بغداد تغرق: تعبير خارج عن المألوف

حادثان منفصلان شهدتهما بغداد اليوم ليسا بمعزل عن ازمة الامطار التي تعانيها بعض ازقتها منذ اكثر من اسبوع. الحادث الاول؛ بشقين؛ ما اعلنه سعد المطلبي عضو مجلس محافظة بغداد عن دولة القانون بتعرض موكبه لهجوم عنيف من الاهالي الغاضبين في احدى ساحات حي اور، وشقه الثاني قيام سكان حي المعامل بقطع الطرق العامة المحاذية لمناطقهم.

اما الحادث الثاني فهو تعرض مجموعة من الناشطين امام مبنى امانة بغداد في شارع الجمهورية وسط العاصمة للاعتقال والتضييق اثناء تظاهرة طالبت بإقالة امين بغداد نتيجة الفشل في ادارة ملف العاصمة الخدمي عموما والمتعلق بتجمع مياه الامطار وتلكؤ تصريفها من بعض الازقة خصوصا، مما ادى الى اضرار جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة بل ووفاة بعض الاشخاص من جرائها.

المقارنة بين الحادثين ليست بالصعبة، فالمشترك بينهما هو رغبة الجمهور بالتعبير التي جاءت بطرق مختلفة عن موضوع واحد وهو ازمة الامطار. فأهالي حي اور نفسوا عن ما يجول بداخلهم بطريقة عنيفة طالت رتل سيارات وحماية عضو مجلس المحافظة الذي يعتبرونه مسؤولا عن معاناتهم رغم انه قد يكون جاء للاطلاع او حتى المساعدة وشاطرهم اهالي المعامل عملهم حينما وجدوا ان سلاحهم الوحيد للضغط على الادارة البلدية ولفت انتباهها لمعاناتهم هو اغلاق الطريق الرئيسي الرابط بين محافظة بغداد وديالى المجاورة. اما الناشطون المدنيون ومعهم بعض المتضررين من غرق منازلهم فحاولوا التعبير عن مطالبهم بالتظاهر بطريقة سلمية امام الجهة المسؤولة عن تقديم الخدمات وتصريف مياه الامطار مطالبين بوسائل ديمقراطية بمحاسبة المسؤولين عن هذه الازمة واقالة امين بغداد.

واذا كانت الحالة الاولى التي وقعت في حي اور مرفوضة تماما ايما كانت الاسباب من هذا الطرف او ذاك لانها عنيفة وخارجة عن القانون، مثلما قطع الطرق في منطقة المعامل مرفوض ايضا لانه اضِرار بالمصلحة العامة، والتظاهر امام مبنى الامانة مرفوض هو الآخر لانه تدخل بالسياسة العامة من وجهة نظر البعض وخروج عن ارادة الكتل السياسية التي دائما ما تتقاسم المناصب وفقا للمحاصصة الحزبية، رغم ان استبدال امين بغداد (مطلب المتظاهرين) ليس بالامر المستحيل خصوصا اذا ما علمنا انه معين بالوكالة.

فكيف يعبر المواطن اذن عما يعانيه؟ وايهما افضل استخدامه للقوة والتخريب وقطع الطرق العامة ام التظاهر السلمي والمطالب المشروعة امام الجهة المسؤولة؟ اسئلة نضعها امام من يخاف توسع ظاهرة الاحتجاج على الخلل وتحولها الى ممارسة مدنية، والاخيرة افضل بكل الاحوال عن غيرها من الممارسات التي قد يلجأ اليها المواطن.. لا سامح الله.

وان كان حل ازمة الامطار، يتمثل بـ:

1. العمل لخدمة المواطن ليلا ونهارا بالإمكانيات الهائلة والميزانيات الضخمة، دون كلل او ملل.

2. التحلي بالشجاعة للتنحي عن المسؤولية؛ لمن لا يستطيع؛ والاعتراف بالعجز عن ادارة ملف الخدمات.

3. تقديم المسؤول والمتسبب بالتلكؤ والخلل الى القضاء امام مرأى ومسمع الرأي العام عموما والمتضررين خصوصا، لأنه الاسلوب الامثل لامتصاص النقمة وتعديل كفة التعبير السلمي؛ لصالح النظام العام والديمقراطية ومؤسساتها؛ في مواجهة دعاة العنف.

واذا لم نقم بالخطوات اعلاه، فلنتوقع الاسوأ من المواطن في مساحات التعبير الخارجة عن المألوف لسببين:

الاول - توقعات امطار غزيرة تسقط على بغداد ومدن الجنوب في الايام المقبلة قد تفاقم من ازمة الامطار الحالية، والثاني - بُعد موسم الانتخابات باعتباره احدى وسائل التغيير الديمقراطي التي يلجأ اليها المواطن لمعاقبة المقصرين من السياسيين احيانا.