بغداد تستعيد قواها نهارا استعدادا لقصف الليل

بغداد - من سامي كيتس
بغداد نابضة بالحياة رغم الحرب

تسير وتيرة الحياة ببطء في بغداد حيث يعمل العراقيون نهارا على تأمين غذائهم وحاجياتهم الضرورية وتضميد جروحهم واستعادة قواهم، قبل ان يغرقوا ليلا في جحيم القصف والانفجارات والنيران.
على بعد 500 متر من فندق الرشيد، كانت جرافة تجمع الركام الناتج عن قصف مبنى الحرس الجمهوري، قوات النخبة الخاصة بالرئيس العراقي، الذي هدمه الهجوم الاميركي ليل الجمعة السبت.
وتبدو آثار الحرائق السوداء واضحة على جدران المبنى، فيما خرجت الستائر البلاستيكية من النوافذ التي تحولت الى فجوات. وفي الخارج، كان مسلحون من حزب البعث يتفقدون الاضرار.
في الجهة الثانية من الطريق، اصطدمت سيارة مرسيدس بيضاء، تحت تأثير انفجار قوي على الارجح، بعامود كهربائي انحنى من عزم الصدمة.
ولا يزال الدخان يتصاعد من قصر الجمهورية، المجمع الرئاسي القريب من جسر الجمهورية فوق نهر دجلة. وتعرض هذا المجمع الذي يعتبر رمزا للحكومة العراقية الجمعة لقصف عنيف استمر قرابة ثلاث ساعات.
وينشغل التجار في المحيط بازالة شظايا الزجاج من محلاتهم، فيما يعمل مسلحون وجنود على جرافة باعداد ملاجئ في مساحة خضراء صغيرة.
وتتحرك المدينة شيئا فشيئا، وتنشط حركة السير، وتطلق السيارات ابواقها.
في هذا الوقت، تجمع شاحنات القمامة من الشوارع الرئيسية. وتفتح الافران ابوابها، ويزل تجار الفاكهة والخضار الاغطية عن البضاعة المعروضة. فيما يخرج السكان للافادة من ضوء النهار ينشدون بعض الراحة.
وينتشر مسلحو ميليشيا حزب البعث بلباسهم الاخضر او المدني في كل مكان في المدينة، في الشوارع وعند تقاطعات الطرق، حاملين رشاشاتهم الكلاشينكوف. ويتجمع بعضهم امام باعة الشاي المتجولين ويحكون انطباعات واخبار الليلة الماضية.
في احدى صالات البليار قرب ساحة الفتح على ضفة دجلة، يلتقي بعض الاصدقاء، فيما تمكن مشاهدة شظايا صاروخين استهدفا المقر العام لهيئة الاركان في الجيش العراقي فجر السبت، امام مدخل المحل.
ويروي تحسين الذي يدير المكان قائلا "عندما سمعنا اصوات الدفاعات الجوية ليلا، صعدنا الى سطح المنزل ورأينا على ارتفاع 150 مترا صاروخا يصل في خط مستقيم، ثم يعود ادراجه بعد استدارة بلغت 180 درجة ويستقر في المبنى."
ويضيف "بعد بضع دقائق، وصل صاروخ ثان من جهة اخرى، واخترق المبنى نفسه بالطريقة نفسها."
في اي حال، تبدو آثار هذين الصاروخين واضحة في المبنى الذي يشير اليه تحسين، اذ لم يبق من سطح المنزل الا اسلاك الحديد والركام.
ويصل بعد وقت قليل سائق التاكسي علي، الذي يعيش في مدينة صدام. يقول انه قام صباح اليوم خلال ساعة واحدة بثلاث توصيلات حقق منها 3500 دينار (1.2 دولارا). اما الان فيريد ان يرتاح لينسى الليلة الرهيبة التي امضاها مع ولديه على سطح المنزل يراقبون القصف.
ويضع زبائن صالة البليار الشبان، الكرات الملونة الصغيرة في المثلث الخشبي عل الطاولة، ويمسكون بالعصي الخاصة، ثم يتواعدون على الالتقاء مساء، وقد جلب احدهم زجاجة شراب للمناسبة.
وتستعيد المدينة حياتها فعلا في بداية فترة بعد الظهر، قبل حلول الظلام.
وتفتح المحلات ابوابها لبضع ساعات، فيما تستقبل بعض المطاعم زبائن على شرفاتها. وكأن العراقيين يسعون بتأخير موعد عودتهم الى منازلهم، تأخير ساعات الجحيم.
الا ان الليل سيحل حكما. هي ساعة القصف، ساعة بكاء الاطفال، ساعة الرعب، رغم ان اصوات الانفجارات دوت للمرة الاولى نهارا بعد ظهر السبت، وتبين انها ناتجة عن قصف جوي لمواقع عسكرية في جنوب وغرب وشمال بغداد.
ولم تؤثر اصوات الانفجارات البعيدة على الحياة التي استمرت ببطء في وسط العاصمة.