بلدان الأنظمة الجمهورية العربية مرشحة للمزيد من التوترات

هشاشة الأنظمة الجمهورية قد تقود إلى انتفاضات جديدة

قال دبلوماسيون وأخصائيون في علم الاستراتيجيات إن بلدان الأنظمة الجمهورية في المنطقة العربية مرشحة للمزيد من التوترات السياسية والاجتماعية في ظل الهشاشة الاقتصادية فيما رجحوا بالمقابل أن الأنظمة الملكية مرشحة لمزيد من القوة والاستقرار.

وقال الدبلوماسيون إن "الأنظمة الجمهورية التي تركزت منذ حوالي نصف قرن لم تتوصل بعد إلى بناء كيانات وطنية قوية تحظى بالشرعية السياسية والشعبية بينما نجحت الأنظمة الملكية في توفير الاستقرار السياسي والاجتماعي نسبيا".

وتظهر قراءة المشهد السياسي العربي أن عواصف ما يسمى بالربيع العربي عصفت بالأنظمة الجمهورية مثل تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا ولم تتمكن من التسلل إلى الأنظمة الملكية التي بدت عصية ومتماسكة وآمنة.

وفيما تبدو الأنظمة الجمهورية مهزوزة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا تحظى الأنظمة الملكية بحزام سياسي واجتماعي وثقافي كثيرا ما تغذت منه لتجعل منه رافدا قويا من روافد قوتها وشرعيتها بعد أن تحولت المؤسسة الملكية إلى عنصر توازن.

وقال دبلوماسي عربي مقيم في تونس "لا يمكن المقارنة بين أنظمة جمهورية تفتقد لمقومات التوازن السياسي الثابتة ولاقتصاد قوي وبين أنظمة تمثل فيها المؤسسة الملكية قوة توازن حقيقية إن كان على المستوى السياسي أو على المستوى الشعبي".

وأضاف الدبلوماسي الذي رفض الكشف عن هويته لأسباب دبلوماسية يقول لمراسل ميدل ايست أونلاين "علاوة على الأزمة الاقتصادية تواجه الأنظمة الجمهورية أزمة شرعية سياسية وشعبية ما يجعلها مرشحة لمزيد والتوترات وحتى الانتفاضات".

وخلال نصف قرن بدت بدان الأنظمة الجمهوري في المنطقة العربية وكأنها تصارع أمواجا من الأزمات والاحتجاجات بلغت حد المواجهة مع قوى شعبية مدنية متنفذة.

وتبدو أزمة الأنظمة جمهورية، كما يذهب إلى ذلك أخصائيون في علم الاستراتيجيات، أزمة بنيوية لم تتول إلى بناء مؤسسات دولة قوية مهابة قادرة كسب ثقة شعوبها.

وقال سالم بن جدو الأخصائي في علم الاستراتيجيات "إن الأنظمة الملكية تستمد قوتها أداء وطبيعة المؤسسة الملكية التي تمثل ركيزة التوازن أما الأنظمة الجمهورية فهي تستمد قوتها الضعيفة من سطوة الأجهزة الأمنية والعسكرية وهذا مكمن الضعف".

وشدد بن جدوا على أن "الأنظمة الجمهورية التي كثيرا ما وعدت بالديمقراطية وبالتنمية وأججت الطموحات لم تقد سوى إلى غياب الديمقراطية والتنمية".

وخلافا للأنظمة الملكية التي لم تروج لنفسها على أنها تمتلك من الأداء ما يؤهلها للاستجابة لطموحات مفرطة قدت الأنظمة الجمهورية نفسها على أنها قوة تقود مشروعا سياسيا وتنمويا طموحا كفيلات بضمان تطلعات طموحة إلى حد الأوهام.

ويرى وسام الديماسي أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية أنه "في القوت الذي حافظت فيه الأنظمة الملكية على تركيبة المجتمع وتعاملت مع بمرونة فتكت الأنظمة الجمهورية بالتركيبة التقليدية من خلال تمزيق النسيج القبلي وتهميشه".

ويضيف الديماسي لمراسل ميدل ايست أونلاين "نشأت تركيبة جديدة هجينة لتحمل معها فوارق اجتماعية مجحفة بين لوبيات ثرية ثراء فاحشا وفئات فقيرة مهمشة.

وفي ظل الفشل في تحقيق ما وعدت به وجدت تلك الأنظمة نفسها أمام موجات من الغضب الشعبي لا تحاسب على عدم الوفاء بالوعود فقط وإنما تطالب بالرحيل.

ويقول دبلوماسي أوروبي "إن مشكلة الأنظمة الجمهورية في المنطقة العربية هي مشكلة معقد يتداخل فيها العامل السياسي مع العامل الاقتصادي ومع العامل الثقافي".

ويلاحظ الدبلوماسي الأوروبي أن " علينا ألا نتجاهل أن العديد من الأنظمة الجمهورية تركزت على أنقاض أنظمة ملكية مثل تونس وليبيا ومصر، وقاد ذلك إلى هزة سياسية واجتماعية وثقافية يبدو أنها لم تمحي بعد حيث لم تنشأ ثقافة سياسية جديدة".

ويضيف يقول "إن الثقافة السياسية التي تتبناها شعوب المنطقة العربية تميل عموما إلى مؤسسة حكم قوية وإلى رجل دولة قوي أكثر من ميلها إلى النظام الجمهوري الذي فشل بناء دولة وطنية تحظى بالشرعية السياسية والشعبية الكافية".

ويبدو أن تحليل الدبلوماسي انسجم مع تجربة الأنظمة الجمهورية حيث ركزت تلك الأنظمة على قيادة مؤسسات دولة منتهجة نوعا من التعسف على المجتمع وهي تقود مشروعا تحديثيا في مجتمعات ترتهن إلى ثقافة تميل إلى المحافظة وتتوجس من التغيير".

وبدت الأنظمة الجمهورية في اذهان الشعوب أنظمة مسقطة تتحرك في دائرة ضيقة من طبقة سياسية حداثية تكاد تكون معزولة عن مختلف الفئات الاجتماعية.

وعلى الرغم من أن عددا من تلك الأنظمة توصل إلى تحقيق مكاسب سياسية وتنموية، تونس ومصر خاصة، فإنها بدت قوة تستبطن وهنا وهشاشة قابلة إلى للانهيار أمام ضغط القوى السياسية والمدنية والشعبية المعارضة.ويشدد دبلوماسي مغاربي على أن "الأزمات الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي وتدني الأداء السياسي وما يرافقه من غياب لأي حزام سياسي كاف كلها مؤشرات على أن الأنظمة الجمهورية مرشحة خلال الفترة القادمة إلى المزيد الاهتزاز".

ويضيف الديبلوماسي أن "الأنظمة الجمهورية ورطت نفسها بنفسها حين قدمت وعود للشعوب هي عاجزة على تحقيقها سواء تعلق الأمر بالتنمية أو بالديمقراطي" لافتا إلى أن هناك مفارقة بين الخطاب السياسي المفرط في الوعود وبين الواقع".

غير أن ساسي بن عامر الأخصائي في العلوم السياسية قلل من تداعيات هشاشة الأنظمة الجمهورية ملاحظا يقول "لا يجب أن نتجاهل أن عددا من الأنظمة الجمهورية بنت مؤسسات دولة مدنية وقادات مشاريع سياسية وتنموية رغم كل المؤاخذات".

وقال بن عامر "صحيح أن الأنظمة الجمهورية تعاني أزمة شرعية ولكن يجب أن نقر بأن تلك الأزمة تتغذى من ندرة الثروات التي تتمتع بها بعض الأنظمة الملكية".

وتبدو الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية مؤشرا قوية على تدني أداء الأنظمة الجمهورية بنسب متفاوتة ولكن يغلب عليها جميعا المنحى السلبي.

وبرأي الدبلوماسيين فإن الأنظمة الجمهورية وعدت بالحريات والديمقراطية ولكنها تمسكت بالحكم وهمشت المعارضة ووعدت باقتصاد قوي ولكن اقتصادها لم يتجاوز في أفضل الحالات نسبة نمو تتراوح ما بين 3و4 بالمئة ووعدت بالتنمية والحال أن نسبة ظاهرة الفقر ما انفكت تتزايد لتصل إلى ما بين 23 و30 بالمئة.

وبالمقابل انتهجت الأنظمة الملكية سياسات متزنة ولم تقدم من الوعود إلا ما تفي به على الرغم من أن بعضها يمتلك ثروات تتجاوز بالكثير من ثروات الأنظمة الجمهورية.

وفي ظل السقف العالي من المطالب الاجتماعية تبدو الأنظمة الجمهورية في مأزق سياسي وتنموي عصيا عليها حله.

وذهب دبلوماسي مغاربي إلى حد القول بأن "هشاشة بلدان الأنظمة الجمهورية قد تقود إلى انتفاضات جديدة ربما أكثر حدة خاصة بعد أن تأكدت شعوبها بأنه فشلت في تحقيق التنمية ومقومات العيش الكريم وتقاسم ما أمكن من عائدات الخيرات بعدالة".

ولم يقلل دبلوماسي خليجي مما حققه عدد من الأنظمة الجمهورية من مكاسب خاصة بشأن الانفتاح السياسي والتحديث الاجتماعي غير أنه شدد بالمقابل على أن "الأنظمة الملكية تبقى الأكثر قدرة وأداء لتوفير التنمية والاستقرار".

وهو يرى أن "المؤسسة الملكية في المنطقة العربية تحولت إلى رمز هوية المجتمع لا يدان بالولاء سوى إليها وتحظى بشرعية سياسية وشعبية لا تحظى بها الجمهوريات".

وعلى الرغم من تردي الأوضاع في الشرق الأوسط "رأى الدبلوماسي الأوروبي أن حالة الفوضى عززت قوة الأنظمة الملكية ودفعت بالناس إلى الالتفاف حولها.

وشدد سالم بن جدو على أنه "ما لم تبادر الأنظمة الجمهورية إلى مباشرة إصلاحات جذرية كبرى على مختلف الأصعدة تمتص من خلالها غضب الشعوب وتكسب ثقتها بها تبقى مرشحة لا للمزيد من التوترات فقط بل حتى الانتفاضات الشعبية ضدها".