَّاني"، يحقُّ لها أن تَضُمَّ إليها ما يحتاج إليه "الاستيطان اليهودي" من أراضي الضفة الغربية، وأنْ ترفض "عودة" أي لاجئ فلسطيني إليها.

"العلمانيون" و"الديمقراطيون" الأقحاح في الغرب باركوا "دولة الوعد الرَّباني" حتى وهي تَجْعَل "السياسة" امتداداً لـ "الأسطورة التوراتية"، التي اقْتَرَنت بمصالح "بريطانيا العظمى"، فأنجبت، بالتالي، تلك الجريمة الكبرى التي ارْتُكِبَت في حق الشعب الفلسطيني، والتي لَمْ يتورَّع العرب عن المشاركة فيها، وعن الاستمرار في المشاركة فيها، حتى كاد بلفور أن يغدو عربياً!

ولقد رأيْنا "الأسطورة الدينية" تتحوَّل إلى "سياسة" إذ قال بيغن سنة 1978 "لقد وَعَدَنا الرَّبُّ بهذه الأرض، فَلَنا فيها كل الحق"، وإذ قال في كتابه "العصيان" سنة 1950 "إنَّ أرض إسرائيل الكبرى ستعود إلى شعب إسرائيل كلها، وإلى الأبد"، وإذ قال ناثان وينستوك (في كتابه "الصهيونية ضد إسرائيل") سنة 1969 "لو ألْغينا مفهومي الشعب المختار والأرض الموعودة لانهارت الصهيونية من أساسها"، وإذ قال موشي دايان سنة 1967 "إذا كنَّا نملك التوراة، وإذا كنَّا نعتبر أنفسنا شعب التوراة، فإنَّ من الواجب علينا أن نمتلك كل الأراضي التوراتية".

والآتي أعْظَم.. فها نحن بدأنا نرى محاولة للتأسيس لاعتراف "ديني ـ إسلامي" بحق "دولة الوعد الربَّاني" في الوجود من خلال تفسير وتأويل مُغْرضين لآيات قرآنية تضمَّنتها سورة "المائدة"؛ وهذه الآيات هي: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ. يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ. قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ. قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ".

هؤلاء الذين ارتضت لهم مصالحهم الشخصية والفئوية الضيِّقة أن يكونوا خَدَماً عند "شعب الله المختار" بدأوا يُلَمِّحون إلى أنَّ الله قد كَتَبَ فلسطين لـ "بني إسرائيل" إذ قال "يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ"، وإلى أنَّ "عقوبة تحريمها على بني إسرائيل" قد انتهت إذ قال "قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ".

قَبْلَ أن يأتوا إليها، قديماً، كان فيها أسلاف وأجداد الشعب الفلسطيني، وهَمْ الكنعانيون (القوم الجبَّارين). وقَبْلَ أنْ يأتوا إليها، حديثاً، كان فيها أحفاد الكنعانيين، أي الشعب الفلسطيني، المَدْعو الآن إلى أن يعي وجوده وحقوقه وحاجاته ومصالحه "وَعْياً قومياً ـ ديمقراطياً"، فإنَّها لجريمة يرتكبها الشعب الفلسطيني في حقِّ نفسه إذا ما تَشَبَّه بالإسرائيليين لجهة "تديين" قضيته، التي هي "قضية قومية من ألفها حتى يائها"؛ ولقد حان للفلسطينيين أن يَخْلُقوا أنفسهم سياسيا على مثال قضيتهم، التي هي في جوهرها وأصلها قضية قومية ـ ديمقراطية.

لقد قرأنا في القرن العشرين قصة "شعب" باد، عِرْقا، منذ آلاف السنين، وإن بقيت ديانته حيَّة، ينتمي إليها أفراد وجماعات من أعراق وأجناس وقوميات أخرى. وعاينَّا وعانيْنا المفارقة التاريخية الآتية: شعبٌ أصبح في وجوده العرقي والقومي جزءا من الماضي، والماضي البعيد؛ ولكنَّ "حقوقه القومية والتاريخية" تُبْعَث حيَّة، وتُتَرْجَم، بعد وبفضل وعد بلفور، بوطن ودولة، هما ثمرة اغتصاب وطن لشعب آخر، وثمرة ذبح وتشريد لهذا الشعب. مَنْ ليس له، في الشرعية الدولية وفي قرارات الأمم المتحدة، حقَّا في العودة (إلى فلسطين) يعود؛ أمَّا مَنْ له، في تلك الشرعية، وفي تلك القرارات، هذا الحق فلا يعود، ويُمْنَع من العودة بطرائق وذرائع شتى.

ولإقامة الدليل على أنَّ "الشرَّ الخالص" لا وجود له، وعدت الولايات المتحدة الفلسطينيين بـ "دولة ديمقراطية، مسالمة، متَّصلة جغرافياً، تُقام في قطاع غزة كله، وفي أجزاء من الضفة الغربية"، فتصبح "العودة" ممكنة إليها فحسب؛ لكن عليهم أوَّلاً التخلِّي نهائياً عن حقِّهم في العودة إلى إقليم دولة إسرائيل، التي لا بدَّ من "كمالها العرقي اليهودي" بعد "كمالها الديمقراطي". وعليهم، ثانياً، أنْ يكونوا "الضحية" التي شاركت المجرم جريمته، فيعلنوا، عبر اتِّفاق "الحل النهائي"، أنَّ تخليهم النهائي عن "حق العودة" إلى ديارهم هو "خير تنفيذ" لقرار الأمم المتحدة الرقم 194. وعليهم، ثالثاً، بعد هذا "الحل الديمغرافي" العادل أنْ يقبلوا "حلاًّ جغرافياً" لا يقلُّ "عدالة"، فإقليم دولتهم الموعودة، الذي يسمح به "الواقع"، لن يتعدَّى 8 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية، بعد ضم الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية إلى إسرائيل، عملاً بضرورة "الاتِّصال الديمغرافي والجغرافي اليهودي"!

أمَّا إذا اعترض الفلسطينيون على هذا الحل غير العادل "جغرافياً"، بدعوى أنَّ 8 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية لا تكفي لـ "توطين" ملايين اللاجئين فيها، فسوف تعترض الولايات المتحدة على هذا الاعتراض قائلاً لهم: "أُنظروا إلى حال أشقَّائكم في الجليل والمثلث والنقب. عددهم الآن مليون وربع المليون إنسان، أي نحو خُمْس سكان إسرائيل. ومع ذلك فهم يملكون أقل من 3 في المئة من الأرض"!

أمَّا إذا اعترضوا على "تجزئة الشعب"، بعد هذه التجزئة غير العادلة للأرض، فلن تمانع الولايات المتحدة، عملاً بمبدأ "مزيد من النقاء العرقي اليهودي لدولة إسرائيل"، بنقل أشقَّائهم من إقليم "الدولة اليهودية" إلى إقليم "الدولة الفلسطينية"!

أصبح "السلام" في متناول أيدينا بعدما..

أصبح اليهود، الذين كانوا سنة 1948 يملكون أقل من 10 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية، يملكون منها الآن أكثر من 90 في المئة!

الولايات المتحدة مُحبِّة لـ "الواقعية" في حل المشكلات، وتُفضِّل الانحياز، دائماً، إلى "الحقائق الإسرائيلية" ضد "الحقوق الفلسطينية"، ولو شملتها "الشرعية الدولية".

ولكننا نسألها: أين هي "الواقعية" في رفضها عودة أي لاجئ فلسطيني إلى إسرائيل وهي التي تعلم علم اليقين أنَّ أراضي اللاجئين الفلسطينيين المصادَرة ما زالت، حتى الآن، ملكاً عاماً لدولة إسرائيل، ولم تُنْقل بَعْد إلى الملكية الخاصة للسكان الإسرائيليين؟!

جواد البشيتي