بفساد أقل يُمكن بناء دول وحماية شعوب

لو كُلف الفاسد العربي ببناء قصر فإنه لن يبني كوخا بل سيترك الأرض خالية من أي أثر.


كادت المافيا أن تحكم إيطاليا ذات يوم بسبب تداخل الجريمة المنظمة مع السياسة


لم يسبق للفاسدين في العالم أن ألقوا دولة كاملة في بئر مظلم مثلما يحدث في لبنان


لم يتمكن الفاسدون من الانتقال بأكثر من نصف سكان دولة ثرية إلى ما تحت خط الفقر كما يحصل في العراق

لسنا أول الفاسدين ولن نكون آخرهم. الفساد لا يقتصر على ملة أو فئة أو طبقة أو شعب ولا دين أو قومية له. إنه سلوك بشري يحدث في كل مكان وزمان. جاءت الشرائع السماوية والأرضية لتمنعه وتحرمه وتجرمه وتحذر منه "لا تسرق" ولكنها لم تستطع أن تجتثه من النفس البشرية.

لا يحتاج الفاسدون إلى سبب لانحرافهم وهو (أي الانحراف في هذه الحالة) صفة ليس من المفاجئ أن نختلف في تقييم مستوياتها ومدى تصادمها مع القيم الإنسانية والدينية. لقد حفل التاريخ البشري بالكثير من الملتزمين دينيا كانوا من أكثر الناس فسادا كما ظهر سياسيون لامعون كانوا يميلون إلى الفساد. لا تلخص مفردة "لص" المشكلة بل تزيدها تعقيدا.

ففي العالم العربي مثلا اتسعت دائرة الفساد من خلال نهب أموال الدولة التي يفترض أنها أموال الشعب بين المنتمين إلى أحزاب وتنظيمات وجماعات الإسلام السياسي. ذلك لا يعني أن المنضوين تحت لافتة المجتمع المدني لم يكونوا فاسدين. يعطينا لبنان نماذج متقدمة في ذلك المجال. ولكن الغلبة كانت لجماعات الإسلام السياسي، كونها تمكنت من خزائن بعض الدول كما فُتحت أمامها خزائن دول أخرى مولتها ودعمتها.

هل يمكن اعتبار ذوو العمائم البيضاء والسوداء والخضراء لصوصا فيما تُقدم اللصوصية كونها وسيلة لاقتطاع أموال الامام الغائب؟ هنا تشتبك الجريمة بالمذهب. علينا أن لا ننتظر ما يقوله الفقه. فالأمور ستزداد حينها سوءا. حصص السادة "ذوي العمائم السوداء" من المال العام هي أمر متفق عليه بالنسبة للفقهاء. ولكنه نوع من أشد أنواع الفساد فتكا. ذلك لأنه يستند إلى شرعنة الجريمة وإدخال الدين إلى مكان الجريمة كونه شاهد زور.  

حين نبتعد قليلا عن النموذج السياسي الإسلامي الذي لم يكن للأسف مشرفا ولا منصفا ولا يمت إلى الشرائع بصلة نجد أن العالم يغص بالفساد ويتنقل الفاسدون بخفة، خفية وعلانية بين مناطقه الحيوية المختلفة. كادت المافيا أن تحكم إيطاليا ذات يوم لتداخل عالمي الجريمة المنظمة والسياسة. ولولا ظهور عدد من القضاة الصالحين لذهبت الدولة كلها إلى الجحيم، هناك حيث يتم تطبيع الفساد وهو ما تعيشه منذ سنوات دول عربية قُدر لها أن تُحكم أما من قبل الفاسدين مباشرة أو من قبل المستفيدين من الفساد.   

ولو أن دول العالم تتعامل مع الفساد بمثل ما يتعامل العرب لعمت الفوضى العالم وتم ابتذال القوانين وتسييسها بمعنى وضعها في خدمة الفاسدين. كان ايهود أولمرت نموذجا قريبا من العرب. لقد زج برئيس الوزراء الإسرائيلي في السجن بسبب اتهامه بالفساد. أما كان علينا أن نتعلم من درس العدو الذي نسخر من ديمقراطيته ونعتبرها كذبة؟

ولكن مهلا هل أدى فساد أولمرت إلى انقطاع التيار الكهربائي بشكل نهائي في إسرائيل؟ هل سبب فساده ضياع ثلثي الأراضي الإسرائيلية؟ هل انهار الشيكل الإسرائيلي بسبب ذلك الفساد؟

طبعا يمكنني أن استمر في وصف الكوارث العظمى التي سببها الفساد للعالم العربي وهي كوارث لم يشهدها العالم مجتمعة إلا في المنطقة العربية. لم يسبق للفاسدين في العالم أن القوا دولة كاملة في بئر مظلم مثلما يحدث في لبنان. لم يتمكن الفاسدون في التاريخ المعاصر من الانتقال بأكثر من نصف سكان دولة ثرية إلى ما تحت خط الفقر كما يحصل في العراق. لم يجرؤ الفاسدون على تدمير المورد الأساس لعيش الشعب مثلما حدث في تونس حين تم تدمير السياحة. 

في حقيقة الأمر فإن الفساد العربي أو العربي الإسلامي هو فساد غير مسبوق ولا أعتقد ان هناك فسادا سيلحق به وينافسه. لن تجود البشرية بفاسد بمستوى العراقي نوري المالكي الذي بنى العراق باعتباره جنة لكن على الورق. مليارات الدولارات تبخرت ولم ير العراقيون مقابلا ماديا لها. وحين نلتفت إلى لبنان نرى أن الفساد دمر نصف الجزء التاريخي من العاصمة بيروت من غير أن يتمكن القضاء العالمي من فض الاشتباك، ذلك لأن الفاسدين يمكنهم أن ينهوا أسباب الحياة في البلد في أية لحظة.

الفساد موجود في كل مكان وكل زمان ولكنه يكون دائما فسادا أقل لو تمت مقارنته بالفساد العربي. تبقى تأثيرات الفساد العالمي محدودة ولا تمنع البشر من ممارسة الحياة والاستفادة من التقنيات الحديثة أما الفساد العربي الإسلامي فإنه لا يبقي ولا يذر. فلو كُلف الفاسد العربي ببناء قصر فإنه لن يبني كوخا بل سيترك الأرض خالية من أي أثر.

لو طالبت الشعوب العربية بفساد أقل وتمكنت من تحقيق مطلبها لفهمت شيئا مما يجري لها.