بقايا اركان الوجود العربي

غياب النظام الرسمي العربي في خضم أحداث تعصف بالعالم العربي فتح المجال واسعا لتدخلات قوى خارجية بلعب دور غير مشروع في حيثيات الصراع القائم في الشرق الأوسط.. وتنزع لنفسها استحقاقات وجود غير مشروعة.

فقد فشل النظام العربي في احتواء الأزمة الفلسطينية، منذ البدء، فتواصل فشله في إيجاد حل للمعضلات الغارقة بفوضى الرغبات السياسية إلى حد التطاحن الذي ينذر بالخطر المحدق بمنطقة الشرق الأوسط. فمفاتيح الأزمات المعقدة لا يملكها النظام الرسمي العربي لأنه لا يملك حضورا في حيثيات الصراع الإقليمي-الدولي الدائر حول العالم العربي. والقوى السياسية ذاتها لا تمتلك استقلالية قراراتها. والكيانات السياسية اللاعبة في الساحة العربية أشبه بكائنات آلية يتم التحكم بحركتها عن بعد. فهي ليست إلا واجهة لحاضناتها. والوقت الذي يمضي في بيروت وغزة وبغداد والمنامة وصنعاء ودمشق وطرابلس، مجرد وقت ضائع لا يحسب بحساب الأرقام الايجابية التي تحقق نتائج النجاح المنتظر من المساعي المستمرة في محاولة لإيجاد حل ابعد من الزمن المستقطع من قبل النظام الرسمي العربي.

غزة المعزولة سياسيا وجغرافيا عن بيئتها الفلسطينية تحولت الى موقع متقدم لمراهنات إقليمية تسعى إلى تكريس مناطق تواجدها في قلب العالم العربي. والنظام الرسمي العربي لم يمتلك أدوات سياسية او دبلوماسية لاحتواء أزمة الداخل الفلسطيني التي تحولت إلى مواجهة غير معلنة بين قوة إقليمية تمركزت عبر واجهة سياسية تسعى لإنتزاع مركز القرار الفلسطيني.

اليمن السائر تحت غطاء عمامة أعجمية، ويعبث به العقل القبلي، يستعد لتسليم مفاتيح مضيق باب المندب بلا ثمن.

سوريا التائهة بين صراع الراغبين في تدعيم مواقع النفوذ، يتهاوى وجودها في محارق الموت اليومي وموجات هجرة المشردين.

العراق الغارق في وحل صراعات طائفية دخيلة، يبتلع تنظيم "داعش" ثلث أراضيه ليقيم عليه دولته الإسلامية المزعومة.

ليبيا الضائعة بعد سقوط جماهيريتها، تتقهر إلى الوراء بقوانين زمن مندثر.

أما مصر فتكاد تلتحق بركب مدن الفوضى والموت والخراب، بذات الأدوات التي ضربت الأمن القومي العربي.

فشل النظام الرسمي العربي في العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا، هو الفشل العربي المعتاد في حسم القضايا الكبرى، فمتى حسم النظام الرسمي العربي أمرا أو حل معضلة؟

معالجات النظام الرسمي العربي المستوردة من دهاليز مجتمع دولي، خاضع لمصالح القوى الكبرى، وقبوله بصياغات أجندة الحلول غير المنطقية لم تتوصل إلى اختراق للاضطراب الأمني والسياسي والإقتصادي القائم هنا وهناك.

وإذ يمر العالم العربي الآن بهذا المنعطف الخطير، سيجد نفسه في مواجهة الخطر المتوقع تفاقمه بين لحظة وأخرى، وهو خطر نسف أركان الوجود "البروتوكولي" لبقايا النظام الرسمي العربي في قلب القضايا المصيرية الكبرى، قبل أن يجد من ينطق بإسمة في المحافل الدولية.