بغداد تنجح في تركيع إقليم كردستان

هل يقدر على الاستقلال؟

السليمانية (العراق) ـ أَغلق سردار غريب هاتفه منذ أسابيع ولازم بيته، وعندما يزوره أحد الدائنين يعده بإعادة أمواله مع تحسن الوضع. إلا إنه ليس من الواضح لا عند سردار ولا عند أحد آخر متى ستنتهي الأزمة المالية التي أصابت إقليم كردستان.

سردار هو أحد المقاولين الذين أعلنوا إفلاس شركاتهم المختصصة في مجال البناء. وكما يقول فإن شركته واقعة تحت ديون تقدر بمليون وخمس مائة ألف دولار بسبب توقف المشاريع وهي لا تملك سيولة تدفعها لأصحاب الديون.

وهو ليس وحيدا، حيث كشف إحصاء لاتحاد مستثمري كردستان أن 430 شركة ومقاولا في المجالات المختلفة أعلنت إفلاسها في الأشهر الستة الماضية 250 منها في السليمانية و110 في اربيل و70 في دهوك، فيما سجلت محاضر الشرطة حالات انتحار ومحاولات انتحار من قبل مقاولين.

ويقول المسؤولون في إقليم كردستان إن حكومة بغداد فرضت منذ بداية 2014 حصارا اقتصاديا على الإقليم، ولم ترسل ميزانية الإقليم التي يعتمد عليها بنسبة 95 في المئة.

الإقليم بدوره تحمل الأزمة في أشهرها الأولى بقوة وأمن رواتب الموظفين الحكوميين وأتمم بعض المشاريع من أمواله التي وفرها من بيع النفط، إلا إن ضغوط بغداد انهكت الإقليم تماما، ويبدو إنه لن يستطيع التحمُّل أكثر.

وقال ياسين محمود المتحدث باسم اتحاد مستثمري كردستان إن الحصار الذي تفرضه بغداد مع الأحداث الأمنية في المناطق المجاورة للإقليم وانخفاض حجم التبادل التجاري مع إيران وتركيا ومدن العراق الأخرى وجهت ضربة موجعة لاقتصاد كردستان.

وانخفضت الإجازات الاستثمارية مقارنة بشهر أيلول/سبتمبر 2013 بنسبة 80 في المئة كما توقفت ثلاثة آلاف مشروع من المشاريع التي تم تحويلها إلى المقاولين بشكل شبه كامل إذ ليس في مقدور الحكومة صرف أموال للمقاولين لإتمامها.

حرب تنظيم الدولة الاسلامية التي تحتل أجزاء واسعة من الأراضي في العراق وسوريا مع الإقليم، تسببت هي الأخرى في مخاوف للشركات الأجنبية التي أوقفت معظمها أعمالها وسرحت موظفيها كما انخفض حجم التبادل التجاري بين الإقليم والمدن العراقية الأخرى بسبب الوضع الأمني المتردي.

بالإضافة إلى ذلك، أثقلت الأعداد الكبيرة من النازحين واللاجئين الذين جاؤوا من المدن العراقية وسوريا كاهل حكومة الإقليم. ليس هذا فحسب بل إن معظم موظفي الإقليم لم يتسلموا راتب شهر تموز/يوليو حتى اليوم، ولا تملك حكومة الإقليم حلا سريعا لمعالجة الأمر.

السلطات في كردستان تحدثت قبل تفاقم الأزمة عن إمكانية تأمين ميزانية الإقليم عن طريق تصدير النفط والواردات المحلية وعدم الحاجة لبغداد ولكن المختصين يؤكدون أن تجربة الأشهر الماضية أثبتت صعوبة ذلك.

وتشير معلومات وزارة المالية في الإقليم إن رواتب موظفي الإقليم لوحدها تبلغ 850 مليار دينار دون تكاليف المشاريع وأجزاء الميزانية الأخرى فإذا وصل حجم صادرات النفط في الإقليم إلى 400 برميل يوميا ستبقى واردتها لن تغطي احتياجات الإقليم.

وقال دلير طارق المتحدث باسم وزارة المالية في الإقليم "ننتظر أن ترسل الحكومة العراقية الجديدة ميزانية الإقليم ولكننا لا نعلم إن كانت سترسل رواتب الموظفين كاملة أم سلفة صغيرة لحين إقرار الميزانية".

وتؤكد المعلومات التي أعلنتها مصادر داخل البرلمان وحكومة الإقليم أن الحكومة طلبت قروضا من شركات إيطالية ويابانية ونمساوية وتركية إلا إن بنكا يابانيا واحدا فقط وعد بتقديم المساعدة.

ومع أن حكومة الإقليم تعتبر الحكومة في بغداد هي المذنبة في الأزمة، إلا إن المراقبين الاقتصاديين يرون أنها أيضا تتحمل ذنب الأزمة بسبب تصديرها النفط دون الاستعداد لمثل هذا السيناريو.

وقال الاقتصادي محمد كريم والاستاذ في جامعة السليمانية إنه كان ولابد أن تكون لدى "حكومة الإقليم خطة بديلة، كما كان عليها أن توفر الأموال وتطوِر قطاعات الزراعة والصناعة، فإفلاس أصحاب رؤوس الأموال والمقاولين يمثل خطرا اقتصاديا واجتماعيا كبيرا ويوقف عجلة الإعمار بشكل كامل".

المشاركون الأكراد في اجتماع الأطراف السياسية في الثامن من ايلول/سبتمبر حول المشاركة في الحكومة العراقية الجديدة، سألوا نيجيرفان بارزاني عن إمكانية تأمين ميزانية الإقليم في حال عدم العودة إلى بغداد فكان جوابه بلا، وكان ذلك أحد الأسباب الرئيسة وراء مشاركة الأكراد في حكومة العبادي.

وبعد أسابيع قليلة من حكم العبادي، ينتظر آلاف الموظفين في الإقليم والمئآت من المقاولين مثل سردار أن يصدر رئيس الوزراء الجديد قرارا بإرسال حصة الإقليم من الميزانية وإبعاد الكابوس عنهم. (نقاش)