بغداد مدينة السلام تنهض من رمادها دائما

متابعة: أحمد فضل شبلول
أتعود بعد تصرمٍ ونفادِ.. أيامُ بغدادٍ إلى بغدادِ

مدينة السلام اسم من الأسماء الكثيرة لعاصمة العراق "بغداد"، التي أنشأها الخليفة المنصور عام 145 هـ . واتفق المؤرخون وعلماء اللغة على أن لفظة "بغداد" أعجمية، ولذلك اختلفوا اختلافا كبيرا في ضبط حروفها، فنطقت بأكثر من نطق وبأكثر من لفظ، وبالتالي اختلف معنى الاسم باختلاف النطق واللفظ.
ومن هذه المعاني البغدادية: مؤسسة الله، وبستان صنم، وبستان رجل، ودار الغنم، وما إلى ذلك، ولكن يذكر أن أبا حاتم السجستاني عندما سأل أبا سعيد الأصمعي عن معنى كلمة بغداد أو بغداذ، قال له، قل: مدينة السلام. وهو من أسمائها العربية، بالإضافة إلى أسماء عربية أخرى أمثال: مدينة المنصور، ودار الخلافة، والزوراء، وغيرها، كما ذكر طه الراوي في كتابه "بغداد مدينة السلام" الذي صدر قبل أكثر من نصف قرن، ويصدر هذه الأيام ـ في طبعة جديدة ـ عن دار المدى للثقافة والنشر بدمشق (104 صفحات)، ويوزع مجانا مع العدد 232 من جريدة القاهرة المصرية، ضمن مشروع "الكتاب للجميع" الذي تشارك فيه جرائد عربية أخرى هي: القبس بالكويت، والأيام بالبحرين، والحياة السعودية، والثورة السورية، والبيان بالإمارات، والسفير بلبنان.
***
بعد التمهيد الذي ذكر فيه المؤلف معنى اسم بغداد، وذكر فيه خبرا عن بنائها، وسبب اختيار مكانها، يذكر الراوي شذرات من سجايا البغداديين وشمائلهم، وشذرات من أقوال أهل الفضل فيها نظما ونثرا، ثم يستخلص التاريخ السياسي لبغداد في ثلاثة أبواب:
الباب الأول: يتحدث فيه عن العهد العباسي، ويبتدئ بإنشاء بغداد وينتهي بسقوطها بأيدي المغول، وفيه يتحدث عن طور العظمة والازدهار (145 ـ 247 هـ) مرورا بنكبة البرامكة، ثم استئثار الجيش بالسلطة (247 ـ 334 هـ) ثم الحديث عن العهد الديلمي (334 ـ 447 هـ) والعهد السلجوقي (447 ـ 552 هـ ) ثم الطور الأخير قبل العهد المغولي (552 ـ 656 هـ).
في الباب الثاني يتحدث المؤلف عن العهد المغولي، وما أعقبه من تطورات، وينقسم إلى خمسة فصول، ويبدأ بالعهد الهولاكي (656 ـ 740 هـ) فالعهد الجلائري (740 ـ 813 هـ) وجلائر إحدى قبائل المغول الكبرى نشأ فيها قواد معروفون اتصل بعضهم بآل جنكيز خان. ثم العهد التركماني (813 ـ 914 هـ) والقبائل التركمانية تنشعب عن القبائل التركية الكثيرة العدد. ثم العهد الصفوي (914 ـ 941 هـ) والشيخ إسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية ورجلها الأول، ويمت بنسبه إلى الشجرة العلوية. ثم العهد العثماني (941 ـ 1335 هـ) حيث انتزع العثمانيون بغداد من بقايا الصفويين، وعمدوا إلى رمِّ الأضرحة المهدمة فيها، وإصلاح الكثير من شؤون المدينة.
وتحدث الباب الثالث عن عهد الاحتلال الإنجليزي، وما بعده وحتى منتصف القرن العشرين، ففي اليوم الحادي عشر من شهر آذار / مارس سنة 1917 م الموافق 15 جمادى الأولى سنة 1335هـ دخل الجيش الإنجليزي مدينة السلام ونشر القائد العام بلاغا جاء فيه ما معناه أن الجيش الإنجليزي لم يدخل العراق قاهرا وإنما جاء محررا، وأن الإنجليز يرغبون كل الرغبة في مساعدة العرب على إحياء مجدهم وإنشاء دولتهم (وهو الإدعاء نفسه الذي يردده بعد أقل من تسعين عاما الأمريكان، ودخلوا على إثره بغداد، بمساعدة الإنجليز ودول أخرى). ويمضي طه الراوي في حديثه قائلا: ومنذ ذلك التاريخ صارت بغداد تدار إدارة خاصة.
***
بعد ذلك يتحدث الراوي عن الخطط والآثار في بغداد، من حيث أشهر المحلات في القديم (محلات الجانب الغربي، ومحلات الجانب الشرقي، ومحلات بغداد اليوم، وأبواب بغداد) والمساجد الجامعة (ومنها: مسجد الشيخ معروف، وجامع القمرية، وجامع الشيخ صندل) والمدارس (ومنها: مدرسة مرجان) والمتاحف، وخزائن الكتب، والقصور، والأنهار، والجسور، والحمامات.
ثم يتعرض الراوي للحياة العقلية من علوم شرعية، وعلوم كونية، وعلوم لسانية، في بغداد.
ثم يفرد مبحثا عن الشعر والشعراء.
ولعلنا ننشد الآن ما أنشده الزهاوي قبل الدستور العثماني في قصيدة عنوانها "أيام بغداد" يقول فيها: أتعود بعد تصرمٍ ونفادِ
أيامُ بغدادٍ إلى بغدادِ
كانت محطًّا للعلومِ وأهلها
وقرارةٌ للمجدِ والأمجادِ
اليوم هاتيك العلوم جميعها
مدفونةٌ بمقابرِ الأجدادِ
أيام مدَّ الأمنُ وارفَ ظله
فيها فكانت جنةَ المرتادِ
أيام بغداد تضيء جميلة
فتلوح مثل الكوكبِ الوقَّادِ
***
هذه هي بغداد في كتاب طه الراوي الذي قدم رصدا مكثفا لكل وجوه الحياة التي عاشتها بغداد على مدى ثلاثة عشر قرنا، ولاشك أننا في حاجة إلى كتب أخرى عن بغداد في النصف الثاني من القرن العشرين وحتى وقوعها في يد الاحتلال الأمريكي في التاسع من نيسان / أبريل 2003م. وكأن التاريخ يعيد نفسه، وفي كل مرة يتأكد لنا أن بغداد تنهض من رمادها دائما، على حد قول بندر عبد الحميد على الغلاف الخلفي للكتاب. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية