بلال شرارة .. ونقطة أول الشعر

ملاكَ الموتِ أتى كي يتحسسَ لحمَ ضحاياه

إنه ينظر إلى كل شيء، لكل صغيرة وكبيرة، بأم عينيه، ليشخص الواقع الذي يحيطهُ، شاعر حالم ومفكر، لا يعرف الكلل ولا الملل في كل مكان، سواء كان في غرف الانتظار، أو في نوادي المثقفين، سخر شعره إلى جميع الناس، ومن مختلف الأطياف والأعراق، وهو دائم الحركة، والذي يعرفه ُ عن كثب، يجد الفرق الكبير بينه وبين مجايليه من الشعراء، لأنه المؤرخ والموثق المؤرق الذي يأتي على كل واردة وشاردة في البلد الأمين.

كثير من الشعراء من أبناء جيل بلال شرارة مختلفين عنه، لأنهم فاترون بالوقوف إلى جانب الحق، هو كتلة من نار، للوقوف مع المظلومين والمضطهدين، رافضا ً كل المقنعين، ولا يكف عن إعلان بالضجر الذي يحول القلق إلى شخص غير مرغوب فيه، رافضاً البعض من الشعراء الذين يدعمون الكذب بكل قواهم، والذين يبحثون في أمور تافهة لا تتماشى مع ما يحدث في زماننا هذا.

"كم خاب أمل القراء في الشعراء" يقول عنه الشاعر والناقد منصف المزغني في مقدمة المجموعة الشعرية "نقطة أول الشعر" الصادرة عن الحركة الثقافية في لبنان، والتي تقع في 399 صفحة من القطع المتوسط:

"إن خصيصة التطابق بين الشاعر شخصًا ونصًا، والتلاصق بين القلب والقلم هو أبرز ما يميز بلالاً، ويجعله ذا مذاق خاص، فما أقًل الشعراء الذين يتماهى نصهم مع شخصهم"."

ويقول: "كنًا نتلمسُ أن الموتَ، يحضر قائمة َالمطلوبين، وأم ملاكِ الموتِ، تحضرُ قائمةَ المطلوبات، وأنً ملاكَ الموتِ أتى، كي يتحسسَ لحمَ ضحاياه، كنا خلف َ جدار ِ حدود الحزن، بلا أسلحة".

هو كان من يقرر لمضامين قصائده الشعرية المختلفة ليقول للعالم أجمع "كفى، مستعيداً ما ظل حياً في ذاكرته" عبر مخيلة عاجة بالصور الشعرية، ويعطي النصائح لأجيال قادمة، فيما اذا كانوا يعوا دورهم في هذه الحياة العاجة بالموت والصور المؤلمة.

شاعرنا يحثهم للبحث عن الحرية والتوحد من أجل أوطانهم، يخاطب الجميع دون استثناء، وكأنه تفحص في اللاهوتية وفي جميع الأديان وكأنه يحمل كلمات يسوع "قال يسوع إن الحق يحرر، لكن في الوقت ذاته، فإن الحرية، والحرية وحدها هي التي تجلب الحق، وبدلاً من ان نتعارك على أمور تافهة، علينا بالأحرى ان نتحد في هذه المعركة من أجل الحرية، والعيش المشترك.

شاعرنا شرارة يشارك آلام شعبه في كل مكان، عبر صور شعرية مفعمة فيها الكثير من الدلالات والرموز، وقصيدته التي تسربت إلى مفاهيمنا لتخلق إجواء ذات رؤى يصور من خلالها معاناتهم لنا في معظم قصائده، كما يقول عنه الناقد عبد القادر الحصني على صعيد المضمون يمازج شاعرنا ما بين موضوع قصيدته، وما بين ذاته ممازجة عالية، تستدعي الكثير من التأمل لحركة القصيدة ما بين العام والخاص، فمضامينه على اختلاف موضوعاتها "قومية، وطنية، سياسية، اجتماعية" تمدُ سدى خيوطها على طول قصيدته، ولكنها لا تصير نسيجاً إلا إذا أمدها بخيوط لحمةٍ من ذاته على اختلاف توزعها ما بين أناة.

"كما عادتي في الحروب، افتشُ عن مخرج للرحيل، كما عادتي حين يدهمني الحب، أبكي وينكفئ الدمعُ في داخلي، ثم أبكي قليلا، وقلبي يغني".

على كون الشعر مجالا ًخصبا لتحقيق الابداع، يقول "زردشة" الشاعر لن يتردد في المحاكاة دون أن يعرف الجانب الذي يجعل كل شيء حسناً أو قبيحاً، ولهذا شاعرنا شرارة ليس هناك من حائط متوسط يتكئ عليه، بل هو يقف في مناطق القوة ويقدم خدماته الروحية الإبداعية للجميع تفوق الحدود، فثمة تماه ٍعجيب ما بين بلال شرارة وموضوعه، وهو على صعيد الشكل، يطالعنا على هذا الصعيد هوى خاص للشاعر في اللعب على موسيقى القصيدة.

"يضيعُ وجهي في زحام الليلِ، كي أقوى على الظلمات، في المنفى الشديد، أنا كنتُ مثَلك جثة، لكن أمارس ُعادتي في الموت، حيث أكون".

فإنما الشعر صناعة وضرب من النسيج، وجنس من التصوير، وبهذا يقول الجرجاني وإنما الكلام أصوات محلها من السماع محل النواظر من الأبصار، وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الكمال، وتذهب في الأنفس كل مذهب، وتقف من التمام بكل طرق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن، والتئام الخلقة، وتتصاف الاجزاء، وتقابل الأقسام، وهو بالتالي ومن خلال أوراقه الشعرية كما يقال عنه.

"تقف الكلمة على إيقاعات الحياة والموت والضجر والفراغ والحزن والمرأة، وهي المواضيع القارة والأثيرة المتقلبة في سرير هذا الديوان، والذي يتابع شرارة عبر دواوينه الشعرية يجد الاهتمام الواضح من قبل الشاعر بالصورة الذهنية التي يسخرها لمعناه العام كنتيجة لديناميكية الذهن الإنساني في تأثيره بالابداع الفني، ويكون التركيز في هذه الدلالة.

شاعرنا شرارة ظل شبيهاً بنفسه، أو بالأحرى أميناً لنفسه، ظل كما يحبُ أن يكون، حالة ملتبسة، ولكنها شديدةُ الوضوح.

"وكان وكان، حصان َرهانٍ لكل الحروب، صدىً جارحاً في الصهيل، على كل ناصيةٍ يتربص ُ بالموت، حتى يموت، فيحيا، ولكن الموت فك له عروة العمر، حتى يشيخَ، فيسكنه الخوف من موته".

وعلى المعنيين ان ينتبهوا لقدرات شاعرنا الكبير شرارة والذي يعرفه في لبنان وخارجها فهو من كبار النشطاء الثقافيين في لبنان وفي الجنوب خاصة، وكما وصفه أحد النقاد بإنه ومن خلال عمله الشعري يشبه التطابق بين الشخص والنص لا من حيث الإيقاع فقط.

"أقرأ فاتحتي وأمد يدي، أفتح ُمزلاجَ الباب، طفلُ يلبس ُفولارَ الكشافة".

ولهذا جاءت لغته الشعرية التي نسجها في قصائد هذا الديوان كالوعاء الذي يحمل جميع المشاعر والأحاسيس، وأقصد مشاعر الشاعر شرارة مما نتج عنها هذا التلاحم والانصهار بين اللفظ والمعنى، ليكون النص نسيجاً جديداً أو لنقل مولداً جديداً النص.

"نتوزع، تتوزعنا الأمكنة هنا وهنالك".

وسبق للشاعر شرارة أن أصدر عدة دواوين نذكر منها، "ديوان الوادي" وديوان "برج التين" وغيرها من الدواوين.