بغداد في ظل الاحتلال: خوف واحباط وانعدام للأمن

تصرفات الجنود الأميركيين تثير غضبا متزايدا بين العراقيين

بغداد - صوب طفل صغير حافي القدمين مسدسه الدمية الذي اصطنعه لنفسه تجاه مركبة عسكرية أمريكية في أحد مفارق الطرق في العاصمة العراقية بغداد، بينما أخذ عراقي مخمور على بعد بضعة شوارع من هذا الموقع يركل دبابة أمريكية كانت تسير بجواره ببطء. كما أخذ عراقيون آخرون يرشقون جنود الحراسة أمام مقر الادارة المدنية الامريكية المجاور بالحجارة.
فرغم مرور خمسة أشهر على دخول القوات الامريكية بغداد منتصرة، فإن العلاقات بين قوات الاحتلال والمحتلين لا يسودها إلا الخوف والاحباط.
وصرح بول بريمر، رئيس الادارة المدنية الامريكية في العراق في خطاب إذاعي وجهه إلى الشعب العراقي، بأنه لا يرغب وكذلك الولايات المتحدة في أن يكونوا قوة احتلال. ووعد بريمر ألا تبقى القوات الامريكية في العراق إلا بقدر الحاجة إليها.
وفي الواقع فإنه من الصعب العثور على عراقي واحد يرحب بوجود قوات الاحتلال.
ويسود الغضب واليأس أرجاء العاصمة بغداد حيث تصاعدت أعمال السرقة والقتل والاختطاف بصورة كبيرة على مدى الشهرين الاخيرين.
كما أصبحت المناضد التي تضعها المقاهي على الارصفة خاوية، على الرغم من اعتياد العراقيين الجلوس عليها حتى ساعات متأخرة من الليل خلال شهري أيار/مايو وحزيران/يونيو. وكادت الحياة أن تتوقف في شوارع المدينة بعد الثامنة مساء.
وأم دينا مثل حي على حالة الخوف التي تسود بين العراقيين. فهي تعيش وابنتها البالغة من العمر خمسة وعشرين ربيعا وحدهما في منزلهما الذي لا تغادرانه إلا للضرورة القصوى. وتحرص أم دينا على توصيل ابنتها، التي تعمل أستاذة بالجامعة، إلى مقر عملها في سيارتها المتهالكة يوميا خوفا من المغتصبين والخاطفين.
وعلى الجانب الاخر فإن الولايات المتحدة ترفض تحمل مسئولية ما يجري من أخطاء في العراق بعد الحرب، ولاسيما وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد الذي رد منتقدا العراقيين خلال زيارته إلى العراق يوم السبت الماضي.
ورغم إقراره بأن انعدام الامن وارتفاع معدل البطالة مشكلتان كبيرتان، فإن رامسفيلد قال إن مسئولية ذلك يتحملها العراقيون أنفسهم.
وأضاف رامسفيلد أنه يتعين على العراقيين، بدلا من أن يوجهوا أصابع الاتهام إلى قوات التحالف، مساعدة الولايات المتحدة في تعقب المجرمين والمتشددين وإلقاء القبض عليهم.
إلا أن كثيرا من العراقيين يقولون إن سجل القوات الامريكية التي تحتل العراق منذ خمسة أشهر حافل بكثير من الاخطاء. كما يقولون إن الولايات المتحدة مسئولة إلى حد ما عن الهجمات القاتلة التي وقعت الشهر الماضي أمام السفارة الاردنية وفي مقر الامم المتحدة وفي الاماكن المقدسة في مدينة النجف الاشرف.
ويقول فايق أمين بكر مدير الطب الشرعي في بغداد الذي يواجه في كل يوم بضحايا أعمال العنف المتزايد في شوارع العاصمة إن "الهجمات بهذه الصورة التي تسفر عن عدد كبير من الضحايا والمصابين لم تكن لتحدث في الماضي".
وفي الوقت ذاته لم يبق في بغداد أحد من الاجانب، وأما القليلون منهم الذين اضطروا للبقاء فقد تحصنوا خلف جدر عالية.
والامن في مدينة البصرة جنوبي العراق، التي تخضع للسيطرة البريطانية، ليس بأحسن حال منه في بغداد. وفي غربي بغداد دأبت العصابات المسلحة على اعتراض السيارات الاجرة التي تحمل الركاب بين مدن العراق في طريقها إلى الاردن.
كما لم يعد سرا أن الجنود الامريكيين أخذوا يتململون من البقاء في العراق ويتحرقون شوقا إلى العودة إلى بلادهم.
ويقول هؤلاء الجنود إنهم يشعرون وكأنهم أهداف متحركة أثناء قيامهم بدوريات حراسة في العراق. وذكر الليفتنانت جنرال ريكاردو سانشيز قائد القوات البرية الامريكية في العراق أن القوات تتعرض حاليا لخمس عشرة هجمة في اليوم الواحد.
ويقول المراقبون إن هذه التجربة تجعل الجنود عصبيين وعدوانيين.
وتقول صحفية عراقية ذات شعر مصبوغ بلون أحمر "انظروا إلى تصرفاتهم المهينة"، حيث وضعت شرطية أمريكية يدها على أعلى فخذيها أمام العامة قبالة مركز بغداد للمؤتمرات وذلك بحثا عن أسلحة خفية.
وأضافت الصحفية العراقية "إنهم يريدون أن يكونوا قوات تحالف، كلا، فهم محتلون".