بلعابد عبد الحق يضيء فتوحات محمد برادة

الكتاب يحلل النص معتمدا على استراتجية شبكة القراءة

انطلاقا من رؤية نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق يحلل الناقد الجزائري أستاذ التنسيق المنهجي للغة وعربية التخصص في جامعة الجزائر الدكتور بلعابد عبدالحق في كتابه "فتوحات روائية.. قراءة لمنجز روائي عربي متجدد" روايات الكاتب محمد برادة "لعبة النسيان"، و"الضوء الهارب"، و"مثل صيف لن يتكرر"، و"امرأة النسيان"، وذلك وفقا لشبكة القراءة وهي استراتيجية قرائية معتمدة من قبل القراءة المنهجية لمقاربة النصوص الأدبية وغيرها، يعرفها بأنها "فعل اختياري يقتضي تشابك وتداخل قراءات نقدية عدة، لوقوعها في حقل القراءة الواسع".

وأوضح بلعابد في مقدمته للكتاب "إن الكيفية التي نتعقب بها فتوحات الرواية قراءةً، كنص يتشكل في نثر العالم ويشكله، دون أن يعترف بانغلاقه الإيقوني، فهي دائماً في خلق تخييلي جديد، فمن هذه الكيفية المنفتحة على استراتيجيات تحليلية متعددة جاء خوف القارئ من الرواية، فليست الرواية هي ما لا يمكن قراءته، ولكن القارئ هو الذي لا يعرف كيف يقرأ؟ لهذا فهي تقدم لكل قارئ خيارات إستراتيجية لقراءتها".

وأضاف "من هذا السؤال الكيفي المركزي: كيف نقرأ الرواية؟ وكيف نؤوّلها؟ انطلقت إجابتنا بالحفر في مفاصلها قصد القبض على معناها الهارب في مسالك التخييل، ليقع اختيارنا على روايات الكاتب المغربي "محمد برادة"، التي فتحت أمامنا أفقاً بحثياً جديداً لفهم مداخل النص الأدبي، وبنياته السردية، ومدى تفاعلها مع الواقع، فكانت روايات "محمد برادة" عبارة عن شبكة من الاستراتيجيات الكتابية، لا يقدر على فكها و/أو تفكيكها إلا شبكة توازيها، لهذا استعنا بشبكة القراءة كوسيلة إجرائية لتحليل مثل هذه النصوص، لنشيّد من خلالها لعبة المعنى من جديد".

وقسم بلعابد الكتاب إلى مقدمة، ومدخل منهجي، وثلاث فصول وخاتمة، ولفت المـدخـل المـنـهـجي إلى ضبطه جهازه المصطلحي والمفاهيمي الخاص بآلية من الآليات المعتمدة في إستراتجيات القراءة، وهي شبكة القراءة، التي حرص على تقريب حدودها ومحدداتها من القارئ، بادئا بتعريف القراءة كنشاط ذهني، ثم اجتماعي، ثم سينمائي، لتنضبط بعد ذلك اصطلاحيا. ليصل إلى تعريف ميثاق القراءة، "الذي يعد من بين المحددات الأساسية لجنس العمل الأدبي، وكيفية تحليله، وإلى التفريق بين مصطلحي المقروئية والقرائية في النص التي يحرّكها القارئ النصي الكاشف عن شعرية نصه، لنطرح بعد ذلك أسئلة مهمة على شبكة القراءة، هي أسئلة النص وأسئلة المنهج، التي من خلالها ستتضح معالم البحث بعد أن تكون شبكة القراءة قد استكملت مكوناتها، وهي:أولا القراءة الشكلية: والتي تعنى بكل ما يحيط بالنص لتكتشفه عن قرب، لهذا كان المناص موضوع دراستها، وكان القارئ المناصي محركها. ثانيا القراءة الداخلية: وهي التي تتناول بالدرس المكوّنات السردية المعروفة للنص، أما القارئ الذي يحركها فهو القارئ النصي. ثالثا القراءة الخارجية: وتشمل كل ما هو خارج عن النص، ولكن يقوم في الوقت نفسه بتفسير النص وتشييد معناه، والقارئ الذي يحركها هو القارئ التناصي".

من شعرية النص إلى شعرية المناص

وفي الفصل الأول الحامل للقراءة الشكلية كقراءة استكشافية لمناطق موازية للنص وللمناص تحديداً، قدم بلعابد تعريفا لكيفية انتقال جيرارد جينيت من شعرية النص إلى شعرية المناص، ببحثه عن: أولاً: تحديد مصطلح المناص عند جينيت في كتابه "عـتبـات"، الذي جعله مرتكزاً لبحثه في هذا الفصل، ليتعرض بعد هذا إلى أنواع المناص وهي المناص النشري والمناص التأليفي، ليضيف إلى هذين النوعين اللذين ذكرهما جينيت نوعاً آخر، وهو ما أسماه المناص التخييلي، الذي وجده مبثوثاً في ثنايا كتاب "عتبات"، إلا أن جينيت لم يصرح به، نظراً لما يكتنفه من تعقيد، فأراد أن يخرجه إلى ميدان البحث مجتهدا في الكشف عن آليات اشتغاله، أُلحق بهذه الأنواع المناص الترجمي، حيث أن الكاتب ذكر الترجمة في خاتمة كتابه كعنصر مناصي.

ثانياً: لما كان العنوان أهم عنصر مناصي، ومن بين المباحث النقدية الجديدة، أفرد له بلعابد جزءا مهماً من الدراسة، بدءًا بتحديداته عند المشتغلين عليه قديماً وحديثاً، مبرزا مكان وجوده، ووقت ظهوره، ووظائفه التي تعد أدق مبحث في العنونة، فقد قام بتتبعها في عناوين روايات محمد برادة، دون أن نكتفي بالعناوين الرئيسية، بل تعداها إلى دراسة العناوين الداخلية، وما يميزها عن العناوين الرئيسية، ليبحث بعد ذلك في العملية التواصلية والتداولية الضابطة لهذه العناوين.

ثالثاً: العنصر المناصي الثاني الذي اشتغل عليه بلعابد، هو صورة الغلاف، التي تطلبت منه ثقافة بصرية وتشكيلية، ليتمكن من فهمها ثم تحليلها، وهذا لصعوبة موضوعها وتعقيد آلياتها، ما اضطره إلى فهم تلك النقلة من الغلاف إلى الصورة، ثم من الصورة إلى الغلاف، ليصل بعد ذلك إلى تحديد معنى الصورة وأنواعها، وهذا كله قصد الوصول إلى وضع شبكة قرائية للصورة، تكشف عن شكل مضمونها كما تظهر في صور أغلفة روايات محمد برادة، الذي كان واعياً بعلاقة الصورة بالنص، لما تحمله من معاني.

رابعاً: أما العنصر المناصي الثالث، الذي تعرض له بلعابد بالدراسة، فهي الترجمة، وقد سبقت الإشارة إليها، لما يتسم به مفهومها عامة من تعقيد، وداخل الجهاز المصطلحي المناصي المشتغل عليه تحديداً، فالترجمة تبقى من المفاهيم المتحركة في أفهام الإنسانية، لهذا كان جينيت حذراً لما أرجأ الإشتغال عليها، واكتفى بالتلميح لأهميتها المناصية في خاتمة كتابه "عتبات"، غير أننا أردنا المغامرة بالبحث عنها كعنصر مناصي. وأول عقبة واجهت بلعابد وهو يقاربها في روايات محمد برادة، هو موقعيتها، هل تقع الترجمة في النص الفوقي كما ذهب إليه جينيت؟ أم أنها مستقلة بذاتها كنوع آخر من أنواع المناص الذي سميناه المناص الترجمي؟ ووجد الكاتب أن الترجمة إذا أُخذت بالتحديد الجينيتي، فهي أحد أقسام النص الفوقي لوقوعها خارج النص الأصلي، ولكن إذا وسّعنا من أفقها، وهنا يظهر التعقيد، فسنجدها تصنع لنفسها مناصاً مستقلاً يدخل في أنواع المناص العام، له مبادئه ووظائفه وأقسامه الخاصة التي تُنتزع من المناص العام ولكنها تحافظ على الخصوصية الترجمية، ويُظهر هذا الاختلاف جلياً أن النص المترجم سيظهر في كتاب مستقل عن النص الأصلي، وسيحمل اسماً آخر ينضاف إلى اسم المؤلف، وهو اسم المترجم الذي تنتقل إليه المسؤولية الأدبية والفكرية على إنتاجه، زيادة على ظهور عناصر مناصية أخرى في النص المترجم لا نجدها في النص الأصلي.

خامساً: أما آخر عنصر مناصي تعرض له بلعابد، فهي المذكرات، غير أنه واجه صعوبة في تحديدها، وتحديد وظائفها على بساطتها، ومدخل الصعوبة تأتى من تعقيد مسالك التخييل في الرواية المشتغل عليها، وهي رواية "الضوء الهارب"، حيث أدرج هذه المذكرات في نصها السردي، لهذا بدأ بالبحث عن تحديد لهذه المذكرات التي وجدنا أنها مذكرات موازية تحكي كيفية تشكل الرواية والاحتمالات الكتابية التي يمكن أن تُكتب بها، وتوصلنا إلى أنها مذكرات موازية ولكن تخييلية من عمل السارد لا الكاتب الواقعي، من هنا بدأ البحث عن المركزي والهامشي بين الرواية والمذكرات، وعلاقتها بالميتا-سري والتعالق النصي.

المداخل النصيّة والقراءة الخارجية

وخصص بلعابد الفـصـل الثـانـي الحامل للقراءة الداخلية أو النصيّة، لدراسة ما يعرف بالمداخل النصيّة، وهي من المباحث النقدية الجديدة، مركزا على مفصلين مهمين، وهما الفاتحة النصيّة والخاتمة النصيّة كما تظهران في روايات محمد برادة، ووجه المناسبة بينهما، قصد الوصول إلى شعرية الفواتح والخواتم النصيّة. وهذان المفصلان لم يعتن بهما النقد العربي الحديث، على الرغم من اهتمام البلاغة العربية القديمة بهما، إذ اعتنى البلاغيون بحسن البدايات وحسن النهايات، لهذا أردنا معاودة التفكير فيهما والاشتغال عليهما على ضوء ما استجد من دراسات على مستوى الساحة النقدية، مراعين في ذلك خصوصية المدوّنة السردية التي نحللها.

وجاء الفـصـل الثـالـث حاملا للقراءة الخارجية، فقد جاء عبارة عن قراءة تناصية لأعمال محمد برادة الروائية، وهذا بعد عودة بلعابد إلى مصطلح التناص بين التنظير والإنجاز، إذ قسمه على المستوى المنهجي إلى: أولا تناص داخلي: بحث فيه عن الكيفية التي تناصت بها روايات محمد برادة مع بعضها البعض، إن على مستوى الأشكال والموضوعات، وإن على مستوى الأزمنة والأمكنة والشخصيات. ليفرد بالبحث تلك الجزئية المتعلقة بالتعالق النصي بين روايتي "لعبة النسيان" و"امرأة النسيان"، أين يظهر التعالق بينهما جلياً على جميع المستويات (الزمان، المكان، الشخصية)، وإن اختلفتا عن بعضهما في بعض الرؤى والمنطلقات.

وياتي ثانيا التناص الخارجي وركزّ فيه على تناصات روايات محمد برادة مع الفنون، وتناصها مع الأعمال الأدبية الأخرى، وهنا يظهر بأن الرواية فعلاً جنس هجين بتعبير باختين.

وبعد هذه الفصول الثلاثة، أكد بلعابد أن "شبكة القراءة بحق قراءة واعية بآلياتها التحليلية، وبخصوصية النصوص التي تواجهها بالتحليل والتأويل، حيث أنها:

أولا، ساعدتنا كثيراً على دمج النظري في التطبيقي، فهي لا تفصل الشكل عن المضمون في التحليل، بل تخضعهما لدينامية الحوار، وقابلية التفاعل مع النص والقارئ.

ثانيا، أعانتنا بأسئلتها القرائية الكثيرة التي تطرحها على النصوص/الروايات، من معرفة مواثيقها القرائية، ومداخلها النصيّة، أي ما يحيط بالنص من عتبات يمكننا الولوج منها إلى عالم النص.

ثالثا، دفعت بنا إلى الاجتهاد في مباحث نقدية حديثة لم تعرف الاستقرار المفاهيمي والمصطلحي بعد داخل المؤسسة النقدية، وعلى وجه الخصوص مصطلح المناص الذي حفرنا فيه طويلاً، واجتهدنا في استقصاء بعض أنواعه الجديدة التي لم تدرس بعد، خاصة المناص التخييلي والمناص الترجمي.

رابعا، سمحت لنا بإعادة التفكير في الكثير من المباحث النقدية والبلاغية القديمة، وإمكانية ترهينها والمقتضيات النقدية الحديثة، ومن بين هذه المباحث: العنوان، الفاتحة النصيّة، الخاتمة النصيّة والمناسبة بينهما.

خامسا، مكنتنا من وضع شبكة خاصة بتحليل صور أغلفة الروايات، معتمدين على المقاربات الخاصة بالسيميائيات البصرية، والسيميائيات الصورية والتشكيلية، مع ربطها بالمؤشرات النصيّة للكشف عن علاقاتها عند التأويل.

سادسا، ساعدتنا على التوسيع من أفق التناص، حيث تمكنا من اكتشاف تعالق من نوع آخر بين الروايات، وهو ما أسميناه بالتقارئ، أين تعمل رواية ما على قراءة رواية أخرى قراءة تأويلية، موسعة من أفقها التخييلي، ومكانتها السردية، وهذا ما حدث مع رواية "امرأة النسيان" التي تقارأت مع رواية "لعبة النسيان" التي تعد من انتظاراتها تخييلية".

واختتم بلعابد بأنه "على الرغم مما قدمته شبكة القراءة، إلا أنها لا تدّعي الكمال النقدي، لهذا فهي تقبل الإضافات الإستراتيجية، من خلال الموسوعة المعرفية للقارئ، لأنها ستبقى شبكة ذهنية متحركة، مفكرة في كيفية تحليل نصوصها، بعيداً عن التطبيقات الميكانيكية، يحركها في كل ذلك دينامية النص الأدبي، المُوّجه بسؤال الكيفية، الذي على أساسه يُقرأ ويُؤول، لتضمن لنا بذلك تواصلية وتفاعلية النص والقارئ والعالم ككل".